تابعونا على الفيسبوك

Disqus

اختصاصات مجلس المنافسة في الحد من الممارسات المنافية للمنافسة

اختصاصات مجلس المنافسة في الحد من
 الممارسات المنافية للمنافسة








يونس اجويلل
باحث بسلك الدكتوراه سنة ثانية تخصص القانون الخاص بجامعة عبد المالك السعدي طنجة





عرف المغرب خلال العقود الأخيرة إصلاحات هامة شملت مختلف المجالات، وذلك من أجل مواكبة متطلبات الاقتصاد العالمي بحيث سن-المغرب- مجموعة من القوانين لتتماشى والاتجاه الاقتصادي الجديد الذي انخرط فيه، ومن بين هذه القوانين تحديث النصوص القانونية المنظمة لميدان الأعمال ونخص بالذكر المتعلقة بميدان المنافسة فصدر قانون 99.06 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة سنة2000[1]، من أجل ضمان حرية المنافسة وترقيتها في اقتصاد السوق، وضمان محاربة كل أشكال الممارسات والتصرفات المنافية للمنافسة،  وفي سبيل ذلك نص القانون 99.06 على إنشاء مجلس المنافسة للسهر على تطبيق قانون المنافسة، وكذلك السهر على تنظيم السوق الاقتصادية، إلا أنه رغم التنصيص عليه تشريعيا فإن هذا المجلس لم يتم تفعيله إلا سنة 2008 حينما عين صاحب الجلالة الملك محمد السادس رئيس المجلس، فيما تم تعين باقي أعضاء المجلس في يناير 2009، منذ ذلك الحين عمل المجلس على إصدار مجموعة من الآراء والاستشارات في مختلف المجالات وخصوصا مجال الاتصالات والهاتف النقال، وظل عمل المجلس ضعيفا، إلى أن جاء دستور 2011 والذي أعلن الارتقاء بهذا المجلس إلى هيئة مستقلة تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي، وهذا ما نص عليه الفصل 166 من الدستور" مجلس المنافسة هيئة مستقلة مكلفة في إطار تنظيم منافسة حرة ومشروعة بضمان الشفافية والإنصاف في العلاقات الاقتصادية، خاصة من خلال تحليل وضبط وضعية المنافسة في الأسواق، ومراقبة الممارسات المنافية لها والممارسات التجارية غير مشروعة وعمليات التركيز الاقتصادي والاحتكار". ومنذ صدور هذا النص عمل المشرع المغربي على إعادة النظر في الترسانة القانونية المتعلقة بالمجلس خاصة وبالمنافسة بصفة عامة، حيث قام المشرع بالفصل والتفريق بين المقتضيات المتعلقة بمجلس المنافسة كهيأة لها تركيبة خاصة وبين المقتضيات التي تأطر الأسعار وتنظم السير التنافسي للأسواق، وذلك بإصدار نصين مندمجين ومتكاملين، الأول منهما ويخص حرية الأسعار والمنافسة (القانون[2]104.12) وينحصر موضوع الثاني في مجلس المنافسة القانون رقم 13.20.[3]
وعليه نتساءل: ما هي التشكيلة الجديدة التي جاء بها قانون 13.20 فيما يخص مجلس المنافسة؟ وما هي المسطرة المعتمدة أمامه؟ وأخيرا ما هي الاختصاصات التي أوكلت لهذه الهيأة للحد من الممارسات المنافية للمنافسة سواء في قانون12 .104 أو  قانون13 .20؟.
للإجابة عن هذه التساؤلات ارتأينا تقسيم الموضوع إلى مبحثين: مبحث أول نتناول فيه تأليف مجلس المنافسة ومسطرة عمله، على أن نتطرق في مبحث ثاني إلى اختصاصات
هذا المجلس؟.
المبحث الأول: تكوين مجلس المنافسة واختصاصاته.
يعتبر مجلس المنافسة هيئة خاصة ليست ذات طابع قضائي، تتميز عن بقية الأجهزة التقليدية التي تتولى مراقبة وتتبع الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية بكونها حضيت بنص دستوري خاص وهو الفصل 166 من دستور 2011، والذي أكد على ضرورة الاستقلالية المالية للمجلس ومنحه الشخصية الاعتبارية.
وسنعمل في هذا المبحث على الحديث عن الهيكلة الخاصة التي يتميز بها مجلس المنافسة (المطلب الأول) ثم نتطرق إلى المسطرة المتبعة أمامه (المطلب الثاني).
المطلب الأول: تأليف مجلس المنافسة.
تنص المادة 9 من قانون13. 20 على أنه:" يتألف المجلس من رئيس وأربعة نواب للرئيس وثمانية أعضاء مستشارين.
ويضم المجلس، إضافة إلى الرئيس الأعضاء من ذوي الاختصاص التالي بيانهم:
 -عضوان من القضاة نائبان للرئيس.
 -أربعة أعضاء يختارون بالنظر إلى كفاءتهم في الميدان الاقتصادي أو المنافسة، أحدهم نائب للرئيس.
 -عضوان يختاران بالنظر إلى كفاءتهما في المجال القانوني، أحدهما نائب للرئيس.
 -ثلاثة أعضاء يزاولون أو سبق لهم أن زاولوا نشاطهم في قطاعات الإنتاج أو التوزيع أو الخدمات.
 -عضو واحد يختار بالنظر لكفاءته في ميدان حماية المستهلك".
يلاحظ من خلال قراءتنا لهذه المادة أن مجلس المنافسة يتكون من ثلاثة عشرة شخصية يتزعمهم الرئيس متبوعا بأربعة نواب ثم ثمانية أعضاء مستشارين،
ويعين الرئيس بظهير شريف لمدة 5 سنوات[4]، وهذا على خلاف ما كان في القانون 99.06 بحيث أن الرئيس كان يعين من قبل الوزير الأول (رئيس الحكومة). بينما يعين باقي الأعضاء للتجديد باقتراح من المجلس الأعلى للسلطة القضائية، أو من السلطة الحكومية المختصة، ولضمان أكبر قدر من المهنية واستقلالية كافة أعضاء المجلس أخضعت المادة 11 الرئيس ونوابه الأربعة لقواعد مبدأ التنافي المعمول بها في المناصب العمومية، حيث يمنع على هؤلاء ممارسة أي نشاط مهني أو تجاري في القطاع الخاص[5]، وتوقيف مشاركتهم في أجهزة الإدارة والتدبير والتسيير بالمنشآت الخاصة أو العمومية الهادفة إلى تحقيق الربح، وبالتالي متى وجد أحد الأعضاء في إحدى حالات التنافي امتنع عليه النظر في الأمر محل النزاع المعروض على المجلس.[6]
وقد أسهب القانون13.20 في توضيح انتهاء مهام أعضاء المجلس، إذ من خلال مقتضيات المادة 12 يتضح أن هناك أربعة أسباب رئيسية لانتهاء مهام أعضاء المجلس وهذه الأسباب تتمثل في :انتهاء المدة المحددة لهذه المهام ، وفاة العضو، الاستقالة الاختيارية، الإعفاء الذي يثبته المجلس لحالات معينة، كالتنافي، والغياب الموجب لسقوط العضوية، وحدوث عجز ذهني أو بدني، وفقدان التمتع بالحقوق المدنية والإخلال بالالتزامات المنصوص عليها في المادة 11 من هذا القانون[7].
ولتجسيد وإحكام التواصل مع الجهاز التنفيذي تم التنصيص على تمثيل الحكومة لدى المجلس عن طريق تعيين مندوبا للحكومة بمرسوم يحضر جلسات المجلس بصفة استشارية وله صلاحية التقدم بطلب إدراج القضايا التي يرتئيها في جداول أعمال المجلس، لكن القانون لم يحدد إن كان مندوب الحكومة سيحظى بوضع مقيم متتبع ومتفرغ أو زائر بمناسبة الاجتماعات الدورية للمجلس، ولم يذكر إن كان نشاط المندوب سيقتصر على الجلسة العامة أم أنه سيطال اللجنة الدائمة ويمتد إلى فروع المجلس[8].
وعموما فإن ما يميز تشكيلة المجلس هو التنوع والثراء لكونها تتكون من قضاة وأشخاص ذو كفاءات عالية في الميدان الاقتصادي أو في ميدان المنافسة والاستهلاك وكذلك في الميدان القانوني، الأمر الذي يدعم استقلالية المجلس ويؤدي إلى شفافية أشغاله،
المطلب الثاني: آليات عمل مجلس المنافسة.
جاء القسم الخامس من قانون12. 104  والباب الأول من قانون 13 .20 متضمنا العديد من الإجراءات التي يتخذها مجلس المنافسة أثناء مزاولته مهام التحري ودراسة القضايا المعروضة عليه المتعلقة بالممارسات المنافية للمنافسة المحالة على أنظاره للفصل في مدى احترامها لقواعد المنافسة، والتأكد من عدم مساسها بالسير العادي للسوق الاقتصادي، ويتم كل ذلك بإتباع مسطرة معينة تبتدئ من إحالة ملف القضية على مجلس المنافسة وفحص هذه الإحالة و القيام بالأبحاث والتحقيقات وتنتهي باصدار القرارات.
أولا: الإحالة على مجلس المنافسة.
تعد إحالة الممارسات المدعى مخالفتها لقواعد المنافسة بمثابة نقطة بداية سريان المسطرة أمام مجلس المنافسة.
ولقد جاءت المقتضيات القانونية المؤطرة للإحالة بصياغة شاملة وعامة لكل الممارسات المنافية للمنافسة من دون استثناء، ويبقى من بين الإيجابيات التي أتى بها القانون رقم20.13  هي توسيع نطاق الجهات التي أصبحت تملك حق الإحالة على مجلس المنافسة، إذ أصبح بإمكان هذا الأخير أن ينظر بشكل تلقائي في كل الممارسات التي من شأنها المساس بالمنافسة الحرة[9]، كما أصبح الفاعلين الاقتصاديين يتمتعون بحق الإحالة عليه بعدما كانوا محرومين من ذلك في ظل القانون 06.99 ولم يحدد قانون 104.12أو قانون 20.13 الطريقة التي تتم بها هذه الإحالة، إلا أنه حسب ما يستشف من النظام الداخلي لمجلس المنافسة فإن الإحالة على هذا الأخير تتم عن طريق الإيداع مقابل وصل أو بواسطة رسالة مضمونة مع الإشعار بالتوصل إلى مقر المجلس تتضمن الوثائق التي من شانها توضيح هوية صاحب الطلب وكذا مضمون الإحالة، والأساس الذي بنيت عليه[10]، وإذا تعلق الأمر بمقاولة يلزمها الإدلاء بالإضافة إلى ذلك بما يثبت حصة رقم الأعمال الذي حققته خلال الثلاث السنوات الأخيرة مصحوبا بالحصيلة Le bilan وجدول تكوين النتائج بالمحاسبة Tableau de formation des resultats وقد حدد المشرع آجالا لتقادم المخالفات الناتجة عن الممارسات المنافية لقواعد المنافسة، حيث ترفض إحالة الأفعال التي يرجع تاريخ وقوعها إلى أكثر من خمس سنوات على مجلس المنافسة ما لم ينجز أي عمل يهدف إلى البحث عنها أو إثباتها أو المعاقبة عليها داخل هذا الآجال[11]، وبعد تقديم طلب الإحالة وفق ما هو منصوص عليه قانونيا، يقوم المجلس بتدارس الملف وما إذا كانت الممارسات المعنية لا تنطبق عليها إحدى حالات الإعفاء المنصوص عليها في المادة 9 من قانون ح.أ.م.م. وتتعلق فعلا بالممارسات المنافية لقواعد المنافسة طبقا للمادتين 6 و 7 من قانون 104.12، وبعد ذلك يقوم المجلس بتوسيع نطاق البحث دون التقيد بمضمون الطلب فقط، كما يحق له أن يقوم بضم عددا من القضايا إما لارتباطها فيما بينها، أو لأنها تهم نفس السوق أو المجال الذي تمت ضمنه الممارسات، وإذا ما اتضح لمجلس المنافسة جدية الممارسات التي تم على أساسها إحالة الأفعال التي تشكل خرقا للمادتين 6 و 7 يتولى النظر في القضية ويعين رئيس المجلس مقرر لتتبع القضية، حيث يتولى هذا الأخير استدعاء الأطراف المعنيين والاستماع إليهم وإجراء بحث مفصل وهو ما سأتناوله في نقطة ثانية.
ثانيا: البحث والتحقيق.
بعد إحالة الممارسات موضوع المتابعة على مجلس المنافسة يتم تعيين مقرر لدراسة كل قضية وفق المادة 27 من ق.م.م ويتولى هذا المقرر تتبع ملف القضية وتهيئها للنظر فيها من قبل المجلس، بحيث يقوم بالاستماع إلى الأطراف وجمع عناصر الإثبات اللازمة حول مخالفة الأفعال والتصرفات موضوع المتابعة للقانون[12] ، ويقع على المجلس إثبات هذه الأفعال وليس على الأطراف الأخرى التي يقع عليها بسط الوقائع والعناصر المكونة والمحددة للممارسة المنافية، ويقوم رئيس المجلس بطلب الاستعانة في الأبحاث من الإدارة[13]، وذلك طبقا لما نصت عليه المادة 28 من ق.ح.أ.م، كما يمكنه الاستعانة بخبرة على اعتبار أن الخبرة وسيلة من الوسائل التي يستعين بها القضاء أو جهاز معين في البحث عن الوصول إلى الحقيقة في العديد من القضايا التي تعرض عليه[14]، ويستعين مجلس المنافسة بالخبرة من باب الصلاحيات الموكولة له في الإشراف والرقابة على الأسواق وحمايتها من الممارسات المخلة بالمنافسة في خضم التحقيقات الجارية بمناسبة القضايا المعروضة على أنظاره، ويتم إنجاز الخبرة من طرف خبير بحضور الأطراف ويتحمل صوائرها الطرف الذي طلبها، أو يجوز للمجلس في قراره في الجوهر، أن يتحمل الصائر النهائي للطرف أو الأطراف الصادرة ضدها العقوبة وذلك ضمن الحصص التي يحددها[15]، ويفرض صيانة حقوق الدفاع أن تكون الأطراف ومندوب الحكومة على اطلاع بمختلف مجريات التحقيق. ويتحقق ذلك بتبليغ المؤاخذات،[16] الذي يعتبر إجراء ضروريا بموجبه تتوقف عليها صحة المسطرة، وبعد ذلك يبلغ الأطراف المعنية ومندوب الحكومة بالتقرير النهائي الذي يعده المقرر بناءا على ملاحظاتهم وبناءا على الأبحاث المنجزة من قبل المقرر. هذا الأخير يبين الوثائق التي اعتمدها في تقريره ويتم التبليغ بواسطة رسالة مضمونة مع الإشعار بالتوصل أو عن طريق المفوض القضائي[17].
هكذا وبعد تقديم كل الأطراف ومندوب الحكومة لملاحظاتهم وبعد المداولة يصدر المجلس قرارا باتا حول الممارسات المعروضة عليه.
