البناء القانوني للتجنيس في ضوء القانون المغربي

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
البناء القانوني للتجنيس في ضوء القانون المغربي


إعداد: الباحث محمد قاسمي
ماستر الأسرة في القانون المغربي والمقارن 
مقدمة

         لكل دولة عناصر ومقومات ثلاث وهي: السلطة السياسية، والإقليم ، والشعب، بحيث يرتبط بهذا الأخير معيار على ضوئه يتم معرفة انتمائه لهذه الدولة دون غيرها، وهذا المعيار متمثل أساسا في الجنسية، بحيث تعتبر هذه الأخيرة أفراد رقعة جغرافية معينة المحدد الأساسي لربط الأفراد بالدولة التي يحملون جنسيتها دون باقي الدول.
وتنقسم الجنسية إلى نوعين، جنسية أصلية والأخرى مكتسبة، وهو الأمر الذي نلمسه في العديد من التقنينات الوضعية، التي يوجد ضمنها قانون الجنسية المغربي، فهذا الأخير حدد طرق اكتساب الجنسية المغربية في سبعة أساسية، لعل أهمها التجنيس والاسترجاع.
فالتجنيس يعتبر أحد أهم الطرق القانونية لاكتساب جنسية في دولة معينة كالمغرب[1]، ويتم ذلك بعد استيفاء مجموعة من الشروط تختلف من دولة لأخرى لاعتبارات عدة منها ما هو سياسية، اقتصادية واجتماعية.
         فالتجنيس منحة تخوله الدولة[2]، بمقتضى سلطتها التقديرية المطلقة للجهة الحكومية المختصة، لفائدة الأجنبي الذي يطلبها، بعد استفاء الشروط المقررة في القانون.[3]
فالدخول في الجنسية المغربية اعتمادا على التجنيس يتطلب توفر العديد من الشروط، بالإضافة إلى تقديم الطلب إلى السلطة المختصة التي يبقى لها سلطة البث في هذا الطلب، تم بعده تصدر قرار بالقبول أو الرفض، لينتج عن هذا القرار إذا كان الرد ايجابيا مجموعة من الآثار لعل أهمها إكساب صاحبها الجنسية المغربية.
وتتمحور إشكالية هذا الموضوع أساسا في البحث والتقصي لأجل معرفة فلسفة المشرع من الأخذ بالتجنيس كسبب من الأسباب الواردة في قانون الجنسية لأجل تمتيع الشخص الأجنبي بالجنسية المغربية المكتسبة.
ويتفرع عن هذا الإشكال سؤالين فرعيين من قبيل: ما هي الشروط المتطلبة قانونا  لأجل اكتساب الجنسية المغربية عن طريق التجنيس؟ وما هي الآثار المترتبة في حالة اكتسابها؟
ولأجل الإجابة على ما سبق طرحه من إشكالات سنعمد إلى اعتماد التصميم التالي
المطلب الأول : ماهية التجنيس وأهميته
المطلب الثاني :اكتساب الجنسية بالتجنيس وأثاره
المطلب الأول : ماهية التجنيس وأهميته
سبقت الإشارة في تقديم هذه الدراسة أن التجنيس وسيلة من الوسائل التي تكسب الشخص الأجنبي الجنسية المغربية في قد سلف، فهو سبب من أسباب تمتع الشخص بهذه الجنسية وعليهسنتعرض في إطار هذا المطلب إلى ماهية التجنيس في الفقرة الأولى، ثم إلى أهميته في الفقرة ثانية.
الفقرة الأولى: ماهية التجنيس
يعرف التجنيس بأنه دخول الفرد في جنسية الدولة بناء على طلبه، وموافقة هذه الدولة، كما يعرف كذلك  "كسب جنسية الدولة كسبا لاحقا للميلاد بناء على الطلب المقترن بتوفر شروط معينة والذي تتمتع الدولة إزاءه بالسلطة التقديرية " أو هو " نظام قانوني تضعه الدولة لتنظم بمقتضاه كيفية ثبوت الجنسية الوطنية لمن يطلبها من الأفراد الذين ينتمون بحسب الأصل إلى دولة أجنبية. [4]"
انطلاقا من هذه التعاريف يمكن القول بأن التجنيس لا يتم إلا باجتماع إرادتين، تتمثل الأولى في وجود تعبير صريح من الفرد عن رغبته في الدخول في جنسية الدولة، أما الثانية فتتمثل في موافقة هذه الدولة في دخول الفرد في جنسيتها من عدمه.
أما فيما يخص الطبيعة القانونية للتجنيس، فيرى الأستاذ محمد الأطرش أنه لا يجب أن نرى في هذا النظام ما يوحي على أنه ذو طبيعة عقدية رضائية، لأن التجنيس هو نظام قانوني تنشئه الدولة وحدها وتحدد أحكامه وتظل متمسكة بآثاره، ومن تم فإنه إن كان هناك من دور لإرادة الفرد فإنه مجرد شرط للدخول في هذا النظام الذي يظل متوقفا في النهاية على موافقة السلطات المعنية[5].
فالتجنيس هو نظام قانوني تتجلى فيه أقوى صور الطابع السيادي الذي يميز الجنسية عموما سواء كانت أصلية أو مكتسبة، لأن الدولة تتمتع في نطاقه بالحرية المطلقة في الموافقة على منح الجنسية من عدمه تبعا لما تقتضيه المصلحة الوطنية[6] أولا وأخيرا.

