إجراءات المتابعة القضائية والجزاء المقرر لجريمة الصرف في التشريع الجزائري.

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
إجراءات المتابعة القضائية والجزاء المقرر لجريمة الصرف في التشريع الجزائري.



عبد العزيز خنفوسي
أستاذ محاضر قسم –أ-
كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة الدكتور "مولاي الطاهر" بسعيدة، الجزائر.



 مقدمة:
     إن الطبيعة الخاصة لجريمة الصرف جعل المشرع الجزائري يرسم لها نظاما قانونيا خاصا ينفرد به عن باقي جرائم القانون العام، لاسيما في مجال قمع الجريمة الذي يشمل معاينة الجريمة ومتابعتها، وكذا إجراء المصالحة فيها الذي قد يضع حدا للمتابعة، ثم الجزاء المقرر تطبيقه على كل مخالف للتشريع والتنظيم الخاصين بالصرف وحركة رؤوس الأموال من وإلى الخارج، وتبعا لذلك يخضع هذا النوع من الجرائم إلى إجراءات خاصة تخرج أغلبيتها عن الأحكام العامة المنصوص عليها في قانون الإجراءات الجزائية الجزائري، والمعمول بها في مجال معاينة ومتابعة جرائم القانون العام.
      هكذا نجد أن المشرع الجزائري في مجال معاينة الجريمة التي تؤدي إلى متابعته قضائيا خص بالذكر فئات محددة من الأعوان على سبيل الحصر يناط بهم دون سواهم صلاحيات لمعاينة الجريمة ثم تحديدها وتوزيعها على مختلف الفئات، أما شروط وكيفية تعيين هؤلاء الأعوان حددت عن طريق التنظيم. 
        وأما بالنسبة للجزاء، فنجد أن المشرع الجزائري قد اقر صراحة بمسؤولية الشخص المعنوي في جرائم الصرف، وأمام ذلك الوضع ميز بين العقوبات المطبقة على المخالف فيما إذا كان شخصا طبيعيا أو معنويا من جهة، ووضع مبدأ عدم جمع العقوبات من جهة أخرى، بحيث لا تطبق على جرائم الصرف إلا العقوبات المنصوص عليها في الأمر رقم 96/22 المعدل والمتمم.
       وبالتالي فالإشكالية الرئيسية التي نود معالجتها في طيات هذا المقال البحثي تتمثل في: ما هي إجراءات المتابعة القضائية المنصوص عليها في التشريع الجزائري بغية مواجهة جرائم الصرف؟ وما هي العقوبات المرصودة في جرائم الصرف، وهذا في إطار إقرار مسؤولية كل من الشخص المعنوي والشخص الطبيعي؟
      للإجابة على الإشكالية الرئيسية المطروحة أعلاه ارتأينا نهج الخطة التالية بجانب المقدمة والخاتمة، والتي نعالج الموضوع من خلالها وفق الآتي:

المحور الأول: المتابعة القضائية للجريمة.
نصت المادة 02(1) من المرسوم التنفيذي رقم 97-257 المعدل والمتمم بالمرسوم التنفيذي رقم 11-34 المؤرخ في 29 يناير سنة 2011 على أن محاضر المعاينة تشكل قاعدة لازمة للمتابعة، ومن ثم لا يجوز متابعة جرائم الصرف بناءًا على مجرد مراسلة أو شكوى غير مصحوبة بمحضر معاينة الجريمة.
تثير متابعة جريمة الصرف جملة من التساؤلات نوردها فيما يلي:
أولا- ميعاد المتابعة:
نصت المادة 09 مكرر في فقرتها الأخيرة من الأمر رقم 96-22 المعدل والمتمم بموجب الأمر رقم 03-01 على أنه إذا لم تتم المصالحة في أجل ثلاثة (03) أشهر من يوم معاينة الجريمة، فإنه يرسل الملف إلى وكيل الجمهورية المختص إقليميا وذلك من أجل المتابعة.
رأينا من خلال عرضنا للمصالحة بموجب الأمر رقم 03-01 أن المشرع جعل المصالحة مكنة للوزير المكلف بالمالية ولمرتكب المخالفة، وبالتالي فليس للوزير اقتراحها على هذا الأخير وليس لهذا الأخير التمسك بحقه في المصالحة، غير أن ما نصت عليه الفقرة الأخيرة من المادة 09 مكرر المذكورة تجعل من مهلة الثلاث (03) أشهر حقا للمتهم يجوز له التمسك به للمطالبة ببطلان المتابعة إذا تمت قبل ميعاد ثلاث (03) أشهر من معاينة الجريمة، وذلك باعتبار أن هذا الإجراء (مهلة 03 أشهر لإجراء المصالحة) جاء به المشرع لصالح المتهم والمصالحة ألطف له من المتابعة القضائية، ومن ثم لا يجوز حرمانه من هذا الأجل لتقديم طلب المصالحة، ومع ذلك تبقى المصالحة مجرد مكنة وليس حقا لمرتكب المخالفة بحيث يمكن للوزير المكلف بالمالية تجاوز طلبه أو رفضه صراحة، غير أن الوزير يبقى مقيدا بمهلة ثلاث (03) أشهر لتقديم الشكوى إلى وكيل الجمهورية.
وتبعا لما سبق، فإن تقديم الشكوى إلى وكيل الجمهورية قبل مهلة (03) أشهر من يوم معاينة جريمة الصرف يترتب عنه بطلان المتابعة ويكون الحكم بعدم قبول الدعوى العمومية.
ويثور التساؤل بخصوص الأجانب حول مدى الالتزام بالمهلة المذكورة (03) أشهر في حالة عدم إجراء مصالحة مع مرتكب المخالفة في الأيام الأولى من معاينتها: فهل يخلى سبيلهم فيغادرون الجزائر بدون متابعة، أم أنهم سيرغمون على البقاء في انتظار انقضاء المهلة؟