وهذه القرارات يمكن أن تتخذ شكل أوامر باتخاذ تدابير تحفظية[18]، أو قرار بعدم قبول الإحالة أو رفضها، أو توقيع العقوبات على مرتكبي الممارسات المنافية للمنافسة.
أما بالنسبة لتوقيع العقوبات على مرتكبي الممارسات المنافية للمنافسة فهذه العقوبات قد تأتي على شاكلة الأوامر متمثلة في طلب المجلس إلغاء بند منافي للمنافسة تضمنه العقد الذي يجمعهم، وقد تأتي العقوبات على شاكلة عقوبات مالية، وذلك بعد فشل كل الطلبات والأوامر الصادرة عن المجلس الهادفة إلى تحفيز المنشآت على العدول عن الممارسات المنافية للمنافسة وتغييرها[19]، وهذه العقوبات حددتها المادة 39 من قانون ح.أ.م. في العقوبات المالية الواجبة التطبيق على مرتكبي مختلف الممارسات المنافية في (4.000.000) درهم عندما لا يكون المخالف منشأة، وتقدر العقوبة  بالنسبة للمنشآت التي تملك رقم أعمال محدد بـ 10% من رقم المعاملات  العالمي أو الوطني بالنسبة للمنشآت التي ليس لها نشاط دولي.
ويمكن لمجلس المنافسة في حالة عدم تنفيذ قراراته توقيع غرامة تهديديه على المعنيين بالأمر من أجل إجبارهم على ذلك، ويصل حدها الأقصى إلى 5000 درهم بالنسبة للهيئات التي ليس لها  نشاط في شكل رقم معاملات دائم، وفي حدود 5% من متوسط رقم الأعمال اليومي دون احتساب الرسوم عن كل يوم ابتداء من التاريخ الذي يحدده بالنسبة لباقي المنشآت[20].
المبحث الثاني: اختصاصات مجلس المنافسة.
يلعب مجلس المنافسة دورا مهما في تطبيق قانون حرية الأسعار والمنافسة، ومنع كل الممارسات التي من شأنها المساس بحركية السوق، لذلك كان لابد من تفعيل هذا المجلس على أرض الواقع، إذ أنه رغم التنصيص عليه في قانون 99.06 سنة 2000 إلا أنه لم يتم تفعيله كمؤسسة على أرض الواقع إلا سنة 2008، حيث تم تعيين رئيس المجلس من طرف جلالة الملك، ومع الإصلاح الدستوري الجديد، تم التنصيص على مجلس المنافسة في الفصل 166[21]، ومنذ ذلك الحين عمل المشرع على إيجاد إطار قانوني خاص ينظم هذا المجلس ويؤكد على تفعيله وحياده في تطبيق قانون حرية الأسعار والمنافسة، فكان صدور قانون 20.13المتعلق بمجلس المنافسة بمثابة اللبنة الأساسية لبداية حقيقية لهذا المجلس، حيث ان هذا القانون وسع من صلاحيات مجلس المنافسة إذ لم يعد دوره كما في قانون 99.06 مقتصرا على مجرد تقديم الاستشارات والتوصيات (المطلب الاول) بل أصبح يتمتع بسلطة تقريرية تسمح له بالنظر والفصل في المنازعات المثارة أمامه وتوقيع الجزاءات الرادعة، واتخاذ إجراءات وتدابير تقتضيها إعادة السير العادي للمسار التنافسي والحد من تفاقم الممارسات المنافية للمنافسة (المطلب الثاني).
المطلب الأول: العمل الاستشاري لمجلس المنافسة.
تعد الاستشارة أمام مجلس المنافسة وسيلة في متناول جميع المشاركين في الحياة الاقتصادية والاجتماعية داخل الدولة ابتداء بالسلطة العامة وصولا إلى المواطن البسيط عبر جمعيات حماية المستهلكين والجمعيات المهنية، وهذه الاستشارة نوعان: إما اختيارية وإما إجبارية.
أولا: الاستشارة الاختيارية.
يقصد بالاستشارة الاختيارية إمكانية اللجوء إلى مجلس المنافسة بكل حرية أو الامتناع عن ذلك دون أن يترتب أي أثر على ذلك، ونصت على هذا النوع من الاستشارة كلا من المادة 5 و 6 من القانون رقم 13.20، ويظهر من خلال أحكام المادتين أن تحديد المشرع للأشخاص الذين بإمكانهم استشارة مجلس المنافسة والمتمثلة في الحكومة واللجان البرلمانية الدائمة وكذلك المحاكم المختصة.
أ ـ الاستشارة من طرف الحكومة واللجن الدائمة للبرلمان.
تتمتع الحكومة بإمكانية استشارة مجلس المنافسة في كل المسائل المرتبطة بالمنافسة طبقا للفقرة الثانية من المادة 5 والتي نصت على أنه: " يدلي المجلس برأيه في كل مسألة متعلقة بالمنافسة". وبالتالي يلاحظ أن المشرع منح الامتياز للحكومة للتدخل في كل مسألة متعلقة بالمنافسة، وذلك دون تحديد أو تعيين، ولعل هذا الامتياز الواسع يجد تفسيره في كون الحكومة هي الساهرة على إعداد وتطبيق السياسة الاقتصادية للبلاد[22].
كما يمكن أن يستشار المجلس من قبل اللجان الدائمة بالبرلمان[23]، حول مقترحات القوانين التي يودعها نائب برلماني أو مستشار أو فريق نيابي أو غيرهما، وهذه الاستشارة تتعلق بمقترحات القوانين في مجال المنافسة دون أن تتعداها  إلى مشاريع القوانين التي قد تناقشتها.
و يمكن أيضا أن يستشار المجلس كذلك اختياريا من طرف الجماعات الترابية وغرف الصناعة التقليدية والمنظمات النقابية والمهنية أو هيئات التقنين القطاعية أو جمعيات حماية المستهلكين، في كل مسألة مبدئية تتعلق بالمنافسة وذلك في حدود المصالح المناطة بها[24].
ب – الاستشارة من طرف المحاكم المختصة.
خولت المادة 6 من قانون 20.13 إمكانية استشارة مجلس المنافسة من قبل المحاكم حول القضايا المرفوعة أمامها والمتعلقة بالممارسات المنافية لضوابط المنافسة المنصوص عليها في المادتين 6 و 7 من قانون حرية الأسعار والمنافسة، وعندما تعرض الاستشارة من طرف المحكمة على المجلس إما أن يتعلق الأمر بقضية أحيلت عليه سابقا، وآنذاك يدلي المجلس مباشرة برأيه فيها، وإما أن يتعلق الأمر بنازلة لم يسبق أن عرضت على المجلس وفي هذه الحالة يتم اتباع مسطرة خاصة.
ورغم أن رأي مجلس المنافسة ليس ملزما، بل يدخل في إطار الخبرة التي لا تقيد المحاكم بنتائجها، فإن المعلومات التقنية التي سوف يتضمنها تقرير المجلس حول موضوع الاستشارة ستمكن المحاكم من تقدير الحكم في القضايا المعروضة أمامها، وبالتالي فإن آراء المجلس ستخلق تراكما اجتهاديا معرفيا يساهم بدون شك في ضبط سوق المنافسة وقواعدها، وبالتالي إشاعة وترسيخ وتطوير ثقافة المنافسة[25].
ثانيا: الاستشارة الإجبارية.
يستشار مجلس المنافسة وجوبا من طرف الحكومة في مشاريع النصوص التشريعية أو التنظيمية أو المتعلقة بإحداث نظام جديد أو بتغيير نظام قائم يهدف مباشرة إلى:
1-                    فرض قيود كمية على ممارسة مهنة أو الدخول إلى السوق.
2-                    إقامة احتكارات أو حقوق استشارية أو خاصة أخرى في التراب المغربي أو في جزء منه.
3-                    فرض ممارسات موحدة فيما يتعلق بأسعار أو شروط البيع.
4-                    منع إعانات من الدولة أو الجماعات الترابية وفقا للتشريع المتعلق بها[26].
ومن خلال هذه المادة يظهر أن هذه  الاستشارات الإجبارية قد تشمل الاستثناءات الواردة على مبدأ المنع في قانون حرية الأسعار والمنافسة، ولكون هذه الأوضاع تشكل مسا خطيرا بحرية المنافسة في حد ذاتها، فإن المشرع ألزم الحكومة باستشارة المجلس بشأنها، غير أنه لم يبين ما إذا كانت الحكومة ملزمة برأي المجلس أم لا، لذلك فإن منطق الأمور يفرض الرد بالإيجاب[27].
وما يلاحظ أن مسألة استشارة مجلس المنافسة سواء كانت استشارة اختيارية أو ملزمة قد سكت المشرع عن مدى إلزاميتها والأخذ بها، ولكننا نرى أنه في غالب الأحيان فإن اللجوء إلى مجلس المنافسة لطلب استشارته في مسائل تراها الهيئة طالبة الاستشارة لها صلة بالمنافسة غير ملزمة، وإن عدم استشارة هذه الأخيرة للمجلس لا يترتب عليه أي أثر قانوني، وبالتالي فإن أراء مجلس المنافسة بالنسبة للاستشارة الاختيارية لا تعد أن تكون مجرد اقتراحات لا تكتسي أي طابع إلزامي بالنسبة للهيئة المستشارة، وكذلك الأمر بالنسبة للاستشارة الإجبارية فالهيئة طالبة هذا النوع من الاستشارة هي كذلك غير ملزمة بالأخذ برأي المجلس، غير أنها ملزمة بوجوب وضرورة القيام بالاستشارة.
المطلب الثاني: الدور التقريري لمجلس المنافسة.
بالإضافة إلى الدور الاستشاري الهام الذي يقوم به مجلس المنافسة، هناك أيضا دور آخر لا يقل أهمية على سابقه، ويتمثل هذا الدور في كون مجلس المنافسة يتمتع بسلطة تقريرية في ميدان محاربة الممارسات المنافية للقواعد المنافسة[28] وهذه السلطة شكلت أهم مستجد أتى به قانون حرية الأسعار والمنافسة والقانون المتعلق بمجلس المنافسة، فهذا الأخير لم تكن له سوى سلطة استشارية فقط في ظل القانون 99.06 المعدل، وبهذا الإصلاح يكون لمجلس المنافسة الحق في اتخاذ القرارات وفرض الجزاءات إذا ما تبين له خرق مقتضيات المادة 6 و 7 من ق.ح.أ.م وهذا ما نصت عليه المواد من 35 إلى 42 من قانون حرية الأسعار والمنافسة وتتمثل هذه الجزاءات التي يمكن أن يصدرها المجلس في الغرامات المالية[29]، وكذلك يمكن أن يأمر المعنيين بالأمر من وضع حد للممارسات المنافية لقواعد المنافسة داخل أجل معين أو أن يفرض عليهم شروطا خاصة[30].
كما يمكن لمجلس المنافسة وحده وبالاستناد إلى الوقائع المادية الموضوعية والقانونية تحديد بعض الأعمال والأنشطة باعتبارها متعارضة ومنافية لقواعد المنافسة، والمتمثلة حسب المقتضيات الواردة في المواد 6 و 7 من ق.ح.أ.م، في كل من الأعمال المدبرة والاتفاقات التي يكون الهدف منها عرقلة قواعد المنافسة واحتكار السوق، إضافة إلى الاستغلال التعسفي دون إغفال بعض عمليات التركيز الاقتصادي التي تؤثر على توازن بنية السوق[31].
وهكذا فعلى مجلس المنافسة أن يعمد إلى توضيح طبيعة الممارسات المنافية للمنافسة وذلك بالقيام بتحديد عدة مفاهيم، كالمقصود بالاتفاقات، وأشكالها وأطرافها، وكذلك المقصود بالوضع المهيمن والاستغلال التعسفي، والتبعية الاقتصادية، والسوق المعنية بهذه الممارسات والمقصود أيضا بالتقدم الاقتصادي مساهمة كافية سواء لتعويض قيود المنافسة أو لتعويض بالمساهمة في الأضرار اللاحقة بالمنافسة وغيرها من المفاهيم التي تضمنها ق.ح.أ.م. وإلى جانب تحديد المفاهيم، فإن المجلس ينفي أو يؤكد الطبيعة المنافية لقواعد المنافسة أو يجيز الممارسات المحظورة بعد التأكيد على وجود نص تشريعي أو تنظيمي، الأمر الذي يفرض على أعضائه رؤية اقتصادية شاملة للاقتصاد الوطني، ومعرفة تامة بأحوال السوق الوطنية والدولية ووضعية مختلف قطاعات الإنتاج والتوزيع، فتطبيق قواعد المنافسة تطبيقا سليما يستلزم ربط ما هو قانوني بما هو اقتصادي[32]. كما يلعب المجلس دورا  هاما في تحديد الإعفاء من المنع الوارد على الممارسات المنافية للمنافسة إذ أن المشرع أورد في قانون ح.أ.م حالتين يمكن من خلالهما إخراج بعض الأنشطة الاقتصادية من إطار المنع الذي يطال كل الممارسات التي ثبت إخلالها بقواعد اللعبة التنافسية، ويكون ذلك إما بنص تشريعي أو تنظيمي تطبيقا له، إن تخويل السلطة التقريرية لمجلس المنافسة بتمكينه من اتخاذ جزاءات في حق المخالفين لمقتضيات القانون، والاعتراف للمجلس بسلطة التحري، مع إمكانية اتخاذ الجزاءات في حق كل من رفض التعاون مع مصالح المجلس، والتنصيص على اختصاص المجلس ذاته في مجال المرافعة لصالح المنافسة اتجاه السلطات العمومية والفاعلين الاقتصاديين، سيمكنه من ضمان منافسة شريفة وحرة من شأنها المساهمة في تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتوسيع قائمة الأشخاص والمؤسسات التي يمكنها توجيه إحالات أو طلبات رأي إلى المجلس وتكريس استقلالية هذا الأخير طبقا لما جاء به الدستور.
يمكن القول أن الانتقال من الدور الاستشاري إلى الدور التقريري على شاكلة مجالس المنافسة بعدد من البلدان، منح مجلس المنافسة قوة لمحاربة الريع الاقتصادي ومختلف الأشكال الاحتكارية والامتيازات الغير مشروعة، وذلك ضمن منظومة وطنية منسجمة ومتناسقة للحكامة الاقتصادية[33]،
وانطلاقا مما سبق يتضح أن قانون حرية الأسعار والمنافسة وقانون مجلس المنافسة جاء بجملة من المقتضيات تستجيب لسقف التطلعات المنتظرة من الإصلاح الأخير الذي عزز صلاحيات مجلس المنافسة في الحد من الممارسات المنافية للمنافسة  في انتظار التجسيد الفعلي لتلك المقتضيات على أرض الواقع في صيغة قرارات تبلور الحرص على حماية السوق من كل الممارسات التي من شانها الإخلال بقواعد المنافسة الشريفة، إذ حقيقة يمكن لمجلس المنافسة أن يمارس قضاء اقتصادي بمواصفات مسطرية تراعي الأهداف المرجوة من إنشائه.