الفقرة الثانية:أهمية التجنيس
من الواضح أن التجنيس، باعتباره مصدرا لاكتساب الجنسية المغربية، يشكل احد الابتكارات الهامة التي جاء بها قانون الجنسية المغربي لسنة 2007 ، إذ لم يكن من الممكن، قبل صدور ظهير الجنسية المغربية لنفس السنة، أن يكتسب الأجنبي الجنسية المذكورة عن طريق التجنيس لعدم وجود نص تشريعي بهذا الصدد[7].
حيت تكمن أهمية التجنيس بالنسبة للشخص الذي يكتسبها بهذا السبيل في أن يؤسس عليه جنسية من جهة، ومن جهة ثانية فهو مجرد وسيلة لتغيير انتمائه في الدولة التي يقيم فيها من الواقع إلى القانون.
ومن جهة ثالثة قد تكمن أهمية التجنيس بالنسبة للشخص في النتائج التي يتوخاها من هذه المؤسسة القانونية، ذلك أنه قد يرغب في أن تكون له جنسية إذا كان عديمها أو أنه يسعى إلى تغيير جنسيته السابقة عن طريق اكتساب جنسية جديدة، وأحيانا قد تكمن أهمية اكتساب الجنسية بطريق التجنيس في توحيد الجنسية بين أفراد الأسرة الواحدة سواء تعلق الأمر بالزوج أو الزوجة وذلك حفاظا على عدم تعدد هذه الجنسية بين أفراد هذه الأسرة وبصفة خاصة لدى الأطفال الذين يكتسبون جنسية أبائهم.
المطلب الثاني : اكتساب الجنسية بالتجنيس وآثاره
يتوقف اكتساب الأجنبي للجنسية المغربية عن طريق التجنيس على تحقق شروط حددها المشرع في الفصل 11 المعدل والمتمم بموجب الفصل الأول من القانون رقم 62.06 مع مراعاة الحالات الاستثنائية الوارد عليها النص في الفصل 12 المعدل والمتمم بموجب الفصل الأول من نفس القانون.
والملاحظ أن المشرع المغربي قد ساوى في منحه جنسيته بين جميع الأجانب، فلم يميز بين العربي وغير العربي والمسلم وغير المسلم كما فعلت بعض التشريعات العربية فالكل عنده سواء.
سنتناول في هذا المطلب اكتساب الجنسية المغربية عن طريق التجنيس العادي والاستثنائي بشروطهما في الفقرة الأولى، تم الآثار المترتبة على اكتساب الجنسية بالتجنيس سواء العادي أو الاستثنائي في الفقرة الثانية.
الفقرة الأولى : شروط اكتساب الجنسية بالتجنيس العادي والاستثنائي
بخلاف حالات اكتساب الجنسية بقوة القانون التي يرتكز فيها الاكتساب على رابط الدم والتراب، فإن التجنيس العادي يرتكز فيه الاكتساب على الاندماج في المجتمع أو تقديم خدمة استثنائية للمغرب .
حيت  المشرع المغربي نظم  التجنيس العادي وحدد الشروط الواجب توافرها لكي يحظى الأجنبي على إثرها بالجنسية المغربية (أولا) في حين بين الشروط المتطلبة في التجنيس الاستثنائي(ثانيا).