ولقد حاول المشرع التكفل بهذه المسألة من خلال الفقرة الأخيرة من المادة 08 مكرر التي أضافتها المادة 63 من قانون المالية لسنة 2007 التي تنص على أن يتوقف خروج المتهمين المقيمين في الخارج، أو ذوي الجنسية الأجنبية المتابعين بارتكاب جريمة الصرف على تقديم كفالة تضمن دفع العقوبات المالية المستحقة، ومع ذلك يبقى التساؤل قائما.
أما إذا انتقلنا إلى الحديث عن ماجاء به الأمر رقم 10-03 فيما يخص ميعاد المتابعة، فإننا نستطيع القول بأن المشرع الجزائري قد حافظ على نفس المدة المشار إليها في المادة 09 مكرر في فقرتها الأخيرة من الأمر رقم 03-01، لكن الشيء الجديد (المادة 09 مكرر2 من الأمر رقم 10-03) هو تقسيم مهلة الثلاث (03) أشهر بين من يريد تقديم طلب إجراء المصالحة في أجل أقصاه ثلاثون (30) يوما من تاريخ معاينة المخالفة، وبين لجنة المصالحة المختصة (الوطنية أو المحلية) التي يجب عليها أن تبث في الطلب في أجل أقصاه ستون (60) يوما من تاريخ إخطارها، وبالتالي إذا قمنا بجمع المدتين سوف نحصل على مدة تسعين (90) يوما، والتي تعتبر المهلة القانونية التي يجب أن تتم فيها المصالحة.
ثانيا- المبادرة بالمتابعة:
أوقفت المادة 09(2) من الأمر رقم 96-22 المعدل والمتمم بموجب الأمر رقم 03-01 المتابعات الجزائية في مجال مخالفة التشريع والتنظيم الخاصين بالصرف وحركة رؤوس الأموال من وإلى الخارج، وذلك على أساس شكوى من الوزير المكلف بالمالية أو محافظ بنك الجزائر أو أحد ممثليهما المؤهلين لهذا الغرض.
وما يلاحظ هنا هو أن المشرع سوى بين الوزير المكلف بالمالية ومحافظ بنك الجزائر فيما يخص بالمبادرة إلى تقديم شكوى، وهو أمر غير وارد في القانون المقارن فلا القانون الفرنسي على سبيل المثال، ولا القانون التونسي أعطى لمحافظ البنك المركزي صلاحية تقديم شكوى في المجال الصرفي.
وتجدر الإشارة إلى أن الأمر رقم 96-22 عند صدوره في 09/07/1996 كان يحصر صلاحية تقديم الشكوى في الوزير المكلف بالمالية أو ممثليه المؤهلين دون سواهم، وأنه إثر تعديل هذا النص في 19/02/2003 بموجب الأمر رقم 03-01 أضاف إليه المشرع محافظ بنك الجزائر، وذلك في سياق مسعى يهدف إلى رد الاعتبار لبنك الجزائر باعتباره سلطة نقدية تصدر أنظمة وتراعي تنفيذها في مجال مراقبة الصرف وتنظيم سوقه (المادة 44- ك من القانون رقم 90-10 المؤرخ في 14/04/1990 المتعلق بالنقد والقرض).
وتبعا لذلك لا يجوز  للنيابة العامة مباشرة المتابعات القضائية ضد مرتكبي جرائم الصرف بدون شكوى الجهات المخولة قانونا، وإذا بادر بالمتابعات بدون شكوى فإن إجراءات المتابعة تكون مشوبة بالبطلان، ويكون الحكم بعدم قبول الدعوى العمومية.
كما تبطل إجراءات المتابعة التي تتم بناءًا على شكوى من أحد موظفي الوزارة المكلفة بالمالية، أو بنك الجزائر إذا لم يكن مؤهلا من قبل الوزير أو محافظ بنك الجزائر لهذا الغرض.
وقد عين الوزير المكلف بالمالية ممثليه المؤهلين لتقديم شكوى من أجل جرائم الصرف بموجب مقرر مؤرخ في 08/04/2003، وقد حصرهم في أعوان الجمارك دون سواهم.
كما فوض للمدير العام للجمارك(3) تحديدا عن طريق مقرر داخلي سلطة وضع قائمة الأعوان المؤهلين، ويبقى لمحافظ بنك الجزائر أن يحدد بدوره قائمة ممثليه المؤهلين لتقديم الشكوى.
وفي هذا الإطار، ونظرا لما يترتب على الشكوى وعدمها من نتائج على سير الإجراءات وعلى حقوق الأفراد وحرياتهم، فإننا نرى أنه من الضروري تحديد قائمة ممثلي الوزير المكلف بالمالية ومحافظ بنك الجزائر المؤهلين لتقديم الشكوى بنص أسمى من المنشور بحيث يكون محل نشر في الجريدة الرسمية.
وتجدر الإشارة إلى أن القانون رقم 04-14 المؤرخ في 10/11/2004 المعدل والمتمم لقانون الإجراءات الجزائية قد تضمن أحكاما تخص جريمة الصرف تفيد بجواز تمديد الاختصاص المحلي لوكيل الجمهورية إلى دائرة اختصاص محاكم أخرى، وذلك عن طريق التنظيم (المادة 37(4) من ق.إ.ج.ج المعدل والمتمم).
وتنص المادة 40 مكرر01 من نفس القانون على أن يخبر ضباط الشرطة القضائية فورا وكيل الجمهورية لدى المحكمة الكائن بها مكان ارتكاب الجريمة، ويرسلون له أصل المحضر ونسختين منه، ويرسل هذا الأخير فورا النسخة الثانية إلى النائب العام لدى المجلس القضائي التابعة له المحكمة المختصة، ويطالب النائب العام فورا بالإجراءات إذا اعتبر أن الجريمة تدخل ضمن اختصاص المحكمة التي تم توسيع اختصاصها.
يثور التساؤل في ظل هذه الأحكام المميزة حول ما إذا كان بإمكان النيابة العامة مباشرة المتابعة القضائية بصرف النظر عن الشكوى المنصوص عليها في الأمر رقم 96-22 المتعلق بجريمة الصرف أم أن المتابعة تبقى خاضعة لهذا الإجراء المقيد؟