[1]ظهـير شريف رقم 1.00.225 صـادر في 2 ربيــع الأول 1421 (5 يونيو 2000) بتنفيذ القانون رقم 06.99 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة.
[2]  القانون رقم 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.14.116 في 2 رمضان 1435 الموافق  لـ 30 يونيو 2014 ( الجريدة الرسمية عدد 6276 بتاريخ 24 رمضان 1435 الموافق ل 24 يوليوز 2014 ).
[3]ـ القانون13 .20 المتعلق بمجلس المنافسة الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 117.14.1 في 2 رمضان 1435 الموافق لـ 30 يونيو 2014 (الجريدة الرسمية عدد 6276 بتاريخ 24 رمضان 1435 الموافق  لـ 24 يوليوز 2014.
[4]ـ الفقرة 1 المادة 10 من قانون 13.20.
[5]-ابو بكر مهم:"الاتفاقات المنافية للمنافسة" قراءة في المادة 6 من قانون رقم06.99 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة،  مجلة  القضاء والقانون العدد 156 لسنة 2008.
[6]ـ الفقرة الثانية من المادة 10 من قانون 13.20.
[7]ـ المادة 12 من قانون 13.20.
[8]ـ محمد المرغادي:" المنافسة أبعادها الاقتصادية والقانونية" الجزء الثاني، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 92 الطبعة الاولى 2015. ص.443
[9]ـ الفقرة الأولى من المادة 4 من قانون 13.20.
[10]ـ المادة 21 من النظام الداخلي لمجلس المنافسة.
[11]ـ الفقرة الأولى من المادة 23 من قانون حرية الأسعار والمنافسة.
[12]ـ يذكر أن صلاحية القيام بالأبحاث اللازمة التي يقتضيها تطبيق قانون ح.أ.م.م التي تخص مختلف الممارسات المخالفة لهذا القانون بصفة عامة، قد أنيطت بالباحثين والمقررين التابعين لمجلس المنافسة إلى جانب موظفي وأعوان الإدارة بموجب المادة 68 من هذا القانون وما يليها.
[13]ـ تبليغ المؤاخذات: وثيقة اتهام تحرر من قبل المقرر عندما يتبين له بعد القيام بالبحث أن الملف يتضمن مؤشرات كافية لإثبات وجود مخالفة أو عدة مخالفات للأحكام المتعلقة بالممارسات المنافية للمنافسة.
[14]ـ المادة 28 من ق.ح.أ.م.