أولا : شروط التجنيس العادي
ينص الفصل 11 من قانون الجنسية المغربي على أنه " يجب على الأجنبي الذي يطالب باكتساب الجنسية المغربية عن طريق التجنيس أن يثبت توفره على الشروط المحددة فيما بعد، مع مراعاة الأحوال الاستثنائية المنصوص عليها في الفصل 12..."
يستفاد من هذا الفصل أن الأجنبي الراغب في الحصول على الجنسية المغربية أن تتوفر فيه الشروط المحددة قانونا، وتنقسم هذه الشروط إلى شروط موضوعية وأخرى شكلية.
1-الشروط الموضوعية للتجنيس العادي
يمكن تقسيم الشروط الموضوعية التي حددها المشرع في هذا الإطار بموجب الفصل 11 من قانون الجنسية فيما يلي :
         الشروط المتعلقة بسلامة الإرادة
تطلب المشرع المغربي أن يكون الشخص الأجنبي الراغب في الحصول على الجنسية بالتجنيس بالغا لسن الرشد المحدد في المادة 209 من مدونة الأسرة، والمحدد في 18 سنة شمسية كاملة، أي أن يكون طالب التجنيس أهلا لمباشرة الأعمال والتصرفات القانونية كافة .[8]
الشروط المتعلقة بالاندماج في الجماعة الوطنية
تطلب المشرع المغربي مجموعة من الشروط التي من خلالها يتبين له اندماج طالب التجنيس داخل الجماعة الوطنية من عدمه ومنها:
الإقامة في المغرب:
اشترط المشرع المغربي على طالب التجنيس أن تكون إقامته في المغرب إقامة اعتيادية تصل مدتها إلى 5 سنوات، وأن تستمر هذه الإقامة إلى حين البث في طلب التجنيس.
 فالملاحظ أن مختلف التشريعات تستلزم إقامة الأجنبي طالب التجنيس في إقليم الدولة خلال فترة معينة كشرط لدخوله في جنسيتها، وهذا أمر تقتضيه المبادئ الأساسية في مدة الجنسية، فالدولة لا تستطيع أن تفرض جنسيتها على أجنبي غير المقيم بإقليمها.[9]
وفي نظرنا. أن المشرع تطلب من طالب التجنيس أن تكون إقامته على سبيل الاعتياد لكي يتأكد له أن هذا الأخير ينوي بالفعل الاستقرار داخل الدولة، بمعنى أن إقامته فعلية وليست صورية.
والجدير بالذكر أن الإقامة المعتبرة في نظر القانون هي الإقامة المشروعة، إذ أن العمل غير المشروع لا يمكن أن ينتج عنه حق لمرتكبه[10] ، بحيث الجنسية المغربية تمنح للأشخاص المقيمين شرعيا على التراب الوطني.
أما بخصوص هذه الإقامة المذكورة التي اشترطها المشرع المغربي، فيبدو أنها قصيرة مقارنة مع ما صرحت به  بعض الدول العربية، فالإمارات العربية مثلا حددتها في ثلاثين سنة، ومصر حددتها في عشر سنوات والبحرين حددتها في خمسة وعشرين سنة إذا كان الأجنبي غير عربي و خمسة عشر سنة إذا كان عربيا[11].