لا نرى في الإجراءات الجديدة التي جاء بها قانون الإجراءات الجزائية ما يسمح بتجاوز الشكوى باعتبار أن الخاص يقيد العام، فعلى وكيل الجمهورية والنائب العام التقيد بما جاء في القانون الخاص بجرائم الصرف بالنسبة لاشتراط الشكوى، ومن ثم يتعين عليهما أن يرسلا محاضر المعاينة فور اتصالهما بها إلى الوزير المكلف بالمالية لاتخاذ الإجراءات القانونية المنصوص عليها في الأمر رقم 96-22.
غير أن التعديلات الجديدة التي جاء بها الأمر رقم 10-03 أسقطت قيد الشكوى وألغت المادة 09 من الأمر رقم 03-01 المتعلقة بالشكوى.
ويترتب عن ذلك أن محاضر المعاينة المتعلقة بهذا الجرائم، والتي كانت ترسل إلى الوزير المكلف بالمالية أو إلى محافظ بنك الجزائر أصبحت ترسل فورا إلى وكيل الجمهورية المختص إقليميا، كما ترسل نسخة منها إلى لجنة المصالحة المختصة، وأخرى إلى الوزير المكلف بالمالية ومحافظ البنك.
ثالثا- ملائمة المتابعة:
إذا كان المشرع بموجب الأمر رقم 03-01 المعدل والمتمم للأمر رقم 96-22 قد حرم النيابة العامة من حريتها في تحريك الدعوى العمومية، بحيث علق تحريكها على شكوى من وزير المالية أو محافظ بنك الجزائر أو أحد ممثليهما المؤهلين لهذا الغرض، فإنه لم يجردها من سلطتها في ممارسة الدعوى العمومية وهي السلطة التي تباشرها وحدها دون سواها في المجال الصرفي، وبناءًا على ذلك يبقى للنيابة العامة تقدير ملائمة المتابعة، بحيث لها الحق في أن تباشر المتابعات وفق الطريق الذي تختاره، ولها أن تحفظ الشكوى إذا رأت مثلا أن عناصر الجريمة غير ملتئمة أو أن سببا من أسباب انقضاء الدعوى العمومية يحول دون المتابعة.
وأما الأمر رقم 10-03 المعدل والمتمم للأمر رقم 96-22 فقد خص النيابة العامة من خلال المادة 09 مكرر3 منه بممارسة حقها في تحريك الدعوى العمومية رغم إجراءات المصالحة، وهذا في الحالات التالية:
‌أ-         عندما تكون قيمة محل الجريمة 1.000.000 دج أو تفوقها، وهذا في الحالات التي تكون فيها الجريمة ذات علاقة بعمليات التجارة الخارجية.
‌ب-       عندما تكون قيمة محل الجريمة 500.000 دج أو تفوقها في الحالات الأخرى.
‌ج-        كما لا تحول المصالحة دون اتخاذ إجراءات التحري التي من شأنها الكشف عن وقائع جرمية تكون متصلة بالجريمة التي تمت معاينتها.

رابعا- سحب الشكوى وأثرها على الدعوى العمومية:
تنص المادة 06 من ق.إ.ج.ج المعدل والمتمم في فقرتها الثالثة على ما يلي:" تنقضي الدعوى العمومية في حالة سحب الشكوى إذا كانت هذه شرطا لازما للمتابعة".
هذا الحكم ينطبق تماما على جريمة الصرف باعتبار أن متابعة هذه الجريمة تقتضي شكوى مسبقة من وزير المالية أو محافظ بنك الجزائر حسب المادة 09 من الأمر رقم 03-01 المعدل والمتمم للأمر رقم 96-22، وتبعا لذلك فإن لهذين الأخيرين ولممثليهما المؤهلين لتقديم الشكوى حق سحبها.
ويمكن أن تسحب الشكوى في أية مرحلة وصلت إليها الإجراءات ما لم يصدر حكم قضائي نهائي، ويترتب عن سحب الشكوى وضح حد للمتابعات.
أما بعد التعديل الذي جاء به الأمر رقم 10-03، فإنه لم يعد للشكوى أية قيمة بعدما تم إسقاطها وإسقاط المادة 09 من الأمر رقم 03-01 التي كانت تنظمها، والسبب في ذلك هو أن وكيل الجمهورية أصبح على اتصال مباشر بمحاضر المعاينة المتعلقة بجرائم الصرف.
خامسا- مركز الوزير المكلف بالمالية ومحافظ بنك الجزائر في الخصومة:
إذا كان التشريع الجمركي قد خص إدارة الجمارك بدورمميز في الخصومة الجزائية في المجال الجمركي(5) بحيث جعلها صاحبة دعوى أصلية، وهي الدعوى الجبائية الشبيهة بالدعوى العمومية التي تباشرها في مواد الجنح أمام المحاكم الجزائية موازاة للدعوى العمومية التي تباشرها النيابة العامة، فإن الأمر رقم 96-22 المعدل والمتمم لم يعترف لا لوزير المالية ولا لمحافظ بنك الجزائر بأي دور في الخصومة.
وفي القانون المقارن نصت المادة 30 من القانون التونسي المؤرخ في 21/01/1976 المتضمن قانون الصرف والتجارة الخارجية على حق وزير المالية في عرض الدعوى أمام المحكمة وتقديم ملاحظاته أمامها وتدعيمها شفويا.


المحور الثاني: الجزاء في جريمة الصرف.
يميز الأمر رقم 96-22 المعدل والمتمم بالأمر رقم 03-01 والأمر رقم 10-03 من حيث الجزاء بين الحالة التي يكون فيها المجني عليه شخصيا طبيعيا، والحالة التي يكون فيها شخصا معنويا كما يأتي بيانه:
أولا- العقوبات المقررة للشخص الطبيعي:
يتعرض الشخص الطبيعي لعقوبات أصلية متمثلة في الحبس والغرامة وعقوبات تكميلية.
‌أ-         العقوبات الأصلية: تعاقب المادة 01 مكرر من الأمر رقم 03-01 كل من ارتكب جريمة صرف أو حاول ارتكابها بالحبس من سنتين (02) إلى سبع (07) سنوات، وبمصادرة محل الجنحة ومصادرة وسائل النقل المستعملة في الغش، وبغرامة لا يمكن أن تقل عن ضعف قيمة محل المخالفة أو محاولة المخالفة.
وإذا لم تحجز الأشياء المراد مصادرتها، أو لم يقدمها المخالف لأي سبب كان يقضي على الجاني بعقوبة مالية تقوم مقام المصادرة وتساوي قيمة هذه الأشياء.
غير أن هذه المادة تم تعديلها بموجب الأمر رقم 10-03 المعدل والمتمم للأمر رقم 96-22 لتصبح على الشكل الآتي:" كل من يرتكب جريمة من الجرائم المنصوص عليها في المادة الأولى أعلاه، يعاقب بالحبس من سنتين (2) إلى سبع (7) سنوات وبغرامة لا تقل عن ضعف قيمة محل الجريمة وبمصادرة محل الجنحة والوسائل المستعملة في الغش.
إذا لم تحجز الأشياء المراد مصادرتها، أو لم يقدمها المخالف لأي سبب كان يتعين على الجهة القضائية المختصة أن تحكم بعقوبة مالية تقوم مقام المصادرة وتساوي قيمة هذه الأشياء".
-        مسألة تحديد قيمة الغرامة: الملاحظ على الغرامة المقررة كجزاء لجريمة الصرف هو أن المشرع لم يحدد قيمتها بمقدار معين، واكتفى بذكر حدها الأدنى وهو ضعف قيمة البضاعة محل المخالفة، وعليه يفهم من كلا النصين أنه بإمكان القاضي الحكم بما يفوق هذه القيمة، وهو أمر غير سائغ لمخالفته مبدأ الشرعية الذي يفرض أن يكون الحد الأقصى للعقوبة محددا بنص القانون.
وكانت المادة 01 من الأمر رقم 96-22 قبل تعديلها بموجب الأمر رقم 03-01 تحدد الحد الأقصى للعقوبة، وهو ضعف قيمة البضاعة محل المخالفة دون تحديد حدها الأدنى، وهذا المسلك أسلم من المسلك الجديد الذي اتبعه المشرع الجزائري عندما حدد الحد الأدنى دون تحديد الحد الأقصى.