[16]ـ أحمد عبد العالي:" خبرة الطب الشرعية ودورها في إثبات حالات الوفاة الجنائية"،- دراسة مقارنة-" أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة محمد الأول، وجدة السنة الجامعية 2011-2012 ص 27.
[17]ـ الفقرة الأخيرة  من المادة 29 من ق.ح.أ.م.م.
[18]-بالنسبة للتدابير التحفظية فهي ذات بعد وقائي مؤقت يكون الهدف منها تفادي الأضرار المحدقة بالمنافسة وبالفاعلين الاقتصاديين وكذا بالنشاط الاقتصادي بوجه عام، وتتجلى هذه التدابير التحفظية طبقا لما نصت عليه المادة 35 من ق.ح.أ.م في وقف الممارسة المعنية وكذا إصدار الأمر للأطراف بالرجوع إلى الوضع السابق، ويجب أن تظل محصورة فيما يعتبر ضروريا لمواجهة حالة الاستعجال.,
بخصوص احتمال تضرر المنافسة من ممارسات معينة، بينما في الحالة الأولى المتعلقة بالأوامر فيغلب عليها الطابع العلاجي أكثر من الطابع الوقائي، حيث بوادر المساس بالمنافسة تكون قد ظهرت بشكل جلي.
[20]ـ المادة 40 من قانون حرية الأسعار والمنافسة.
[21]ـ الفصل 166 من دستور 2011 ينص على أن:" مجلس المنافسة هيئة مستقلة، مكلفة في إطار تنظيم منافسة حرة ومشروعة بضمان الشفافية والإنصاف في العلاقات الاقتصادية، خاصة من خلال تحليل وضبط وضعية المنافسة في الأسواق، ومراقبة الممارسات المنافية لها والممارسات التجارية غير المشروعة وعمليات التركيز الاقتصادي والاحتكار".
[22]ـ نوال الرحموني:"حرية الأسعار وتنظيم المنافسة في القانون المغربي"،أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص،شعبة قانون الأعمال،جامعة محمد الأول وجدة،2008/2009 ص 140.
[23]ـ وهما اللجان الدائمة لدى مجلس النواب وعددها ستة لجان حسب المادة 30 من القانون الداخلي، وستة لجان لدى مجلس المستشارين حسب المادة 48 من القانون الداخلي له.
 سعاد البدري: "حماية الحق في المنافسة على ضوء قانون 06.99 " رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، كلية العلوم [24]
القانونية والاقتصادية والاجتماعية، طنجة، السنة الجامعية 2010.2011 ص82
[25]ـ عبد العزيز حضري:" مجلس المنافسة وتنظيم السوق" المجلة المغربية للقانون والاقتصاد، العدد الثالث يونيو 2001، ص 106.
[26]ـ المادة 7 من قانون 20.13 م.م.
[27]ـ فؤاد معلال:" شرح القانون التجاري الجديد" مطبحة النجاح الجديدة طبعة  2012 ص 165.
[28]ـ المادة 2 من قانون مجلس المنافسة تنص أن:" يتمتع المجلس بسلطة تقريرية في ميدان محاربة الممارسات المنافية لقواعد المنافسة، ومراقبة عمليات التركيز الاقتصادي كما هي معروفة في القانون المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة ".
[29]ـ المادة 40 من قانون حرية الأسعار والمنافسة.
[30]ـ المادة 36 من ق.ح.أ.م.م.
[31]ـ سعاد مهرير:" الحق في المنافسة بين النص القانوني والتطبيق" بحث لنيل دبلوم الماستر في القانون العام، جامعة عبد المالك السعدي طنجة. السنة الجامعية 2011-2012، ص 97.
[32]ـ عبد العزيز حضري، م، س، ص 101.
[33]ـ أحمد المومني:" مؤسسات الحكامة الحقوقية والإدارية والاقتصادية بالمغرب أية رهانات" مقال منشور بمجلة " شؤون استراتيجية العدد السادس –فبراير – 2012 ص 42. 
اقرأ المزيد

التكييف القانوني للجزاءات المقررة في قانون التعمير و التجزيئ وتقسيم العقارات وفق مستجدات قانون 12/66

التكييف القانوني للجزاءات المقررة في قانون التعمير و التجزيئ وتقسيم العقارات وفق مستجدات قانون 12/66
المتعلق بمراقبة وزجر المخالفات في مجال التعمير والبناء
بالمغرب



  ذ: الزكراوي محمد  
   أستاذ باحث في العلوم القانونية والإدارية
             متصرف وزارة الداخلية
                           

مقدمة
في إطار الحلول التي جاء بها المشرع المغربي للقضاء على البناءات غير القانونية، وضبط مجال التعمير و مراقبة وزجر المخالفات المتعلقة  بالتعمير والبناء، وسعيا منه لاستدراك النقائص المحتملة في النصوص القانونية، بالإضافة لابتكار قواعد قانونية جديدة تواكب نزايد حجم خروقات و جرائم التعمير و البناء، صدر مؤخرا بالجريدة الرسمية عدد 6501 بتاريخ 17 ذو الحجة 1437 الموافق ل 19 شتنبر 2016 - الظهير الشريف رقم 1.16.124  بتاريخ 25 غشت 2016 بتنفيذ القانون رقم 66.12 المتعلق بمراقبة وزجر المخالفات في مجال التعمير والبناء، كان الهدف منه إقرار نصوص قانونية لتجاوز جوانب القصور التي يعرفها نظام الرقابة والزجر المعمول به حاليا، عبر تعزيز قواعد الحكامة و ضوابط الزجر و المراقبة في هذا المجال، وذلك بتجميع مختلف المقتضيات الزجرية المتناثرة بين القوانين العامة والنصوص الثلاث المنظمة لقطاع التعمير بالمغرب.
و انسجاما مع موضوع مقالنا حول جرائم التعمير والتكييف القانوني للجزاءات المقررة في القانون رقم 12/66،وتحديدا طبيعة العقوبات المنصوص عليها في قانون التعمير وفق مستجدات قانون مراقبة وزجر مخالفات التعمير و البناء، نتساءل عن ماهية و طبيعة تلك العقوبات المقررة جراء مخالفة الضوابط و الأحكام التشريعية المنظمة لقواعد التعمير و البناء من جهة، ومن جهة أخرى إبراز للجزاءات المقررة في قانون التعمير و التجزيئ وتقسيم العقارات على ضوء مستجدات قانون 12/66،وأخيرا التعرض للتكييف القانوني لها .
فلاشك أن التشريع الجنائي المغربي حدد هو الأخر أفعال الإنسان التي يعدها جرائم، بسبب ما تحدثه من اضطراب اجتماعي، وأوجب زجر مرتكبيها بعقوبات أو بتدابير وقائية، فالجرائم بحسب التشريع الجنائي المغربي، إما جنايات أو جنح تأديبية أو جنح ضبطية أو مخالفات، فالجريمة التي تدخل عقوبتها ضمن العقوبات المنصوص عليها في الفصل 16 من القانون الجنائي تعد جناية، والجريمة التي يعاقب عليها القانون بالحبس الذي يزيد حده الأقصى عن سنتين تعد جنحة تأديبية، أما فيما يخص الجريمة التي يعاقب عليها القانون بحبس حده الأقصى سنتان أو اقل أو بغرامة تزيد عن مائتي درهم تعد جنحة ضبطية،في حين أن الجريمة التي يعاق بعليها القانون بإحدى العقوبات المنصوص عليها في الفصل 18 تعد من قبيل المخالفات،
ولاستظهار الطبيعة القانونية لجرائم التعمير والبناء، نتساءل حول إمكانية إسقاط نوعية العقوبات المنصوص عليها في مدونة القانون الجنائي المغربي على الجزاءات المقررة في مستجدات قانون زجر مخالفات التعمير و البناء ،بعبارة أخرى هل يمكن اعتماد التكييف القانوني للجزاءات المقررة لجرائم التشريع الجنائي على نظيرتها في التعمير آم أن الأمر يتعلق بمقتضيات خاصة ذات طبيعة و خصوصية مختلفة تجعلنا في تصادم مع إعمال القواعد العامة و المبادئ القانونية التي تقضي ان النص الخاص يقيد إعمال النص العام تلكم إذن إشكاليات سنحاول الغوص و البحث فيها وفق التصميم التالي