         إثبات الدراية الكافية باللغة العربية :
اشترط المشرع في طالب التجنيس أن يكون له إلمام باللغة العربية، رغبة منه في معرفة مدى اندماجه داخل الجماعة الوطنية وسهولة تواصله معها.
والجدير بالذكر أن أغلب تقنينات الجنسية الوضعية، وإن كانت تتفق في هذا الشرط بحكم أن معرفة لغة الدولة أداة لازمة للاندماج في جماعتها، إلا أنها تختلف في بيان الدرجة اللازمة في معرفة اللغة وفي التعبير عن هذه الدرجة بنص التشريع فمنها ما ينص على " الإلمام باللغة "، ومنها ما ينص على  " الإلمام الكافي باللغة "، ومنها ما ينص على " القدرة على القراءة وكتابة اللغة " ومنها ما ينص على فهم اللغة فهما يشمل القدرة على القراءة والكتابة" ومنها ما ينص على اشتراط " معرفة كافية باللغة العربية " كما هو الشأن بالنسبة للتشريع المغربي.[12]
لكن التساؤل يطرح حول المقصود باللغة العربية؟ هل هو اللغة العربية الفصحى أم الدارجة؟
في اعتقادنا أن المطلوب في المجنس الإلمام باللغة العربية الفصحى باعتبارها لغة رسمية للبلاد، وليس اللهجة المغربية حتى ولو كانت وسيلة التواصل الشائعة في البلاد.
وهنا نطرح سؤال حول اعتبار الإلمام بالأمازيغية شرطا من شروط قبول التجنيس، كونها هي كذلك لغة رسمية للبلاد، بعد أن ارتقا بها الدستور المعدل لسنة 2011 إلى مصاف اللغات الرسمية للبلاد في فصله الخامس.
         الشروط المتطلبة لحماية المجتمع الوطني
استلزم  المشرع المغربي في هذا الصدد تحقق مجموعة من الشروط في المرشح لاكتساب الجنسية المغربية عن طريق التجنيس، هادفا من ورائها ضمان الحماية للمجتمع المغربي، ومن هذه الشروط:
أ‌-        أن يكون حسن السيرة والسلوك وأن لا يكون له سوابق
يتضح من خلال هذا الشرط أن المشرع يهدف إلى حماية المجتمع وصيانته من جميع المناحي، حيت سعى إلى عدم دخول أشخاص من ذوي السوابق والسلوك غير السوية تدعيما للمقومات التي يقوم عليها المجتمع.
وهنا قد يطرح سؤالين مفادهما، هل يجب أن يكون الحكم الصادر بالإدانة من أجل جنحة أو جناية ابتدائيا فقط أم يجب أن يكون هذا الحكم نهائيا؟ وكذلك فيما إذا كان يدخل في ذلك الأحكام الصادرة عن المحاكم المغربية فقط أم حتى الأحكام الأجنبية الصادرة ضد المرشح للتجنيس ؟
في هذا الخصوص نرى أنه إذا كانت الجنسية منحة تمنحها الدولة لطالبها وفق شروط محددة قانونا، فإنه ليس هناك ما يمنع على  الجهة المختصة في إطار سلطتها التقديرية الأخذ بعين الاعتبار هذه المسائل، خاصة وأن الحكم الصادر ضد طالب التجنيس عما اقترفه من جنايات أو جنح  يؤكد عن عدم صلاحيته في الانتماء إلى هذه الجماعة كقاعدة عامة.
لكن استثناءا فإننا نرى أنه يجب على المشرع أن ينص صراحة عن نوع الحكم الصادر ضد طالب التجنيس، وأن يقر بأن هذا الحكم يجب أن يكون نهائيا، لأنه إن لم يكن كذلك سيؤدي إذا أخدنا بالحكم الابتدائي إلى المس بعدد من المبادئ المكرسة دستوريا من أهمها قرينة البراءة وكذا مبدأ التقاضي على درجتين، حيث يمكن لطالب التجنيس بعد صدور حكم بالإدانة أن يقدم طلب التجنيس وبعد الاستئناف يتم تبريئه من المنسوب إليه فمن الحيف هنا رفض طلب التجنيس على أساس الحكم الابتدائي الذي قضى بإدانته.
ب‌-    أن يكون سليم العقل والجسم.
الغرض من التجنيس هو تغذية الشعب المغربي بالعناصر المفيدة التي قد يكون في حاجة إليها، ومن البديهي أن السماح بتجنيس المصابين بإعاقة ذهنية أو مريضا بمرض خطير لا شفاء منه أو معاقا لا فائدة من إدماجه في المجتمع المغربي يتنافى مع هذا الغرض، لأن طالب التجنيس الموجود في هذه الوضعية كقاعدة عامة، من الصعب عليه إيجاد وسيلة للكسب المشروع، وسيكون عالة على غيره وعلى المجتمع المغربي وهذا الأخير ليس في حاجة إلى أشخاص قد يشكل مرضهم أو إعاقتهم عبئا على ميزانية الدولة وتهديدا للنظام العام[13].
ج-  أن يكون لطالب التجنيس وسائل مشروعة  كافية للعيش
إن المقصد من هذا الشرط كما هو واضح تفادي صيرورة الأجنبي الوافد على المجتمع المغربي عالة على الدولة، فمن غير المعقول أن يكون التجنيس وسيلة لإثقال كاهلها الدولة، وإنما المفترض أن يكون الراغب في الجنسية سببا في دعم اقتصادها لا في إرهاقه فلا أقل من أن تكون  لطالب التجنيس وسيلة مشروعة للعيش تعينه ومن يعول[14] .





التصنيف :
هام : هذا الموضوع ضمن تصنيفات المدونة زووم العربية نشكرك للمتابعة . يمكنك نقل الموضوع من المدونة لكن بشرط يجب ذكر المصدر و ذكر رابط الموضوع الاصلي قبل نقل أي موضوعالمرجوا زيارة صفحة الخصوصية
نسخ الرابط
نسخ للمواقع

0 التعليقات:

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

المساهمات

المساهمات

شركاؤونا

شركاؤونا
شركة المنهل

اشترك في القائمة البريدية

contentieux des affaires ( ISSN ) 2508-9293 © 2014-2016