-        مسألة تطبيق الظروف المخففة: إذا كانت عقوبة الحبس لا تثير أي إشكال باعتبار أنها عقوبة جزائية بحتة من القانون العام تطبق عليها كل أحكام قانون العقوبات بما فيها حكم المادة 53(6) المتعلقة بالظروف المخففة، ومن ثم يجوز النزول بعقوبة الحبس إلى يوم واحد أو استبدالها بغرامة لا تقل عن 20 دج، فإن الأمر محل نظر بالنسبة لباقي العقوبات.
فبالنسبة للغرامة يبدو من صياغة النص أن نية المشرع هي استبعاد تطبيق الظروف المخففة على الغرامة، وهو الأمر الذي جعله يشدد على أن لا تقل الغرامة عن ضعف قيمة البضاعة محل المخالفة، وهي نفس الصياغة التي اعتمدها في نص المادة 374 من ق.ع.ج المعدل والمتمم بخصوص جرائم الشيك، وقد استقر القضاء الجزائري بشأنها على عدم جواز تطبيق الظروف المخففة على الغرامة المقررة كجزاء لها.
ولهذا الاستنتاج ما يدعمه في عرض أسباب الأمر رقم 03-01 المعدل والمتمم للأمر رقم 96-22، إذ جاء فيه أن من أسباب تعديل هذا النص تبني نظام عقابي رادع يستبعد فيه تطبيق الظروف المخففة على العقوبات المالية، ونفس التفسير ينطبق على الأمر رقم 10-03 المعدل والمتمم للأمر رقم 96-22 الذي تبنى هو الآخر نظام عقابي رادع يحول دون تطبيق الظروف المخففة على الجزاءات المالية.
وبالنسبة للمصادرة، فإنه يستفاد من الفقرة الأخيرة من نص المادة 01 مكرر من الأمر رقم    10-03 التي توجب الحكم على الجاني، وذلك إذا لم تحجز الأشياء المراد مصادرتها أو لم يقدمها المخالف لأي سبب كان بعقوبة مالية تقوم مقام المصادرة وتساوي قيمة هذه الأشياء، وأن الحكم بمصادرة البضاعة محل الجنحة وبمصادرة وسائل النقل المستعملة في الغش أمر إلزامي.
-        مسألة جمع العقوبات عند تعدد الأوصاف: اعتمد المشرع مبدأ عدم جمع العقوبات بنصه في المادة 06 من الأمر رقم 96-22 المعدل والمتمم على أنه:" تطبق على مخالفة التشريع والتنظيم الخاصين بالصرف وحركة رؤوس الأموال من وإلى الخارج العقوبات المنصوص عليها في هذا الأمر دون سواها من العقوبات بغض النظر عن كل الأحكام المخالفة"، واستقر قضاء المحكمة العليا على ذلك في العديد من القرارات نذكر منها القرار الصادر في 29 أبريل 2002 الذي انتهى إلى أن العقوبات المتعلقة بجريمة الصرف ينظمها الأمر رقم 96-22 المعدل والمتمم دون سواه وفقا لنص المادة 06 منه، مضيفا بأنه لا يجوز لإدارة الجمارك أن تقدم طلباتها على أساس قانون الجمارك(7).

ولم يكن الأمر كذلك قبل صدور هذا النص، فإلى زمن غير بعيد كانت جريمة الصرف في صورتي الاستيراد أو التصدير غير المشروع توصف بوصفين الأول بعنوان "قانون العقوبات" والثاني بعنوان "قانون الجمارك" تحت وصف الاستيراد أو التصدير بدون تصريح أو التهريب بحسب وقائع الدعوى، ومن ثم كانت تطبق عليها العقوبات المنصوص عليها في قانون العقوبات وقانون الجمارك معا، وهذا ما كانت تشير إليه المادة 340 من ق.ج.ج الملغاة بموجب القانون رقم 98-10 المؤرخ في 22/08/1998 المعدل والمتمم لقانون الجمارك.
ولقد تطور قضاء المحكمة العليا في هذا الصدد ومر بثلاث مراحل نوردها فيما يأتي:
1.      مرحلة عدم الإقرار بالازدواجية: رفضت المحكمة العليا في بداية الأمر تطبيق جزائين على جريمة الصرف في حالتي الاستيراد أو التصدير غير المشروع، واكتفت بتطبيق العقوبات المنصوص عليها في قانون العقوبات دون الجمارك(8)، وقد استمرت هذه المرحلة إلى غاية شهر جوان 1981.
2.      مرحلة الإقرار بالازدواجية: أقرت المحكمة العليا بازدواجية جريمة الصرف عندما تشكل في آن واحد مخالفة لقانون العقوبات ومخالفة لقانون الجمارك، فأصدر المجلس الأعلى بجميع غرفه قرارا في هذا الاتجاه بتاريخ 30/06/1981(9)، ثم أصدر قرارين آخرين في نفس الاتجاه بتاريخ 09/11/1982(10)، واستقر فيما بعد على هذا الاجتهاد مع تطبيقه على مختلف أوجه الصرف.
ولقد أكد المجلس الأعلى بصريح العبارة على ازدواجية التنظيم النقدي، فقضى في أحد القرارين الصادرين بتاريخ 09/11/1982 (ملف رقم 26182) أن "جريمة التنظيم النقدي تتولد عنها دعويين: دعوى جزائية تباشرها النيابة العامة طبقا للمادتين 424 و425 من ق.ج.ج، ودعوى مالية تباشرها إدارة الجمارك طبقا للمادتين 259 و324 من ق.ج.ج"، ومن ثم فهي تخضع من حيث الجزاء إلى العقوبات المنصوص عليها في قانون العقوبات، وإلى الجزاءات الجبائية المنصوص عليها في قانون الجمارك، واستقر على ذلك في قراراته اللاحقة.
3.      مرحلة التراجع النسبي: أصدر المجلس الأعلى بتاريخ 29/01/1985 قرارين(11) قضى فيهما برفض ازدواجية جريمة مخالفة التنظيم النقدي عندما تكون قيمة محل الجريمة تساوي أو تقل عن 30.000 دج، ففي هذه الحالة يرى المجلس الأعلى أن الجريمة تقع تحت طائلة قانون العقوبات وحده.
واستقر قضاء المجلس الأعلى على هذا الاجتهاد فأصدر عدة قرارات في هذا الاتجاه(12).