المبحث الأول : جرائم التعمير و الجزاءات المقررة في  القانون  رقم 66.12 المتعلق بمراقبة وزجر المخالفات في مجال التعمير والبناء
إن الحديث عن مراقبة و زجر مخالفات البناء و التجزيء و تحديد طبيعة الجزاءات المقررة في قانون التعمير ،يتطلب منا التعرض لنقطتين أساسيتين: الرقابة في مجال البناء و التجزيء وحالات التجريم التي المنصوص عليها وفق القوانين المنظمة (المطلب الأول ) العقوبات المقررة في القوانين المنظمة لمجال التعمير و التجزيئ العقاري ( المطلب الثاني)
المطلب الأول: حالات التجريم في القوانين المنظمة لمجال التعمير وفق أخر المستجدات
يعتبر السكن غير القانوني و البناء الفوضوي إحدى تجليات العجز الاجتماعي ومظهر من المظاهر الناجمة عن خرق قواعد التعمير و البناء وخرق سافر للضوابط العامة في مجال التعمير العملياتي تلكم الظواهر التي ما فتئت تؤرق القيمين على تدبير الشأن العمراني ببلادنا بالنظر إلى تداعياتها الخطيرة على المشهد العمراني بمدننا و قرانا من جهة وأثارها السلبية على المستوى الاقتصادي و الاجتماعي من جهة أخرى ،وقد أبانت المقاربة المعتمدة لحد ألان في التعامل لحد لان عن محدوديتها و عجزها في التصدي لها بالفعالية و النجاعة اللازمتين.
و تنفيذا للتعليمات الملكية السامية الداعية للحد منها، سبق لوزارة الداخلية والوزارة المكلفة بالتعمير أن عملتا على إعداد دوريات وزارية مشتركة، أسست لمقاربة جديدة في مجال محاربة ظاهرة السكن غير القانوني من شأنه تصحيح الأوضاع القائمة ورد الاعتبار لسلطان القانون، وذلك عن طريق اتخاذ إجراءات فعالة وعملية نذكر من بينها على الخصوص إحداث، تحت السلطة المباشرة للولاة والعمال، لجن اليقظة على صعيد إقليم يعهد إليها تتبع البناء غير القانوني ومراقبته من أجل ضبط المخالفات وتحديد المسؤوليات، وكذا اقتراح التدابير الزجرية الواجب اتخاذها ضد المخالفين أو السلطات المتورطة على حد سواء، فضلا عن اقتراح كل الحلول الكفيلة بوضع حد لانتشار هذه الظاهرة المشينة،ومن اجل رفع كل لبس في الموضوع صدرت بتاريخ 01 غشت 2017 دورية مشتركة بين وزير الداخلية ووزير إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة تحمل رقم 07-17 بشأن تفعيل مقتضيات القانون رقم 12-66 المتعلق بمراقبة وزجر المخالفات في مجال التعمير والبناء وتهدف هذه الدورية المشتركة إلى شرح مجموعة من المقتضيات الواردة بالقانون الأنف الذكر والتي لا يرتبط تنزيلها بإصدار نصوص تنظيمية، والعمل على توضيح مضامينها وكيفية تنزيلها السليم وفق مجموعة من الإجراءات.
وعلاوة على هذه الترسانة القانونية، بجدر بنا التذكير بالقانون رقم 66.12 المتعلق بمراقبة وزجر المخالفات في مجال التعمير والبناء، الذي نصت مقتضياته على اتخاذ مجموعة من التـدابير الكفيلـة بتصحيح الأوضاع القائمة، نذكر من بينها إحداث ضباط الشرطة القضائية لتعمير و مراقبين على صعيد كـل عمالـة أو إقليم، عهد إليهم بتتبع مراقبة البناء غير القانوني مـن أجـل ضـبط المخالفـات وتحديـد المسؤوليات واقتراح كل الحلول الكفيلة بوضع حد لانتشار هذه الظاهرة، متوخيا يذلك تنسيق الجهود المبذولة للحد من ظاهرة البنـاء غيـر القانوني وانتشارها المتزايد، وتجميع الوسائل البشرية والمادية المتوفرة وذلـك مـن أجـل تجاوز الصعوبات وسد الثغرات التي تعترض عملية المراقبة بالإضافة إلى تكملة وتعزيز منظومة التعمير بآليات عملية مرنة توضح مهام ومسؤوليات الأطراف المتدخلة، كل في نطاق اختصاصه، وفق ضوابط عملية و قانونية، وقائية و زجرية لمرتكبي جرائم تمس كيان المنظومة التعميرية، ودائما و في سياق إبراز معالم المخالفات التعميرية من خلال النصوص التشريعية و التنظيمية المؤطرة لجرائم التعمير و البناء بمفهومها الواسع، فان مستجدات قانون زجر مخالفات التعمير و البناء نص على مجموعة من المخالفات و العقوبات المرصودة لها من خلال إقرار مقتضيات همت بالأساس إلى تحديد ماهية تلك المخالفات المرتكبة وسرد أنواعها وتطبيق العقوبات المناسبة لها ضمانا لمبدأ لا جريمة و لا عقوبة إلا بنص قانوني، وعليه فبحسب المادة 64 من قانون 66.12 المتعلق بمراقبة وزجر المخالفات في مجال التعمير والبناء، يعد ارتكاب الأفعال الآتية مخالفة للقانون الجاري به العمل في مجال التعمير (انجاز بناء، او الشروع في انجازه من غير رخصة سابقة دون احترام مقتضيات الوثائق المكتوبة و المرسومة موضوع الرخص المسلمة في شأنها في منطقة يمنع القيام الأشغال البناء فيها او فوق الأملاك العامة او الخاصة للدولة و الجماعات الترابية، وكذا الأراضي التابعة للجماعات السلالية من غير الحصول على رخصة من الجهات المعنية بتسليم رخص استغلال او التفويت، كما يدخل في خانة جرائم التعمير و البناء استعمال بناية بدون الحصول على رخصة السكن او شهادة المطابقة بالإضافة إلى  ارتكاب أعمال ممنوعة طبقا للمادة 34  إخلال بمقتضيات الفقرة الأولى من المادة  2-54 المتعلق بمسك دفتر الورش .)
كما يعد ارتكاب الأفعال المبينة أدناه مخالفة لأحكام قانون رقم 25.90 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات المتمم و المعدل بأحكام القانون 12/66 ما تم إقراره بموجب نص المادة  63 (إحداث تجزئات عقارية أو مجموعات سكنية أو تقسيم عقارات من غير إذن سابق؛ دون احترام مقتضيات الوثائق المكتوبة والمرسومة موضوع الأذون المسلمة في شأنها في منطقة غير قابلة لاستقبالها بموجب النظم المقررة او فوق ملك من الأملاك العامة أو الخاصة للدولة والجماعات الترابية،وكذا الأراضي التابعة للجماعات السلالية بدون إذن سابق يجب الحصول عليه قبل مباشرة ذلك؛هذا و يدخل في دائرة التجريم استعمال بناية بدون الحصول على رخصة السكن أو شهادة المطابقة المشار إليهما في القانون رقم 12.90 المتعلق بالتعمير،بالإضافة إلى ارتكاب أعمال ممنوعة بموجب الفقرة الثانية من المادة 34 من القانون المذكور رقم 12.90 المتعلق بالتعمير والإخلال بمقتضيات الفقرة الأولى من المادة 17-2،المتعلقة بمسك دفتر الورش؛كما أن عملية بيع أو إيجار أو قسمة أو القيام ببيع أو بإيجار بقعة داخل تجزئة أو سكن داخل مجموعة سكنية تعثير من قبيل جرائم التعمير، عندما تكون التجزئة أو المجموعة السكنية غير مرخصة أو لم يحرر بشأنها محضر للتسلم المؤقت للأشغال مع مراعاة أحكام القانون رقم 44.00 المتعلق بيع العقارات في طور الإنجاز.)
 أما فيما يخص جرائم التعمير المنصوص عليها في ظهير شريف رقم 1.60.063 بشأن توسيع نطاق العمارات القروية، فيمكن الحديث في هذا السياق عن ما جاء به الظهير المشار إليه أعلاه، حيث انه يعد ارتكاب الأفعال المبينة أدناه مخالفة لأحكام هذا القانون كل من  عمل على تشييد أبنية أو إحداث تجزئات عقارية أو تقسيم عقارات من غير إذن سابق  دون احترام مقتضيات الوثائق المكتوبة والمرسومة موضوع الرخص المسلمة في شأنها  في منطقة غير قابلة لاستقبالها بموجب النظم المقررة او فوق ملك من الأملاك العامة أو الخاصة للدولة والجماعات الترابية، وكذا الأراضي التابعة للجماعات السلالية، بدون رخصة أو إذن سابقين يجب الحصول عليهما قبل مباشرة ذلك من طرف السلطات الوصية على تسيير هذه الأملاك ،كما يدخل في نطاق التجريم الأفعال المتعلقة يبيع أو إيجار أو قسمة أو القيام ببيع أو بإيجار بقعة داخل تجزئة عندما تكون التجزئة غير مأذون بها أو لم يحرر بشأنها محضر للتسلم المؤقت للأشغال مع مراعاة أحكام القانون المتعلق ببيع العقارات في طور الإنجاز بالإضافة إلى الإخلال بمقتضيات الفقرة الأولى من الفصل 12-3 المتعلقة بمسك دفتر الورش 5-12،او مخالفة مقررات التصميم الخاص بتوسيع نطاق العمارات القروية بما فيه مخالفة مقررات التصميم الخاص بنظام الأزقة وعدم مطابقة الأشغال المنجزة للتصاميم المصادق عليها)،كما نص ظهير 2 أكتوبر 1984 المتعلق بالأماكن المخصصة لإقامة شعائر الدين الإسلامي فيها على بعض المخالفات المتعلقة ببناء أو توسيع مكان مخصص لإقامة شعائر الدين الإسلامي فيه بدون رخصة او تسليم الرخصة من سلطة غير مختصة مخالفة شروط البناء التي يتضمنها الباب الثالث من قانون 12.90 المعدل بموجب أحكام قانون 12/66 كما تعد مخالفة بمقتضى القانون مخالفة البرنامج العام لبناء المساجد ودفتر التحملات النموذجي الذي تصدره وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.
المطلب الثاني :العقوبات المقررة في القوانين المنظمة لمجال التعمير والتجزيئ العقاري وفق مستجدات القانون رقم 12-66 المتعلق بمراقبة وزجر المخالفات في مجال التعمير والبناء
الفقرة الأولى: العقوبات المقررة في جرائم التعمير وفق مستجدات القانون رقم 12-66 المتعلق بمراقبة وزجر المخالفات في مجال التعمير والبناء( أحكام تغير وتتمم الظهير الشريف رقم 1.92.31 صادر في 15 من ذي الحجة 1412(17 يونيو 1992) بتنفيذ القانون رقم 12.90 المتعلق بالتعمير)

