تابعونا على الفيسبوك

Disqus

القوة الملزمة لقرارات وتوصيات المجلس الأعلى للحسابات وطبيعتها القانونية

القوة الملزمة لقرارات وتوصيات المجلس الأعلى للحسابات وطبيعتها القانونية





الأستاذ : الزكراوي محمد
باحث في الشؤون الإدارية و القانونية

  
توطئة
خطاب جلالة الملك في افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثانية : التركيز على التنمية المتوازنة والمنصفة وربط المسؤولية بالمحاسبة
وبصفتنا الضامن لدولة القانون، والساهر على احترامه، وأول من يطبقه، فإننا لم نتردد يوما، في محاسبة كل من ثبت في حقه أي تقصير، في القيام بمسؤوليته المهنية أو الوطنية ،كما نوجه المجلس الأعلى للحسابات، للقيام بمهامه في تتبع وتقييم المشاريع العمومية، بمختلف جهات المملكة. إننا لا نقوم بالنقد من أجل النقد، ثم نترك الأمور على حالها. وإنما نريد معالجة الأوضاع، وتصحيح الأخطاء، وتقويم الاختلالات".

مقدمة
 ان التنزيل السليم لقواعد الشفافية و التدبير الحكماتي و ربط الوظائف العملية بمبد اربط المسؤولية بالمحاسبة، يقتضي إعمال جميع الآليات القانونية و القضائية بما فيها تلك الإدارية إعمالا صحيحا يتناسب و الأدوار الموكولة للجهات الساهرة على تنفيذها بمقتضي القوانين و التشريعات المعمول به    وعلى غرار الدول المتطورة، عمل المشرع المغربي، ولأجل  إحقاق سيادة القانون وربط المسؤوليات بالمحاسبة، على الارتقاء بالمجلس الأعلى للحسابات و المجالس الجهوية للحسابات إلى مصاف المؤسسات الدستورية التي تضطلع بدورا لمساهمة الفعالة في عقلنة تدبير الأموال العامة وممارسة وظيفتها بشكل كاملن كمؤسسات عليا للرقابة مستقلة عن السلطة التشريعية والسلطة التنفيذي. وهكذا أوضح الباب العاشر من الدستور، بأن المجلس الأعلى للحسابات يتولى ممارسة الرقابة العليا على تنفيذ القوانين المالية، ويبذل مساعدته للبرلمان والحكومة في الميادين التي تدخل في نطاق اختصاصاته بمقتضى القانون، ويرفع إلى جلالة الملك بيانات جميع الأعمال التي يقوم بها في إطار تقريره السنوي، وفضلا عن ذلك، وفي إطار سياسة اللامركزية، نص الدستور في الفصل 149 على إحداث المجالس الجهوية للحسابات المكلفة بمراقبة حسابات الجماعات الترابية وهيئاتها وكيفية قيامها بتدبير شؤونها، حيث تم تتويج المقتضيات الدستورية المذكورة بإصدار القانون رقم 99-62 المتعلق بمدونة المحاكم المالية بتاريخ 13 يونيو 2002 ،الذي بموجبه تم توضيح الوظائف المخولة للمحاكم المالية بهدف تأمين ممارسة رقابة مندمجة وإقامة أفضل توازن في مسؤوليات الخاضعين للرقابة وبالتالي الوصول إلى نظام عقوبات ومتابعات أكثر عدلا وإنصافا لهم.