وبصدور الأمر رقم 96-22  المؤرخ في 09/07/1996 المتعلق بقمع مخالفة التشريع والتنظيم الخاصين بالصرف وحركة رؤوس الأموال من وإلى الخارج، لاسيما المادة 06 منه والمادة 11 التي ألغت المواد 424 إلى 426 مكرر من قانون العقوبات، فإنه لم تعد جريمة الصرف جريمة مزدوجة بل أصبحت تخضع من حيث المتابعة والجزاء للأمر رقم 96-22 وحده بغض النظر عن كل الأحكام المخالفة، وهو ما استقر عليه قضاء المحكمة العليا كما أسلفنا.
وفي القانون المقارن استقر القضاء الفرنسي على تطبيق الجزاءات المقررة لجريمة الصرف بهذا الوصف، والجزاءات المقررة لها بوصف الجريمة الجمركية في حالة التعدد الصوري للجريمة، وذلك منذ صدور قرار محكمة النقض المؤرخ في 10/01/1973، وكان قبل هذا التاريخ يميز بين جريمة مخالفة التنظيم النقدي والجرائم الجمركية.
وفي تونس أجاز المشرع التونسي جمع العقوبات في حالة التعدد الصوري لجريمة الصرف، لاسيما في حالة ما إذا كانت جريمة الصرف تكون أيضا بعناصرها جريمة جمركية (المادة 34 من القانون رقم 76-18 المؤرخ في 21/01/1976 المتضمن قانون الصرف و التجارة الخارجية).
‌ب-       العقوبات التكميلية: تجيز المادة 03 من الأمر رقم 96-22 المعدل والمتمم بموجب الأمر رقم 03-01 الحكم بمنع الجاني لمدة لا تتجاوز خمس (05) سنوات من تاريخ صيرورة الحكم القضائي نهائيا من:
-        مزاولة عمليات التجارة الخارجية.
-        أو ممارسة وظائف الوساطة في عمليات البورصة أو عون في الصرف.
-        أو أن يكون منتخبا أو ناخبا في الغرف التجارية أو مساعدا لدى الجهات القضائية.
كما يمكن للجهة القضائية المختصة أن تأمر بنشر الحكم القاضي بالإدانة كاملا أو بنشر مستخرج منه، وعلى نفقة الشخص المحكوم عليه في جريدة أو أكثر تعينها.
ويستخلص من نص المادة 04 من الأمر رقم 96-22 المعدل والمتمم بموجب الأمر رقم 03-01 أن العقوبات المذكورة أصلية كانت أو تكميلية تطبق أيضا على مرتكب جريمة الصرف إذا كان محلها نقودا أو قيما مزيفة، ما لم يشكل الفعل المنسوب إليه جناية تزوير نقود معدنية أو أوراق نقدية ذات سعر قانوني في أراضي الجمهورية أو في الخارج المنصوص والمعاقب عليها في المادتين 197 و198 من قانون العقوبات الجزائري المعدل والمتمم بالإعدام.
وإذا تمت متابعة الجاني من أجل جريمة الصرف تتخذ إجراءات المتابعة ضد كل من شارك في العملية، حتى وإن كان يجهل أن النقود أو القيم مزيفة.
ثانيا- العقوبات المقررة للشخص المعنوي:
صدر الأمر رقم 96-22 المؤرخ في 09/07/1996 في وقت لم يقر فيه بعد قانون العقوبات بالمسؤولية الجزائية للشخص المعنوي(13)، ومع ذلك فقد أخذ بها الأمر رقم 96-22 المعدل والمتمم بالأمر 03-01 بنصه في المادة 05 منه:" يعتبر الشخص المعنوي الخاضع للقانون الخاص دون المساس بالمسؤولية الجزائية لممثليه الشرعيين مسؤولا عن المخالفات المنصوص عليها في المادتين الأولى و2 من هذا الأمر، والمرتكبة لحسابه من قبل أجهزته أو ممثليه الشرعيين".
وتبعا لذلك يتعرض الشخص المعنوي للعقوبات الآتية:
-        غرامة لا يمكن أن تقل على أربع (04) مرات عن قيمة محل المخالفة أو محاولة المخالفة.
-        مصادرة محل الجنحة ووسائل النقل المستعملة في الغش.
وعلاوة على ذلك يجوز الحكم على الشخص المعنوي لمدة لا تتجاوز خمس (05) سنوات، وذلك بإحدى العقوبات الآتية أو جميعها: المنع من مزاولة عمليات الصرف والتجارة الخارجية، الإقصاء من الصفقات العمومية، المنع من الدعوة العلنية إلى الادخار، المنع من ممارسة نشاط الوساطة في البورصة.
وإذا لم تحجز الأشياء المراد مصادرتها، أو لم يقدمها الشخص المعنوي المذكور أعلاه، وذلك لأي سبب كان يتعين على الجهة القضائية المختصة أن تحكم بعقوبة مالية تقوم مقام المصادرة وتساوي قيمة هذه الأشياء.  
إلا أن المادة 05 مسها التعديل الصادر بمقتضى الأمر رقم 10-03 في بعض جوانبها لتصبح وفق الشكل الآتي:" الشخص المعنوي الخاضع للقانون الخاص مسؤول عن المخالفات المنصوص عليها في المادتين الأولى و2 من هذا الأمر، والمرتكبة لحسابه من قبل أجهزته أو ممثليه الشرعيين دون المساس بالمسؤولية الجزائية لممثليه الشرعيين.
ويتعرض للعقوبات الآتية:
‌أ-         غرامة لا يمكن أن تقل عن أربع (4) مرات قيمة محل المخالفة أو محاولة المخالفة.
‌ب-       مصادرة محل الجنحة.
‌ج-        مصادرة الوسائل المستعملة في الغش.
         ......(الباقي دون تغيير)......".