بحسب مقتضيات قانون التعمير فانه يعاقب بغرامة من 10.000 إلى 100.000 درهم،كل من باشر بناء أو شيده من غير الحصول على رخصة سابقة بذلك، أو في منطقة غير قابلة بموجب النظم المقررة لأن يقام بها المبنى المشيد أو الموجود في طور التشييد، وفي حالة إذا عاد المخالف إلى اقتراف نفس المخالفة داخل أجل السنة الموالية للتاريخ الذي صارفيه الحكم الصادر في المخالفة الأولى مكتسبا لقوة الشيء المقضي بهي عاقب بالحبس من شهر واحد إلى ثلاثة (3) أشهر، كما يعاقب بالغرامة المشار إليها في الفقرة الأولى أعلاه، كل من أدخل تغييرات على بناء موجود من غير الحصول على رخصة البناء، وبحسب أحكام المادة 72،فانه يعاقب بغرامة من 10.000 إلى 50.000 درهم، كل من سلمت له رخصة بناء وقام بتشييد بناء خلافا للرخصة المسلمة له، وذلك بتغيير العلو المسوح به والأحجام والمواقع المأذون فيها أو المساحة المباح بناؤها أو الغرض المخصص له البناء، كما يعاقب بالحبس من شهر إلى ثلاثة (3) أشهر وبغرامة من 50.00 إلى 100.000 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط كل من سلمت له رخصة بناء وقام بتشييد بناء خلافا للرخصة المسلمة له، وذلك بزيادة طابق أو طوابق، في حين أن المادة 73 تقرر انه يعاقب بغرامة من 2.000 إلى 20.000 درهم على كل تغيير، كيفما كانت طبيعته، تم إدخاله على واجهة بناية من دون الحصول على رخصة بذلك، ويعاقب بغرامة من 10.000 إلى 100.000 درهم، كل من خالف مقتضيات الفقرة الثانية من المادة 34 من هذا القانون. المادة 75يعاقب بغرامة من 2.000 إلى 10.000 درهم، مالك المبنى الذي يستعمله لنفسه من غير الحصول على رخصة السكن أو شهادة المطابقة. غير أنه إذا جعل المبنى في متناول الغير لاستعماله قبل الحصول على رخصة السكن أو شهادة المطابقة، فيعاقب بغرامة من 10.000 إلى 100.000 درهم. يعاقب بغرامة من 5.000 إلى 10.000 درهم على كل إخلال بمقتضيات الفقرة الأولى من المادة 54-2 أعلاه، المتعلقة بمسك دفتر الورش. ويعاقب بضعف هذه الغرامة إذا كانت المخالفة تمس بالأنسجة التقليدية أو بالمعالم التاريخية ومحيطها، المعينة كذلك بموجب التشريع الجاري به العمل(المادة 76)، في حين يعاقب بغرامة من 100.000 إلى 200.000 درهم، على إقامة بناية فوق ملك من الأملاك العامة أو الخاصة للدولة والجماعات الترابية وكذا على الأرضي التابعة للجماعات السلالية من غيرا لحصول على الرخص المنصوص عليها في القوانين والأنظمة الجاري بها العمل. علاوة على الحالات المنصوص عليها في الفصل 129 من مجموعة القانون الجنائي، يعد شريكا لمرتكب المخالفات لهذا القانون ولضوابط التعمير أو البناء العامة أو الجماعية، حسب الحالة، ويعاقب بنفس العقوبة رب العمل والمقاول الذي أنجز الأشغال والمهندس المعماري والمهندس المختص والمهندس المساح الطبوغرافي، في حالة عدم تبليغهم عن المخالفة خلال84 ساعة من علمهم بارتكابها، وكل من صدرت عنهم أوامر نتجت عنها المخالفة والأشخاص الذين سهلوا أو ساهموا في عملية البناء المخالف للقانون، هذا و يعاقب المشاركون المذكورون بالعقوبات المطبقة على الفاعلين الأصليين مالم يتعلق الأمر بجريمة أشد.
ويترتب عن تعددا لأفعال المرتكبة ضم الغرامات المحكوم بها، تضاعف العقوبات المنصوص عليها في هذا الفصل إذا عاد مرتكب المخالفة إلى اقتراف مخالفة مماثلة داخل أجل السنة الموالية للتاريخ الذي صار فيه الحكم الصادر في المخالفة الأول مكتسبا لقوة الشيء المقضي به. دون الإخلال بالعقوبات المنصوص عليها أعلاه، يجب على المحكمة، في حالة الإدانة أن تحكم، على نفقة المخالف، بهدم الأبنية، موضوع المخالفة، وبإعادة الحالة إلى ما كانت عليه (المادة 80.)