ولما كان المشرع المغربي يهدف بتلك الترسانات القانونية المنظمة لرقابة المحاكم المالية للمؤسسات و المرافق العامة بما فيها الإدارات الترابية يهدف من خلالها إرساء معالم الشفافية و المسؤولية واستقرار المعاملات ، نتساءل  طبيعة و إلزامية قرارات و توصيات تلك المؤسسات الدستورية و هي تمارس مهامها ببسط رقابتها على المال العام من جهة، ومن جهة ثانية شمول رقابتها عن الكيفيات و آليات التدبير الإداري المتعلقة بتسيير و تدبير تلك الأجهزة لأعمالها و فق ما يتطلبه القانون ؟

المبحث الأول: الطبيعة القانونية لمؤسسة  المجلس الأعلى و المجالس الجهوية للحسابات ومجالات وأدوات تدخلها
إن الرقابة الممارسة من قبل المحاكم المالية ،تهم الرقابة القضائية على مدى قانونية العمليات المالية ومدى مطابقتها للنصوص (البث في الحسابات، التسيير بحكم الواقع والتأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية)،ومراقبة التسيير المرتكز على تقييم نتائج أداء الوحدات المراقبة من حيث الفعالية والاقتصاد والكفاية. ولما كان المطلوب هو التنفيذ الجيد للمشاريع التنموية المبرمجة، التي تم إطلاقها فقد ثم إيجاد حلول عملية وقابلة للتطبيق للمشاكل الحقيقية، وللمطالب المعقولة، والتطلعات المشروعة للمواطنين، في التنمية والتعليم والصحة والشغل وغيرها مع تعزيز آليات الحكامة الجيدة، وتخليق الحياة العامة، ومحاربة الفساد، بإحداث منظومة مؤسسية وطنية منسجمة ومتناسقة في هذا الشأن وذلك من خلال تعزيز دور المجلس الأعلى والمجالس الجهوية للحسابات في مراقبة المال العام، وفي ترسيخ مبادئ الشفافية والمسؤولية والمحاسبة، وعدم الإفلات من العقاب،
 فالمجلس الأعلى للحسابات هو الهيئة العليا لمراقبة المالية العمومية بالمملكة، ويضمن الدستور استقلاله، فهو بذلك يمارس مهمة تدعيم وحماية مبادئ وقيم الحكامة الجيدة والشفافية والمحاسبة، بالنسبة للدولة والأجهزة العمومية. كما يتولى ممارسة المراقبة العليا على تنفيذ قوانين المالية، ويتحقق من سلامة العمليات، المتعلقة بمداخيل ومصاريف الأجهزة الخاضعة لمراقبته بمقتضى القانون، ويقيم كيفية تدبيرها لشؤونها، ويتخذ عند الاقتضاء عقوبات عن كل إخلال بالقواعد السارية على العمليات المذكورة، هذا و تُناط به مهمة مراقبة وتتبع التصريح بالممتلكات، وتدقيق حسابات الأحزاب السياسية، وفحص النفقات المتعلقة بالعمليات الانتخابية 147 من الدستور، كما يضيف الفصل 148 من الدستور مهام أخرى لهذه المؤسسة، تتجلى في مساعدته للبرلمان في المجالات المتعلقة بمراقبة المالية العامة ؛والإجابة عن الأسئلة والاستشارات المرتبطة بوظائف البرلمان في التشريع والمراقبة والتقييم المتعلقة بالمالية العامة. يقدم المجلس الأعلى للحسابات مساعدته للهيئات القضائية. كما يقدم مساعدته للحكومة، في الميادين التي تدخل في نطاق اختصاصاته بمقتضى القانون. وينشر المجلس الأعلى للحسابات جميع أعماله، بما فيها التقارير الخاصة والمقررات القضائية، و يرفع للملك تقريرا سنويا، يتضمن بيانا عن جميع أعماله، حيث يوجهه أيضا إلى رئيس الحكومة، وإلى رئيسي مجلسي البرلمان، وينشر بالجريدة الرسمية للمملكة، كما يُقدم الرئيس الأول للمجلس عرضا عن أعمال المجلس الأعلى للحسابات أمام البرلمان، ويكون متبوعا بمناقشة.