وكان يؤخذ على نص الأمر رقم 96-22 المؤرخ في 09/07/1996 قبل تعديله بموجب الأمر رقم 03-01 المؤرخ في 19/02/2003، والأمر رقم 10-03 المؤرخ في 26/08/2010، بأنه فضلا عن كونه سابقا لأوانه في ظل أحكام قانون العقوبات التي لا تقر مسؤولية الشخص المعنوي، فقد ذهب أبعد مما وصل إليه التشريع المقارن لاسيما منه التشريع الفرنسي من حيث نطاق المسؤولية الجزائية، فبينما تحرص غالبية التشريعات التي تأخذ بالمسؤولية الجزائية للشخص المعنوي على حصرها في المؤسسات الإدارية والهيئات العمومية و استبعاد الدولة والجماعات المحلية من نطاقها، كانت المادة 05 المذكورة أعلاه توسع من نطاقها فلم تحصرها ولم تفرض عليها قيدا.
وقد تدارك المشرع ذلك إثر تعديل الأمر رقم 96-22 بموجب الأمر رقم 03-01 المؤرخ في 19/02/2003، والأمر رقم 10-03 المؤرخ في 26/08/2010، حيث حصرت المادة 05 التي شملها التعديل نطاق المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي في الأشخاص المعنوية الخاضعة للقانون الخاص.
ويقصد بـ" الأشخاص المعنوية الخاضعة للقانون الخاص" الشركات التجارية الخاصة والتجمعات ذات المصلحة الاقتصادية والشركات المدنية، وكذا الجمعيات ذات الطابع الاجتماعي أو الثقافي أو الرياضي...الخ.
كما يشمل هذا المصطلح المؤسسات العمومية الاقتصادية التي يحكمها القانون التجاري.
ويبقى التساؤل قائما بالنسبة للهيئات العمومية ذات الطابع الصناعي أو التجاري التي تخضع للقانون العام في سيرها، وللقانون الخاص في معاملاتها مع الغير(14).
غير أننا نميل إلى تصنيفها ضمن الأشخاص المعنوية الخاضعة للقانون العام، في حين استبعدت الدولة من المساءلة الجزائية وكذا الجماعات المحلية، بل وحتى المؤسسات العمومية ذات الطابع الإداري.
ويقصد بالدولة هنا الإدارة المركزية (رئاسة الجمهورية، رئاسة الحكومة، الوزارت...الخ ومصالحها الخارجية (المديريات الولائية ومصالحها).
وتتفق كل التشريعات التي أقرت المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي على استثناء الدولة، وله ما يبرره باعتبار أن الدولة تضمن حماية المصالح العامة، الجماعية منها والفردية، وتتكفل بتعقب المجرمين ومعاقبتهم.
ويقصد بالجماعات المحلية الولاية والبلدية، وقد اختلفت التشريعات بشأنها فمنها من يستثنيها من المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي، كالمشرع الجزائري في جريمة الصرف، ومنها ما يبقي عليها ضمن الهيئات المسؤولة جزائيا، ومنها ما اتخذ موقفا وسطا كما هو حال القانون الفرنسي الذي لم يستثنيها، غير أنه حصر مسؤوليتها في الجرائم المرتكبة أثناء ممارسة أنشطة من المحتمل أن تكون محل اتفاقات تفويض مرفق عام، أي الأنشطة التي يجوز تفويض الغير للقيام بها سواء كان الغير شخصا من أشخاص القانون الخاص أو من أشخاص القانون العام، وتتمثل هذه الأنشطة أساسا في الأنشطة التي يمكن أن تكون محل عقود امتياز الخدمة العمومية.
وبمفهوم المخالفة، لا تسأل الجماعات المحلية عن الأعمال التي تصدر عنها بمناسبة ممارستها لامتيازات السلطة العمومية(15).
وهكذا تسأل البلدية جزائيا في القانون الفرنسي إن هي قامت باستغلال مرفق "ريجي "Régie  كجمع الفضلات المنزلية أو توزيع الماء، ولا تسأل بالمقابل عن نشاطات مثل مسك سجلات الحالة المدنية أو حفظ الأمن العام لأن مثل هذه الأنشطة لا يمكن تفويضها للخواص.
حصرت المادة 05 من الأمر رقم 96-22  المعدل والمتمم نطاق المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي في أنه لا يسأل إلا عن الجرائم المرتكبة لحسابه من قبل أجهزته أو ممثليه الشرعيين.
ويقصد بعبارة "لحسابه" أن الشخص المعنوي لا يسأل إلا عن الأفعال التي يتم تحقيقها لمصلحته أو لفائدته، ومن هذا القبيل تقديم رشوة لحصول مؤسسة اقتصادية على صفقة، وبالمقابل لا يسأل الشخص المعنوي على الأعمال المنجزة لحساب المدير أو أي شخص آخر.
ويقصد بعبارة "أجهزة الشخص المعنوي" ممثليه القانونيين كالرئيس المدير العام والقائم بالإدارة والمسير، وكذا مجلس الإدارة والجمعية العامة للشركاء.
ويقصد بـ "ممثليه الشرعيين" الأشخاص الطبيعيين الذين يتمتعون بسلطة التصرف باسم الشخص المعنوي، سواء كانت هذه السلطة قانونية أو بحكم قانون المؤسسة، فقد يكون الرئيس المدير العام أو القائم بالإدارة أو رئيس مجلس الإدارة، وقد يكون المصفي أيضا في حالة حل الشركة...
وفي باب الإجراءات نصت المادة 05 مكرر(16) على أن تختص الجهة القضائية التي ترتكب المخالفة في دائرة اختصاصها بالنظر إلى المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي.
وتباشر الدعوى العمومية ضد الشخص المعنوي الخاضع للقانون الخاص من خلال ممثله الشرعي، ما لم يكن هو الآخر محل متابعة جزائية من أجل نفس الأفعال أو أفعال مرتبطة بها، وتستدعي الجهة القضائية المختصة في هذه الحالة مسيرا آخر لتمثيل الشخص المعنوي في الدعوى الجارية.
