الوسائل البديلة و دورها في تسوية منازعات القروض الصغرى

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
الوسائل البديلة و دورها في تسوية منازعات القروض الصغرى


محمد فحفوحي
طالب باحث بماستر الوسائل البديلة
لفض النزاعات بكلية الحقوق بفاس 
إن الطرق البديلة لتسوية المنازعات ليست آلية جديدة، وإنما هي قديمة جدا قدم الإنسانية، لكن الجديد هو ضرورتها في وقت يحتاج إليها الجميع على مختلف المستويات والمجالات. هذه الضرورة أفرزتها المعضلة التي يواجهها القضاء منذ أمد بعيد في مختلف الأنظمة القضائية عبر العالم، تتجلى في تراكم أعداد هائلة من القضايا، بسبب التأخير في إصدار الأحكام، البطء في الحسم في النزاعات، تعدد أوجه الطعن عبر مختلف درجات التقاضي، زيادة على اتسام إجراءات التبليغ بالتعقيد، وانعدام الفعالية. كما أن معضلة تضخم وتراكم القضايا ليست حكرا على الدول النامية، بل تعاني منه أيضا وبدرجات متفاوتة الدول المتقدمة بدورها مع فارق في نوعية وموضوع القضايا. هذه الأزمة عرفتها أمريكا في أول الأمر على مستوى الدول المتقدمة وما فتئ أن امتد الأمر إلى الدول الأخرى كانجلترا وفرنسا.
وبالوقوف على الدور الفعال الذي تلعبه هذه البدائل في تسوية نزاعات القروض الاستهلاكية التي تربط في غالب الأحيان بين المستهلك باعتباره الطرف الضعيف في مواجهة البنك المقرض، فانه تم التركيز على مؤسسات القروض الصغرى للوقوف على مدى إعمال الوسائل البديلة في حل نزاعات القروض الاستهلاكية عوض اللجوء إلى المساطر القضائية و كذا الخروج بنتائج وتوصيات في الأخير.
والمغرب بدوره أولى في الآونة الأخيرة اهتماما كبيرا بهذه الوسائل حيث نظم المشرع بعضا منها في عدد من قوانينه، ومنها التحكيم و الوساطة الاتفاقية في قانون القانون رقم 08.05، وكذا ميثاق الوساطة البنكية الذي وضعا الإطار القانوني للوساطة البنكية....
أولا : رصد واقع تجربة الصلح في تسوية نزاعات القروض الصغرى
 بالوقوف على الدور الفعال الذي تلعبه هذه البدائل في تسوية نزاعات القروض الاستهلاكية التي تربط في غالب الأحيان بين المستهلك باعتباره الطرف الضعيف في مواجهة البنك المقرض، فاننا نجد المؤسسات القروض الصغرى تلجأ إلى الوسائل البديلة أولا قبل اللجوء إلى المسطرة القضائية التي تتسم بالبطء و التعقد ، فالمؤسسة تفضل حل النزاع بطريقة ودية مع المعني بالأمر لحماية سمعته ، و كذلك سمعة المؤسسة المعنية ، لكن في حالة الفشل فالمؤسسة تلجأ للمحكمة للحصول على حقها.
كما أن المؤسسة المعنية تفضل اللجوء إلى الوسائل البديلة و خاصة الصلح مع المعني بالأمر، و بالتالي إقصاء الوساطة ، باعتبار الصلح هي الوسيلة الأنجع لحل النزاع و بأسرع وقت ممكن.
و في حالة الاتفاق و التوصل إلى حل و إبرام الصلح مع المهني .يبقى التساؤل عن الضمانة التي تعتد بها المؤسسة ؟
حيث أن المؤسسة في حالة إبرام الصلح مع المعني بالأمر يتم تضمين ذلك في العقد من اجل ضمان تسديد الديون المعلق على عاتق المدين في الأجل المتفق عليه في العقد المذكور و في حالة الإخلال فان المؤسسة تأخذ ذلك العقد كحجة قاطعة أمام المحكمة للدفع بالتعويض عن الخسائر التي تصيبها من جراء العقد المبرم بطريقة ودية ، فضلا عن الدين الثابت على عاتق المدين.
أما فيما يخص الجهة المخول لها إجراء هذا الصلح؟ و طريقة التعيين ؟
باعتبار أن المستهلك دائما هو الطرف الضعيف في النزاع أمام المؤسسة المقرضة ، فإنها تفرض عليه مجموعة الشروط التي يجب الرضوخ إليها لإنجاح الصلح عوض اللجوء إلى المحكمة ، و يتجلى ذلك في الجهة المخول لها إجراء الصلح ، حيث تخول هذه المهمة إلى إلى أحد الموظفين التابعين للمؤسسة و ليس من الأغيار ، وهذا من شأنه أن يمس من حقوق المستهلك لمصلحة المؤسسة.كما أن المؤسسة لا تقيد المصالح بمدة معينة لإنهاء الصلح.
لكن  في بعض الأحيان يمكن للمؤسسة المعنية اللجوء إلى التحكيم لحل النزاع مع المعني بالأمر ، إلا أن هذا التحكيم لا يتجاوز حدود المؤسسة بمعنى آخر التحكيم المؤسسي و الذي تسهر عليه المؤسسة سواء من حيث طريقة التعيين أو من حيث أتعاب المحكم ، كما أن التحكيم يقوم به أحد الموظفين التابع للمؤسسة و هو ما ينقص من نزاهته ومن نتائجه التي غالبا ما تضر بالطرف الضعيف فيلتجأ للمحكمة .
ان المؤسسات المقرضة لا تلجأ الى هذه البدائل في أغلب الأحيان ، بل في بعض الحالات فقط ، و ذلك راجع إلى مشاكل  تنفيذ بنود العقد من قبل المعني بالأمر.
أما فيما يخص المدة التي يتم الفصل فيها ووضع حد للنزاع ، و إبرام الصلح ، فإن المؤسسة في غالب الأحيان لا تتعدى مدة شهر لحل النزاع مع المعني بالأمر ، لتفادي الإجراءات و المصاريف  القضائية .
و عليه فإن النزاعات التي تنشأ بين المؤسسة و زبنائها  في غالب الأحيان تحل عن طريق الوسائل البديلة و خاصة الصلح  في مقابل غياب الوسائل الأخرى و خاصة التحكيم ، و كذلك الوساطة المنصوص عليها في قانون حماية المستهلك . لكن و إن كان قانون حماية المستهلك قد أحال في م 111 منه على نظام الوساطة إلا أنه لم يشر صراحة إلى القانون 05-08 رغم أن هذا الأخير قد سبقه من حيث تاريخ صدوره، كما أن الوساطة الاتفاقية تنبني على مبدأ سلطان الإرادة المطلق بين طرفيها مما يجعلها محط اختلاف في قبولها للتطبيق في حل نزاع طرفين غير متكافئين.