الفقرة الثانية: العقوبات المقررة وفق مستجدات القانون رقم 12-66 المتعلق بمراقبة وزجر المخالفات في مجال التعمير والبناء (أحكام تغير وتتمم الظهير الشريف  رقم 25.90 المتعلق بالتجزئات العقارية و المجموعات السكنية و تقسيم العقارات)
جاء بالمادة 65 على انه يعاقب بغرامة من 100.000 درهم إلى 5.000.000 درهم،كل من قام بإحداث تجزئة عقارية أو مجموعة سكنية من غير إذن سابق و كل تقسيم مخالف لأحكام المادة 58 من هذا القانون، كما أن المادة 66 تعاقب بالحبس من سنة إلى خمس سنوات وبغرامة من 100.000 إلى 200.000 درهم، على كل عملية تخص إحداث تجزئة عقارية أو مجموعة سكنية في منطقة غير قابلة لاستقبالها بموجب النظم المقررة بالإضافة الى عقوبة الغرامة المالية من 100.000 إلى 200.000 درهم، في شان كل من قام بإحداث تجزئة عقارية أو مجموعة سكنية أو تقسيم أو تشيد لبناية فوق ملك من الأملاك العامة أو الخاصة للدولة والجماعات الترابية، وكذا الأراضي التابعة للجماعات السلالية، من غير الحصول على الأذون المنصوص عليها في القوانين والأنظمة الجاري بها العمل.(المادة 68)
وقد نص القانون أيضا على عقوبة الحبس من سنة إلى خمس سنوات وبغرامة من 100.000 إلى 200.000 درهم، كل من قام ببيع أو إيجار أو قسمة أو عرض للبيع أو الإيجار بقعا من تجزئة أو مساكن من مجموعة سكنية أو توسط في ذلك، إذا كانت التجزئة أو المجموعة السكنية لم يؤذن في إحداثهما أو لم تكونا محل التسلم المؤقت للأشغال، مع مراعاة أحكام القانون رقم 44.00 المتعلق ببيع العقارات في طور الإنجاز. (المادة 69) ، كما يعتبر كل بيع أو إيجار لبقعة من تجزئة أو لسكن من مجموعة سكنية لم يؤذن في إحداثهما أو لم تكونا محل التسلم المؤقت للأشغال بمثابة مخالفة مستقلة. يعاقب بغرامة من 5.000 إلى10.000 درهم، كل إخلال بمقتضيات الفقرة الأولى من المادة 17-2 أعلاه، المتعلقة بمسك دفتر الورش. المادة 71 هذا و تضاعف العقوبات المنصوص عليها في هذا الفصل إذا عاد مرتكب المخالفة إلى اقتراف مخالفة مماثلة داخل أجل السنة الموالية للتاريخ الذي صار فيه الحكم الصادر في المخالفة الأولى غير قابل لأي طعن. دون الإخلال بالعقوبات المنصوص عليها أعلاه، حيث تأمر المحكمة في حالة الإدانة، وعلى نفقة المخالف، بهدم الأبنية والتجهيزات المنجزة من أجل إحداث تجزئة عقارية أو مجموعة سكنية موضوع المخالفة وبإعادة الحالة إلى ما كانت عليه. المادة (71-2 )،و في حالة تجزئة عقارية أو مجموعة سكنية غير قانونية يمكن أن تأمر المحكمة، على نفقة المخالفين وبحسب الحالة، بإعادة هيكلة التجزئة العقارية أو المجموعة السكنية المحدثة موضوع المخالفة.(المادة 71-3 ) علاوة على الحالات المنصوص عليها في الفصل 129 من مجموعة القانون الجنائي، حيث يعد شريكا لمرتكب المخالفات لهذا القانون ولضوابط التعمير أو البناء العامة أو الجماعية، حسب الحالة، ويعاقب بنفس العقوبة رب العمل والمقاول الذي أنجز الأشغال والمهندس المعماري والمهندس المختص والمهندس المساح الطبوغرافي في حالة عدم تبليغهم عن المخالفة خلال 48 ساعة من عملهم بارتكابها، وكل من صدرت عنهم أوامر نتجت عنها المخالفة والأشخاص الذين سهلوا أو ساهموا في عملية التجزئة السكنية المخالفة للقانون.
الفقرة الثلاثة : العقوبات المقررة وفق مستجدات القانون رقم 12-66 المتعلق بمراقبة وزجر المخالفات في مجال التعمير والبناء (أحكام تغير وتتمم الظهير الشريف رقم 063.60.1 بتاريخ 30 من ذي الحجة 1379( 25 يونيو 1960) بشأن توسيع نطاق العمارات القروية)
جاء بالمادة  من 13 الظهير الشريف رقم 063.60.1 بتاريخ 30 من ذي الحجة 1379( 25 يونيو 1960) بشأن توسيع نطاق العمارات القروية المتمم بأحكام القانون 12-66 المتعلق بمراقبة وزجر المخالفات في مجال التعمير والبناء، على انه يعاقب بغرامة من 10.000 إلى 100.000 درهم كل من باشر أو شيد بناء من غير إذن سابق بذلك، في منطقة غير قابلة بموجب النظم المقررة ألن يقام بها المبنى المشيد أو الموجود في طور التشييد،وإذا عاد المخالف إلى اقتراف نفس المخالفة داخل أجل السنة الموالية للتاريخ الذي صار فيه الحكم الصادر في المخالفة الأولى مكتسبا لحجية الشيء المقضي به يعاقب بالحبس من ثالثة 3 أشهر إلى سنة واحد،كما ان الفصل 14 يعاقب بغرامة من 10.000 إلى 50.000 درهم، كل من سلم له إذن بالبناء وقام بتشييد بناء خالفا للإذن المسلم له،وذلك بتغيير العلو المسموح به والأحجام والمواقع المأذون فيها أو المساحة المباح بناؤها أو الغرض المخصص له البناء،هذا و يعاقب بغرامة من 50.000إلى 100.000 درهم،كل من سلم له إذن بالبناء وقام بتشييد بناء خالفا للرخصة المسلمة له، وذلك بزيادة طابق أو طوابق إضافية.
أما الفصل 16 فيعاقب بغرامة من 5.000 إلى 10.000 درهم على كل إخلال بمقتضيات الفقرة الأولى من الفصل 12-3،المتعلقة بمسك دفتر الورش في حين أن مقتضيات  الفصل 17 تعاقب بغرامة من 100.000 درهم إلى 200.000 درهم كل من عمل على إحداث تجزئة عقارية من غير الحصول على إذن سابق بذلك كما يعاقب بالحبس من سنة إلى خمس سنوات وبغرامة من 10.000 إلى 200.000 درهم على إحداث تجزئة عقارية في منطقة غير قابلة لاستقبالها بموجب النظم المقررة (المادة 18) وفي الأخير نص الفصل 19 على عقوبة الغرامة المالية المحددة مقتضياتها من 100.000درهم إلى 200.000 درهم على كل عملية نهم إحداث تجزئة عقارية أو بناية فوق ملك من الأملاك العامة أو الخاصة للدولة أو الجماعات الترابية ،وكذا الأراضي التابعة للجماعات السلالية من غير الحصول على الأذون المنصوص عليها في القوانين والأنظمة الجاري بها العمل.
المبحث الثاني : التكييف القانوني للجزاءات المقرر في تشريعات ونظم التعميرالمغربية
المطلب الأول : أنواع جرائم التعمير من خلال القوانين المنظمة للتعمير والتجزيئ و تقسيم العقارات وفق مستجدات قانون 12/66 المتعلق بزجر مخالفات التعمير و البناء
 بالرجوع إلى أحكام القانون الجنائي المغربي و تحديدا في الباب الأول منه تحث عنوان - في أنواع الجرائم  –نلاحظ أن أقسام  الجرائم بحسب ماجيئ فيه إما جنايات أو جنح تأديبية أو جنح ضبطية أو مخالفات،فالجريمة التي تدخل عقوبتها ضمن العقوبات المنصوص عليها في الفصل 16 منه تعد جناية أما الجريمة التي يعاقب عليها القانون بالحبس الذي يزيد حده الأقصى عن سنتين تعد جنحة تأديبية في حين أن الجريمة التي يعاقب عليها القانون بحبس حده الأقصى سنتان أو اقل أو بغرامة تزيد عن 200 درهم تعد جنحة ضبطية وفي الأخير تعد الجريمة التي يعاقب عليها القانون بإحدى العقوبات المنصوص عليها في الفصل 18 من قبيل المخالفات،و بالعودة إلى مقتضيات الفصل 18 فالعقوبات المقررة للمحالفات هي: الاعتقال لمدة تقل عن شهر؛  - الغرامة من 30 درهم إلى.1200 درهم.
وانطلاقا من تلكم المواد المنظمة لأنواع الجرائم يمكن القول بصفة عامة أن الجرائم بالنظر إلى جسامتها تنقسم إلى جنيات و جنح و مخالفات.فهل ذلك يعني إمكانية إسقاط تلك التقسيمات الجرمية على مقتضيات القوانين المنظمة لمادة التعمير خاصة في شق المخالفات الواردة به؟ أم أن الأمر يتعلق بنوع من الأحكام الخاصة بتنظيم مجال التعمير ؟
إن الجواب عن الإشكالية المطروحة يحيل بنا إلى دراسة الأحكام المنظمة لجرائم التعمير وخصوصيتها و هكذا و فيما يخص الجرائم المتعلقة برخصة البناء، فمن خلال النصوص الجزائية الخاصة بالتهيئة و التعمير سواء ظل (أحكام الظهير الشريف رقم 1.92.31 صادر في 15 من ذي الحجة 1412(17 يونيو 1992) بتنفيذ القانون رقم 12.90 المتعلق بالتعمير) او (أحكام الظهير الشريف  رقم 25.90 المتعلق بالتجزئات العقارية و المجموعات السكنية و تقسيم العقارات) او(أحكام الظهير الشريف رقم 063.60.1 بتاريخ 30 من ذي الحجة 1379( 25 يونيو 1960) بشأن توسيع نطاق العمارات القروية) أو بعد صدور النصوص العمرانية الجديدة المتعلقة بقانون 12/66 المتعلق بزجر مخالفات التعمير و البناء، فإننا نميز بين قسمين من أقسام الجريمة التعميرية وذلك بحسب خطورتها وجسامة العقوبة المقررة لها فهي تحتمل حالتين :
أولهما : الجنح التأديبية: حيث جاء بالمادة 66 من القانون  رقم 25.90 المتعلق بالتجزئات العقارية و المجموعات السكنية و تقسيم العقارات  كما تم تعديله وتتميمه،على انه  يعاقب بالحبس من سنة إلى خمس سنوات وبغرامة من 100.000 إلى 200.000 درهم، على إحداث تجزئة عقارية أو مجموعة سكنية في منطقة غير قابلة لاستقبالها بموجب النظم المقررة، فيما تنص المادة من نفس القانون أيضا على عقوبة الحبس من سنة إلى خمس سنوات وبغرامة من 100.000 إلى 200.000 درهم، بخصوص كل من قام ببيع أو إيجار أو قسمة أو عرض للبيع أو الإيجار بقعا من تجزئة أو مساكن من مجموعة سكنية أو توسط في ذلك،إذا كانت التجزئة أو المجموعة السكنية لم يؤذن في إحداثهما أو لم تكونا محل التسلم المؤقت للأشغال .
وهو نفس الاتجاه الذي كرسته أحكام الظهير الشريف رقم 063.60.1 بتاريخ 30 من ذي الحجة 1379( 25 يونيو 1960) بشأن توسيع نطاق العمارات القروية في فصلها 18 حيث يعاقب بالحبس من سنة إلى خمس سنوات وبغرامة من 10.000 إلى 200.000 درهم على إحداث تجزئة عقارية في منطقة غير قابلة لاستقبالها بموجب النظم المقررة
ثانيهما : جنح ضبطية :وهي ما تم التنصيص عليها بموجب أحكام المادة 71 من القانون رقم  12.90 المتعلق بالتعمير المتمم و المعدل بموجب أحكام القانون رقم 12/66 المتعلق بزجر مخالفات التعمير و البناء حيث ينص على انه  يعاقب بغرامة من 10.000 إلى 100.000 درهم،كل من باشر بناء أو شيده من غير الحصول على رخصة سابقة بذلك،أوفي منطقة غير قابلة بموجب النظم المقررة لأن يقام بها المبنى المشيد أو الموجود في طور التشييد،وفي حالة إذا عاد المخالف إلى اقتراف نفس المخالفة داخل أجل السنة الموالية للتاريخ الذي صارفيه الحكم الصادر في المخالفة الأولى مكتسبا لقوة الشيء المقضي به يعاقب بالحبس من شهر واحد إلى ثلاثة (3) أشهر، وهو نفس ما كرسته أحكام المادة 72  تنصيصها على انه يعاقب بالحبس من شهر إلى ثلاثة (3) أشهر وبغرامة من 50.00 إلى 100.000 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط كل من سلمت له رخصة بناء وقام بتشييد بناء خلافا للرخصة المسلمة له،وذلك بزيادة طابق أو طوابق.
إن المتطلع للجرائم المنصوص عليها في كل من القانون رقم 25.90 المتعلق بالتجزئات العقارية و المجموعات السكنية و تقسيم العقارات و القانون رقم 12.90 المتعلق بالتعمير و كذلك ظهير 25 يونيو 1960  بشأن توسيع نطاق العمارات القروية، وحتى مع مستجدات قانون 12/66 المتعلق بمعاينة و مراقبة و زجر مخالفات التعمير و البناء،سوف يجد نفسه أمام جرائم لا تخرج عن نطاق ودائرة الجنح الأصلية بنوعيها الضبطي و التأديبي،كما أن الغرامات المنصوص عليها بحسب المواد المنظمة لها كلها تزيد عن 200 درهم ،مما يعكس انتمائها إلى صفوة الغرامات المنظمة في عداد الجزر المالي التأديبي في الجنح،هذا و تجدر الملاحظة و فيما يخص التدابير العينية التي يمكن الحكم بها إلى جانب العقوبات الجزائية فإن القاضي الجزائي و عندما ترتكب المخالفات،فإنه ما زال محتفظا بسلطته في الحكم باتخاذ التدابير اللازمة و الضرورية من أجل فرض احترام قواعد التهيئة و التعمير فيها بموجب هذه القوانين كالحكم بإعادة الأماكن إلى حالها الأصلي أو تنفيذ الأشغال الأزمة للتهيئة و على نفقة المحكوم عليه و كذا مصادرة الآلات و الأجهزة و المعدات التي استعملت في ارتكاب هذه المخالفات.
المطلب الثاني :التكييف القانوني للجزاءات المقرر في قانون التعمير والتجزيئ و تقسيم العقارات وفق مستجدات قانون 12/66 المتعلق بزجر مخالفات التعمير و البناء