-        ارتباط جريمة الصرف بجرائم القطب: تضمن الأمر رقم 10-03 صراحة واقعة ارتباط جريمة الصرف بجرائم تبييض الأموال أو تمويل الإرهاب أو الاتجار غير المشروع بالمخدرات أو الفساد أو الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية، ومفاد ذلك أنه إذا كانت جريمة الصرف تديرها جماعة إجرامية منظمة، فإنه تطبق إجراءات الجنايات إذا كانت الجريمة المرتبطة بها ذات وصف جنائي كتمويل الإرهاب أو الاتجار بالمخدرات الذي تديره جماعة إجرامية منظمة، حيث تتم المحاكمة على مستوى محكمة الجنايات بعد استيفاء إجراءات التحقيق الجنائي الوجوبي، ويتسنى للسيد قاضي التحقيق استعمال أساليب التحري الخاصة أو الاستعانة بالأدوات الدولية كالاتفاقيات الثنائية إن وجدت أو اتفاقية الإطار الصادرة عن الأمم المتحدة سواء عن طريق الإنابة القضائية الدولية من طرف السادة قضاة التحقيق للقطب الجزائي المتخصص أو بموجب طلب المساعدة القضائية بالنسبة للسادة وكلاء الجمهورية.
-        تمديد الاختصاص المحلي: أجازت المواد 37، 40، 40 مكرر، و329 من ق.إ.ج.ج المعدلة بموجب القانون رقم 04-14 المؤرخ في 10/11/2004 تمديد الاختصاص المحلي لكل من وكيل الجمهورية وقاضي التحقيق إلى دائرة اختصاص محاكم أخرى عن طريق التنظيم، وذلك في جرائم معينة من ضمنها جرائم الصرف.
وجاء المرسوم التنفيذي رقم 06-348 المؤرخ في 05/10/2006 فمدد الاختصاص المحلي إلى أربعة (04) جهات قضائية وهي: الجزائر (سيدي أمحمد)، وهران، قسنطينة، ورقلة.
وفي هذا الإطار ألزمت المواد 40 مكرر01 ومكرر02 ومكرر03 وكيل الجمهورية لدى المحكمة الكائن بها مكان الجريمة بإرسال نسخة من الإجراءات إلى النائب العام لدى المجلس القضائي المختص بموجب تمديد الاختصاص، ولهذا الأخير المطالبة بالإجراءات في جميع مراحل الدعوى.
الخاتمة:
       إن تجنيح جرائم الصرف الذي كان يهدف إلى تفادي ثقل الإجراءات والسرعة في معالجة القضايا على مستوى القضاء ليس له من الفعالية إلا القسط القليل، لاسيما في القضايا المتعلقة بعمليات التجارة الخارجية التي تنصب على مبالغ ضخمة، خاصة إذا كانت الهيئات المصرفية متابعة لنفس الجريمة، إذ يتطلب دراسة مثل هذه القضايا وقتا طويلا يستدعي التحقيق فيها التمحيص والتدقيق، فالقاضي الذي ينظر فيها لابد أن يملك قدرا أدنى من الدراسة في الميدان المصرفي والمالي على الأقل، حتى يتمكن من التحقق من ثبوت المخالفة وفقا للآليات والميكانزمات التي تحكم مثل هذه المجالات خاصة أمام الحجية النسبية التي تملكها  محاضر معاينة هذه الجرائم.
     خلاصة القول، فإنه رغم سعي المشرع إلى إحاطة قمع جرائم الصرف بنص خاص يتماشى وطبيعتها المميزة، إلا أنه لازال غامضا في بعض أحكامه ما من شأنها أن يشكل صعوبات في تطبيقه، مما يجعلنا نفكر أنه لابد على المشرع أن يراجعه كما سبق له أن فعل، لاسيما أنه يبقى مرشحا للتعديل مادام أنه مرتبط بالتغيرات الطارئة على مختلف النصوص التي تشكل التشريع والتنظيم الخاصين بالصرف وحركة رؤوس الأموال، والتي تتغير هي الأخرى بتغير السياسة الاقتصادية للدولة، بما أنها تعد جزءا منها.
    كما أن الطابع التقني لجرائم الصرف يجعل الفصل فيها من طرف القاضي يتطلب قدرا أدنى من المعرفة في المجالات المتعلقة بالعمليات المصرفية والتجارة الخارجية، ولغياب تخصص القضاة بالجزائر، فإننا نرى أنه لبأس أن تقرر على الأقل دورات تكوينية في هذا المجال، كما هو معمول به بالنسبة لبعض قضاة الفروع المدنية.
الهوامش والمراجع:
(1)- أنظر: تنص المادة 02 من المرسوم التنفيذي رقم 97-257 المعدل والمتمم بالمرسوم التنفيذي رقم 11- 34 المؤرخ في 29 يناير 2011 على ما يلي:" تعاين مخالفات التشريع والتنظيم الخاصين بالصرف وحركة رؤوس الأموال من والى الخارج في محاضر يحررها الموظفون أو الأعوان المذكورون في المادة 7 من الأمر رقم 96-22 المؤرخ في 23 صفر عام 1417 الموافق ل 09 يوليو سنة 1996 والمذكور أعلاه".
(2)- أنظر: عدلت هذه المادة بموجب الأمر رقم 03-01 المؤرخ في 19 فبراير 2003 وكانت محررة على النحو التالي:" المادة 09 (الأمر رقم 96-22 المؤرخ في 09 يوليو1996)، لا تتم المتابعة الجزائية في مخالفات التشريع والتنظيم الخاصين بالصرف وحركة رؤوس الأموال من وإلى الخارج، إلا بناء على شكوى من الوزير المكلف بالمالية أو أحد ممثليه المؤهلين لذلك.
- يمكن الوزير المكلف بالمالية أو أحد ممثليه المذكورين أعلاه، إجراء المصالحة إذا كانت قيمة محل الجنحة تقل عن عشرة ملايين دينار جزائري (10.000.000 دج) أو تساويها.
- يحدد التنظيم شروط إجراء هذه المصالحة..."
(3)- أنظر: أحسن بوسقيعة، التشريع الجمركي مدعم بالاجتهاد القضائي، ط3، الديوان الوطني للأشغال التربوية، الجزائر، 2004، ص: 296.