هكذا، وبعد استقراء الفصلين 147 و 148 من الدستور و بالرجوع لأحكام القانون رقم 9-62 المتعلق بمدونة المحاكم المالية ،و على غرار الأجهزة العليا للرقابة على المالية العامة في الدول التي تعتمد النموذج القضائي، يمكن القول أن المجلس  يتولى ممارسة نوعين من الاختصاصات ينظمهما القانون رقم 99-62 المتعلق بمدونة المحاكم المالية، وهي اختصاصات قضائية تتجلى في التدقيق والبت في حسابات الأجهزة العمومية المدلى بها من طرف المحاسبين العموميين أو المحاسبين بحكم الواقع، وفي التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية، واختصاصات غير قضائية، تتمثل في مراقبة تدبير المؤسسات والأجهزة العمومية ألجل تقديره من حيث الكيف واقتراح الوسائل الكفيلة بتحسين طرقه والزيادة في فعاليته ومردوديته ومستوى أدائه، وكذا مراقبة استخدام الأموال العمومية، وعليه فان الطبيعة القانونية لمؤسسة المجلس الأعلى للحسابات وكذلك المجالس الجهوية للحسابات، و انطلاقا من القوانين المنظمة لاختصاصاتها لا تخرج من كونها إما ذات إداري او طابع قضائي،فالطبيعة القضائية لاختصاصات المجلس تتمثل في تدقيق المجلس الأعلى للحسابات لحسابات مرافق الدولة،وكذا حسابات المؤسسات العمومية والمقاولات التي تملك الدولة ،أو المؤسسات العمومية رأسمالها كليا أو بصفة مشتركة بين الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية ، إذا كانت هذه الأجهزة تتوفر على محاسب عمومي، من خلال إلزام المحاسبون العموميون للأجهزة العمومية بأن يقدموا سنويا إلى المجلس، الحسابات أو البيانات المحاسبية وفق الكيفيات المقررة في النصوص الجاري بها العمل، ويبت المجلس الأعلى للحسابات في الحساب أو البيان المحاسبي بقرار تمهيدي ثم بقرار نهائي، علاوة على اختصاصه في مجال تصفية الحسابات والبت فيها، يمارس المجلس الأعلى للحسابات وظيفة قضائية اتجاه كل شخص يتدخل دون أن تكون له صفة محاسب عمومي، في تدبير الأموال العامة سواء عن طريق التحايل على القانون أو عن جهل،  فيصبح بالتالي محاسبا بحكم الواقع ،كما يمارس المجلس الأعلى للحسابات وظيفة قضائية في مجال التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية اتجاه كل شخص أو موظف أو عون أحد الأجهزة العمومية الخاضعة لرقابة المجلس، يقترف إحدى المخالفات المنصوص عليها في مدونة المحاكم المالية وذلك في حدود دائرة اختصاص كل واحد منهم. ويتعرض المعنيون بالأمر للعقوبات المقررة لتلك المخالفات، كما يبت المجلس في طلبات استئناف الأحكام الصادرة بصفة نهائية عن المجالس الجهوية. ويبت المجلس في هذه القضايا من خال إصدار قرارات سواء بعدم مؤاخذة الأشخاص المتابعين أو الحكم عليهم بغرامات مالية، وعند الاقتضاء، بإرجاع الأموال المطابقة للخسارة التي تسببت فيها المخالفات المرتكبة، طبقا للمادة 66 من مدونة المحاكم المالية.
آما الاختصاصات التي يمارسها المجلس و التي لا تتصف بطابع الاختصاص القضائي،و التي بمكن القول أنها ذات طبيعة إدارية ،فتتجلى في مراقبة المجلس لتسيير المرافق والأجهزة العمومية التي تندرج ضمن دائرة اختصاصاته لتقييم جودته وتقديمه، إن اقتضى الأمر ذلك، اقتراحات حول الوسائل الجديرة بتحسين طرقه والزيادة في فعاليته ومردوديته. وتهم المراقبة كافة مظاهر التدبير. ويمكن للمجلس القيام بمهام تقييم المشاريع العمومية بغية التأكد من المنجزات المحققة،وبلوغ الأهداف المسطرة لكل مشروع،  بالنظر إلى الوسائل المرصودة له.
المبحث الثاني: القوة الملزمة لتوصيات  المجلس الاعلى و المجالس الجهوية للحسابات
طبقا للفصل 147 من دستور المملكة، يعتبر المجلس الأعلى للحسابات الجهاز الأعلى للرقابة على المالية العامة ببلادنا حيث يتحقق من سالمة العمليات المتعلقة بمداخيل ومصاريف الأجهزة الخاضعة لمراقبته بمقتضى القانون،ويقيم كيفية تدبيرها لشؤونها، ويتخذ، عند الاقتضاء، عقوبات عن كل إخلال بالقواعد السارية على العمليات المذكورة.كما يبذل مساعدته للبرلمان والحكومة والسلطة القضائية.