ثانيا : نتائج البحث
إن تقييم مدى تفعيل الوسائل البديلة لحل النزاعات في المجال البنكي خاصة في نزاعات القروض الصغرى لم يقتصر على الجانب النظري و حسب و انما البحث في الواقع العملي عن نجاح هذه الوسائل من عدمها ، وعليه توصلنا إلى مجموعة من  النتائج المهمة التي دفعتنا إلى اتخاذ و التفكير في مجموعة من التوصيات التي نراها جد مهمة لمحاولة تدعيم هذه البدائل و تفعيلها في الواقع العملي:
v           إذا كانت الوسائل البديلة منظمة بنصوص قانونية ، فإن تفعيلها في الواقع العملي فيه نوع من التحفظ من قبل إدارة المؤسسة المقرضة و حتى الزبناء .
v           عدم إلمام إدارة المؤسسة بالنصوص المنظمة للوسائل البديلة و خاصة الوساطة ، الأمر الذي يجعل الأخيرة بعيدة التفعيل لدى المؤسسات المعنية .
v           اتجاه إرادة المؤسسات إلى إعمال الوسائل البديلة و خاصة الصلح بشكل أكبر مع التحفظ في الولوج إلى التحكيم، نظرا لمزايا الصلح في حل النزاعات فضلا على أنه يكون تحت إشراف المؤسسة.
v           كذلك غياب جهاز إداري خاص بالمؤسسات المعنية تخول له مهمة حل النزاع ، بل يتم تخويل هذه المهمة لأحد الموظفين العاملين بالمؤسسة ، و في غالب الأحيان رئيس المؤسسة.
v           كذلك غياب الأجل الذي ينبغي أن ينتهي فيه هذا الإجراء ، و بالتالي ينبغي للشخص الذي يقوم بالصلح كامل الحرية في إنهائه ، و إن كان البعض يحدد شهر كحد أقصى.
v           اتجاه إرادة المؤسسة إلى إعمال الوسائل البديلة ، بنوع من التحفظ ، بمعنى أخر ليس مع جميع المستهلكين ، بل فئة معينة أي التي تكون لها ضمانة لتنفيذ بنود العقد.
v           غياب تكوين خاص لهؤلاء الموظفين في مجال إعمال الوسائل البديلة ، الأمر الذي يجعل الصلح الذي تعتمده أغلب المؤسسات لا يتعدى 50/ من نجاحه.
v           كذلك غياب ثقافة الوسائل البديلة لدى الكثير من المستهلكين، الأمر الذي يدفعهم إلى رفض هذه الوسيلة مع إدارة المؤسسة.
v           غياب تنظيم داخلي للمؤسسة يلزمها بإجراء الوسائل البديلة قبل اللجوء إلى القضاء ، بل الأمر يبقى منحصر في السلطة التقديرية للمؤسسة و رغبة الزبون.
v           عدم تحديد قيمة القرض الذي يجوز فيه إجراء الصلح، بل ذلك مرتبط بالمستهلكين و مدة تعاملهم مع المؤسسة.