(4)- أنظر: تنص المادة 37 المعدلة بالقانون رقم 04- 14 على ما يلي:" يتحدد الاختصاص المحلي لوكيل الجمهورية بمكان وقوع الجريمة، وبمحل إقامة أحد الأشخاص المشتبه في مساهمتهم فيها أو بالمكان الذي تم في دائرته القبض على أحد هؤلاء الأشخاص حتى ولو حصل هذا القبض لسبب آخر.
        يجوز تمديد الاختصاص المحلي لوكيل الجمهورية إلى دائرة اختصاص محاكم أخرى عن طريق التنظيم، في جرائم المخدرات والجرائم الماسة بأنظمة المعالجة الآلية للمعطيات وجرائم تبييض الأموال والإرهاب والجرائم المتعلقة بالتشريع الخاص بالصرف".
(5)- أنظر: الاجتهاد القضائي لغرفة الجنح والمخالفات، عدد خاص، الجزء الثاني، سنة 2002، ص: 63.
(6)- أنظر: تنص المادة 53 المعدلة بالقانون رقم 0623- المؤرخ  في 20 ديسمبر 2006، يعدل ويتمم الأمر رقم 66-155 المؤرخ في 08 جوان 1966، والمتضمن قانون العقوبات على ما يلي:" يجوز تخفيض العقوبة المنصوص عليها قانونا بالنسبة للشخص الطبيعي الذي قضي بإدانته وتقررت إفادته بظروف مخففة وذلك إلى حد:
-        عشر (10) سنوات سجنا إذا كانت العقوبة المقررة للجناية هي الإعدام.
-        خمس (05) سنوات سجنا، إذا كانت العقوبة المقررة للجناية هي السجن المؤبد.
-        ثلاث (03) سنوات حبسا، إذا كانت العقوبة المقررة للجناية هي السجن المؤقت من (10) سنوات إلى عشرون (20) سنة.
سنة واحدة حبسا، إذا كانت العقوبة المقررة للجناية هي السجن المؤقت من خمس (05) سنوات إلى عشر (10) سنوات"، الجريدة الرسمية، العدد 84، المؤرخ في: 24 ديسمبر 2006.
(7)- أنظر: غ.ج، قرار صادر بتاريخ 29/04/2002، ملف رقم 313141 المجلة القضائية، العدد 01، 2003، ص: 416، وأنظر كذلك: ج.م.ق3، قرار صادر بتاريخ 25/01/1999، ملف رقم 180580، قرار صادر بتاريخ 22/03/1999، ملف رقم 188569، قرار صادر بتاريخ 21/06/1999، ملف رقم 197014، غير منشورة.
(8)- أنظر: غ.ج.2، قرار صادر بتاريخ 05/12/1978، ملف رقم 15113، قرار صادر بتاريخ 27/03/1979، ملف رقم 17149، غ.ج.ق2، قرار صادر بتاريخ 22/01/1981، ملف رقم 22375، قرار صادر بتاريخ 05/02/1981، ملف رقم 22735، قرارات غير منشورة.
(9)- أنظر: المجلس الأعلى بجميع غرفه 30/06/1981، ملف رقم 23505، مجموعة قرارات، غ.ج، ص: 147.
(10)- أنظر: غ.ج، ملف رقم 26182 وملف رقم 26246، غير منشورين.
(11)- أنظر: ملف رقم 34887، وملف رقم 34888، مجلة الجمارك، عدد خاص، مارس 1992، ص: 52.
(12)- أنظر: غ.ج.2، قرار صادر بتاريخ 20/05/1986، ملف رقم 36275، غير منشور، غ.ج.2، قرار صادر بتاريخ 28/10/1986، ملف رقم 37550، غير منشور، غ.ج.2، قرار صادر بتاريخ 31/05/1988، ملف رقم 46345، المجلة القضائية، العدد 02، 1993، ص: 186، قرار صادر بتاريخ 14/06/1988، ملف رقم 49972، مجلة الجمارك، عدد خاص، مارس 1992، ص: 52، قرار صادر بتاريخ 31/08/1988، ملف رقم 50493، مجلة الجمارك، المرجع نفسه، ص: 52.
(13)- كرس القانون رقم 04-15 المؤرخ في 10 نوفمبر 2004 يعدل ويتمم الأمر رقم 06-155 المؤرخ في 08 جوان 1966، والمتضمن قانون العقوبات المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي في المادة 51 مكرر المستحدثة في قانون العقوبات، الجريدة الرسمية، العدد 71، المؤرخ في 10 نوفمبر 2004.
(14)- أنظر: أحسن بوسقيعة، الوجيز في القانون الجزائي العام، دار هومة، الجزائر، 2008، ص: 202 وما يليها.
(15)- أنظر: أحسن بوسقيعة، الوجيز في القانون الجزائي العام، المرجع السابق، ص: 207 وما يليها.
(16)- أنظر: تنص المادة 05 مكرر:" (الأمر رقم 03-01 المؤرخ في 19 فبراير 2003)، تختص الجهة القضائية التي ترتكب المخالفة في دائرة اختصاصها، بالنظر في المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي الخاضع للقانون الخاص فيما يتعلق بقمع مخالفة التشريع والتنظيم الخاصين بالصرف وحركة رؤوس الأموال من و إلى الخارج.
           تباشر الدعوى العمومية ضد الشخص المعنوي الخاضع للقانون الخاص من خلال ممثله الشرعي، ما لم يكن هو الآخر محل متابعة جزائية من أجل نفس الأفعال أو أفعال مرتبطة بها. وتستدعي الجهة القضائية المختصة في هذه الحالة مسيرا آخر لتمثيل الشخص المعنوي في الدعوى الجارية".


التصنيف :
هام : هذا الموضوع ضمن تصنيفات المدونة زووم العربية نشكرك للمتابعة . يمكنك نقل الموضوع من المدونة لكن بشرط يجب ذكر المصدر و ذكر رابط الموضوع الاصلي قبل نقل أي موضوعالمرجوا زيارة صفحة الخصوصية
نسخ الرابط
نسخ للمواقع

0 التعليقات:

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

المساهمات

المساهمات

شركاؤونا

شركاؤونا
شركة المنهل

اشترك في القائمة البريدية

contentieux des affaires ( ISSN ) 2508-9293 © 2014-2016