إن التنظيم القانوني لمؤسسة المجلس الأعلى للحسابات ،منظم بمقتضيات الدستور،وخاصة الفصلين  و 147 و148 منه،و القانون رقم 79/12 المتعلق بالمجلس الأعلى للحسابات الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 175/79/1 بالإضافة إلى مقتضيات مواد القانون رقـم 99/62 المتعلـق بمدونة المحاكـم المالية، والصادر بتنفيذه الظهير الشريـف رقم 124/02/1،وحيث إن تقدير مدى القوة الملزمة لتوصيات و قرارات المجلس الأعلى و المجالس الجهوية للحسابات في علاقتها بالإدارة و المؤسسات العمومية  موضوع رقابة المجلس الأعلى للحسابات يرجع في تحديده أولا إلى النظر في طبيعة هذه المؤسسة ومجالات وأدوات تدخلها، باعتبارها مؤسسة قضائية  مستقلة ومتخصصة تتولى الإسهام في ترسيخ سيادة القانون وإشاعة مبادئ العدل والإنصاف والعمل على نشر قيم التخليق والشفافية في تدبير المرافق العمومية بما فيها المؤسسات العمومية والسهر على تنمية تواصل فعال بين الأشخاص والإدارات العمومية والهيئات التي تمارس صلاحيات السلطة العامة وباقي المنشآت والهيئات الأخرى الخاضعة للمراقبة المالية. ولما كان مناط تدخل هذه المؤسسة يتحدد فيما تكشف عنه الشكايات و التقارير المقدمة أمامها من حالات يثبت فيها تضرر الأشخاص من تصرف صادر عن الإدارة يكون مخالفا للقانون او ثبوت مخالفات لقواعد التدبير الجيد من الناحية المالية او الإدارية ، خاصة إذا كان متسما بعدم المصداقية و الشفافية  أو منافيا لمبادئ الحكامة الجيدة واستقرار المعاملات  كما تقضي القوانين و الأنظمة المعمول بها،فإن التوصيات التي يصدرها هذا الأخير بما فيها قراراته القضائية  تستمد قوتها الإلزامية بداية من إلزامية القانون ذاته، ما دام أنها تهدف لإعادة تصرفات الإدارة إلى دائرة المشروعية والتقيد بالقانون الذي يبقى ملزما لأشخاص القانون العام وأشخاص القانون الخاص على السواء،عن طريق تصحيح الخلل الذي اعترى عملها من خلال تعيين الإجراءات الكفيلة بتحقيق ذلك،ولهذا جاءت المادة 148 صريحة في مدى إلزامية توصيات وقرارات المجلس الأعلى حيث جاء فيها  كونه يتولى مهمة ممارسة المراقبة العليا على تنفيذ قوانين المالية.ويتحقق من سلامة العمليات، المتعلقة بمداخيل ومصاريف الأجهزة الخاضعة لمراقبته بمقتضى القانون، ويقيم كيفية تدبيرها لشؤونها، ويتخذ، عند الاقتضاء، عقوبات عن كل إخلال بالقواعد السارية على العمليات المذكورة. وهو نفس المقتضى الذي يدعمه الفصل  149 من الدستور بالنسبة للمجالس الجهوية للحسابات في الدلالة على الطابع الملزم لهذه التوصيات من خلال صيغته التي نصت على أنه- تتولى المجالس الجهوية للحسابات مراقبة حسابات الجهات والجماعات الترابية الأخرى وهيئاتها، وكيفية قيامها بتدبير شؤونها. وتعاقب عند الاقتضاء، عن كل إخلال بالقواعد السارية على العمليات المذكورة. كما أن المادة 31 من القانون رقم 12.79  المتعلق بالمجلس الأعلى للحسابات توجب أن يتم توجيه المستندات المثبتة إلى المجلس الأعلى للحسابات كل ثلاثة أشهر. غير أن توجيه المستندات لأول مرة يجب أن يتم عند انصرام الثلاثة أشهر الموالية للثلاثة أشهر التي نشر خلالها هدا القانون