إن الحديث عن طبيعة الجزاءات المقررة في قوانين التعمير وتكييفها القانوني مع ترتيب الآثار القانونية على تلك الطبيعة من حيث كونها مخالفات أم جنح او جنايات ، يقتضي بداية الرجوع بنا إلى تحديد سقف تلك العقوبات الواردة في قانون زجر مخالفات التعمير و البناء  الذي يكون بمفرده محلا لتحديد ماهية نلك العقوبات و طبيعتها القانونية تمييزا عن طبيعة الجزاءات الواردة و المنظمة بنصوص عامة كالقانون الجنائي او تلك الواردة في نصوص خاصة لها اتصال مباشر او غير مباشر بمادة التعمير و التي لا ينطبق عليها هذا الوصف لانتفاء مقوماته،و هكذا فالبر جوع إلى أحكام المادة 72 من مستجدات قانون التعمير رقم 12.90 كما تم تتميمه و تعديله،نجدها تنص على انه يعاقب بغرامة من 10.000 إلى 50.000 درهم، كل من سلمت له رخصة بناء وقام بتشييد بناء خلافا للرخصة المسلمة له،وذلك بتغيير العلو المسوح به والأحجام والمواقع المأذون فيها أو المساحة المباح بناؤها أو الغرض المخصص له البناء كما يعاقب بالحبس من شهر إلى ثلاثة (3) أشهر وبغرامة من 50.00 إلى 100.000 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط،كل من سلمت له رخصة بناء وقام بتشييد بناء خلافا للرخصة المسلمة له،وذلك بزيادة طابق أو طوابق،في حين نصت  المادة 66 المتعلقة بالعقوبات الواردة في قانون  رقم 25.90 المتعلق بالتجزئات العقارية و المجموعات السكنية و تقسيم العقارات.كما تم تتميمه وتعديله على انه يعاقب بالحبس من سنة إلى خمس سنوات وبغرامة من 100.000 إلى 200.000 درهم،عن كل عملية تهم  إحداث تجزئة عقارية أو مجموعة سكنية في منطقة غير قابلة لاستقبالها بموجب النظم المقررة،هذا،وقد أشارا لفصل 18 من أحكام الظهير الشريف رقم 063.60.1 بتاريخ 30 من ذي الحجة 1379( 25 يونيو 1960) بشأن توسيع نطاق العمارات القروية الذي تم تعديله وتتميمه على انه يعاقب بالحبس من سنة إلى خمس سنوات وبغرامة من 100.000 إلى 200.000 درهم، بخصوص إحداث تجزئة عقارية في منطقة غير قابلة لاستقبالها بموجب النظم المقررة..
فالمستفاد من نصوص القانون الثلاثة أن المشرع جرم الأفعال التي تعد مخالفة للأحكام الواردة في كل من قانون التعمير و قانون التجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات،وكذا الظهير الشريف المتعلق بتوسيع نطاق العمارات القروية وعاقب على كل خرق سافر للنظم و التشريعات بشتى أنواعها ذات الصلة بمجال التعمير و البناء عن طريق جزر مخالفاتها بعقوبات ملائمة لكل حالة على حدة،كما انه من بالاطلاع على مجموع المواد السالفة الذكر،يبدو للدارسين و المهتمين أن العقوبات الواردة فيها تنقسم إلى جزأين ، جزء يهم العقوبات الحبسية و التي جميعها تدخل في دائرة الجرائم الجنحية الأصلية بكلتا نوعيها الضبطية و التأديبية،مما يجعل الوصف الحقيقي لها متعلق بعقوبات سالبة للحرية لا يزيد حدها الأقصى عن 5 خمس سنوات، في حين أن الإشكال يطرح بالرجوع إلى الحد الأدنى و الأقصى للغرامات المالية التي يطرحها النص القانوني ذلك أن الحد الأدنى لتلك الغرامات لا يدخل لا في نطاق المخالفات ولا في حيز العقوبات الجنحية المعمول بها في القانون الجنائي باعتباره المادة التي تحدد طبيعة العقوبات و أقسام الجرائم،مما يدفع بنا للقول أن التنصيص عن تلك العقوبات المالية لها وقع خاص و مكانة خاصة محددة بنصوص خاصة بمجال التعمير، فمجمل القول أن الجرائم المنصوص عليها في القوانين الثلاث لا تدخل في نطاق العقوبات المتعلقة بالمخالفات،ذلك انه بالعودة إلى مقتضيات الفصل 18 من القانون الجنائي،فالعقوبات المقررة للمحالفات هي: الاعتقال لمدة تقل عن شهر و غرامة من 30 درهم إلى.1200 درهم،في حين أن الجزاءات المنصوص عليها و فق قواعد التعمير سواء تعلق الأمر بمدة الحبس او قدر الغرامات يفوق مدة الاعتقال و الغرامات الواردة في المادة 18 السالفة الذكر.
وارتباطا بمقالنا،نود الإشارة إلى انه من المقرر في هذا الموضوع  أن محاكم  الموضوع لا تتقيد بالوصف القانوني الذي تسقطه النيابة العامة على الفعل المسند إلى المتهم بجريمة مخالفة قواعد التعمير و البناء و غيرها لا و من واجبها أن تمحص الواقعة المطروحة عليها بجميع كيوفها و أوصافها القانونية و أن تطبق عليها نصوص القانون تطبيقاً صحيحاً ذلك أنها و هي تفصل في الدعوى،لا تتقيد بالواقعة في نطاقها الضيق المرسوم في وصف التهمة المحالة عليها،بل إنها مطالبة بالنظر في الواقعة  التي رفعت بها الدعوى على حقيقتها كما تبينتها من الأوراق و من محاضر المعاينات،و كل ما تلتزم به في هذا النطاق هو ألا تعاقب المتهم عن واقعة غير التي وردت بأمر الإحالة أو طلب التكليف بالحضور،
وفي ختام موضوعنا،نشير إلى انه لئن كان المشرع هو الذي يحدد العقوبة وفقا لمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات،إلا أنه لا يستطيع أن يحدد كل الظروف التي أحاطت بالفعل المجرم وقت ارتكاب الجريمة،ذلك أن المشرع أعطى للقاضي بعض الصلاحيات لاختيار العقوبة المناسبة في تحديد العقوبة بين حديها الأدنى و الأقصى وهذا ما يسمى بتفريد العقوبات إذ غالبا ما يضع المشرع عقوبتين للفعل،كالحبس أو الغرامة أو كليهما في بعض الجنح،كما يضع المشرع عقوبة متراوحة بين حدين أدنى وأقصى،ويترك للقاضي سلطة تقديرية تتناسب وقائع الدعوى،في حدود القواعد والمبادئ التي يقررها المشرع بقصد الحكم بالعقوبة المناسبة للجريمة ولظروف ارتكابها.


اقرأ المزيد
يتم التشغيل بواسطة Blogger.

المساهمات

المساهمات

اشترك في القائمة البريدية

contentieux des affaires ( ISSN ) 2508-9293 © 2014-2016