التوصيات :
v           من أجل جعل الوسائل البديلة بتعدد صورها تتلاءم مع بنود قانون حماية المستهلك في نزاعات القروض الصغرى و الكبرى ، ينبغي أن يتم تأطيرها بنظام خاص يحد من الليبرالية المطلقة ، و التي قلنا أنها لا تخدم مصلحة الطرف الضعيف في العلاقة التعاقدية و هو المستهلك ، و ذلك بتخصيص بنود من قانون حماية المستهلك لتدبير هذه الآلية.
v           كما ينبغي جعل هذه الوسائل البديلة تمارس من طرف جهات محايدة غير معتمدة لدى الطرف المهني { البنوك } كما هو الحال الوساطة البنكية و بعض لجان الوساطة التي تعتمدها بعض مؤسسات القروض الصغرى .
v           بالإضافة إلى ضرورة إشراك جمعيات حقوق المستهلك في بلورة  الوسائل البديلة في التطبيق العملي لهذه الوسائل و تفعيل المقتضيات.
v           إجراء حملات تحسيسية على المستوى الإعلامي تهم كافة العاملين و الفاعلين في المجالات الاقتصادية و الاجتماعية قصد تعميم و إشاعة الحل الودي للنزاعات.
v           إن قانون الاستهلاك الذي تطغى عليه المقتضيات الزجرية المبتعد عن التفكير التفاوضي ، لم يهتم بما يكفي بالآليات البديلة ، و بالتالي ينبغي خلق إطار قانوني ضمن قانون الاستهلاك يشير إلى هذه الوسائل و يجعلها تتوافق مع الطابع الحمائي و تخدم مصلحة المستهلكين ، و كل تسوية ودية تخرج عن مقتضيات هذا التأطير تعتبر في حكم البطلان من أجل تفادي بعض الممارسات و مثالها ما يسمى ب " الوساطة الخاصة " التي تعتمدها هيئات معينة و تفرضها على الزبائن تفاديا لتبعات التقاضي و تهربا من المسؤولية و الضمان ، و لذلك ينبغي جعل هذه الوسائل البديلة اختيارية بحيث يبقى للمستهلك كامل الحرية في اللجوء إلى القضاء في أي مرحلة من مراحلها.

التصنيف :
هام : هذا الموضوع ضمن تصنيفات المدونة زووم العربية نشكرك للمتابعة . يمكنك نقل الموضوع من المدونة لكن بشرط يجب ذكر المصدر و ذكر رابط الموضوع الاصلي قبل نقل أي موضوعالمرجوا زيارة صفحة الخصوصية
نسخ الرابط
نسخ للمواقع

0 التعليقات:

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

المساهمات

المساهمات

شركاؤونا

شركاؤونا
شركة المنهل

اشترك في القائمة البريدية

contentieux des affaires ( ISSN ) 2508-9293 © 2014-2016