بالجريدة الرسمية. بالإضافة إلى ذلك يجب أن يبلغ المحاسبون إلى المجلس عن طريق السلم الإداري جميع الملاحظات التي يرون أنه قد يستنير بها. وبحسب الفصل 80 من قانون 12.79 ،يمكن في جميع القضايا أن يقدم الرئيس ملاحظاته واقتراحاته إلى الوزراء والمسؤولين الآخرين عن الأجهزة الجارية عليها مراقبة المجلس بواسطة مذكرات أو قرارات مستعجلة. ويخبر بالإجراءات المتخذة بشأنها التي تضمن عند الاقتضاء في تقارير المجلس، ويلزم الموجهة إليهم القرارات المستعجلة بالإجابة عنها في أجل ستين يوما كما يلزم الموجهة إليهم المذكرات بالإجابة عنها في أجل ثلاثين يوما،ويوجه رئيس المجلس إلى وزير المالية نسخة من القرارات المستعجلة والأجوبة عنها،وفي كل وزارة يكلف موظف بالإدارة المركزية يبلغ تعيينه إلى المجلس الأعلى للحسابات السهر على الإجراءات المتخذة بشأن مذكرات الرئيس وقراراته المستعجلة. فبحسب المادة المذكورة تم تحديد الأجل الذي "يتعين" على الإدارة القيام خلاله بالإجراءات اللازمة للنظر فيها، وألزمتها أن تخبر المجلس الأعلى و المجالس الجهوية كتابة بالإجراءات حيث إذا لم يقدم أحد المحاسبين الحسابات أو المستندات المثبتة إلى المجلس في الآجال المقررة بحيث اذ لم تحترم تلك الآجال،جاز للرئيس أن يحكم عليه بالتماس من الوكيل العام للملك بغرامة لا يتجاوز مبلغها خمسمائة درهم كما يجوز له أن يوجه إليه أوامر بتقديم الحسابات أو المستندات وأن يحكم بالغرامة التهديدية المقررة في الفضل 39 بعده، كما أن توصيات وقرارات المجلس الأعلى و المجالس الجهوية  ،تستمد هذه القوة كذلك من اعتبار الشكوى التي تفتح باب إصدار المجلس الأعلى و المجالس الجهوية للحسابات لتوصياته، ليست طلب مساعدة أو إحسان، بل هي حق في إطار علاقة المواطن بالدولة من جهة و من جهة أخرى تنزيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة و قواعد الشفافية و الحكامة الرشيدة،لذا فليس للإدارة العامة أن تمتنع عن الاستجابة لمبادرات وتوصيات المجالس إذا ثبت خطأها أو وجود خلل في عملها، لأنّ غاية كل من الإدارة العامة ومؤسسة المجلس الأعلى هي تحقيق المصلحة العامة، لما في ذلك من حفظ للحقوق وترشيد لعمل الإدارة الحكومية بشكل يساعد على تطور عملها، وإعطاء كل ذي حق حقه. فعندما تخالف الإدارة المنظومة التشريعية العامة للدولة، ويثبت عدم امتثالها للقانون فإنّ قرار المجلس الأعلى يكون ملزما لها مهما كان شكله، كما أن هذه المؤسسة جاءت لتعزيز مفهوم جديد وحضاري للتدبير الحكماتي الجيد واستجابة لضرورات النزاهة والشفافية في العلاقة بين المواطن والإدارة العامة، وحيث من جهة أخرىّ، فإن الطابع الملزم لتوصيات وقرارات المجلس الأعلى و المجالس الجهوية للحسابات يدل عليه كذلك ما منحه المشرع لهذا الأخير من آليات لتتبع تنفيذ الإدارة للإجراءات والتدابير التي نصت عليها توصياته،من خلال إلزامها بإخبار المؤسسة كتابة بالقرارات والإجراءات التي اتخذتها بشأن هذه التوصيات مع تقييدها بالآجال القانونية  قصد تنفيذها،ولهذه الغاية أوجبت القانون  إلزامهم بإنجاز تقارير توجه إلى رئيس الحكومة بشأن تنفيذ التوصيات المذكورة، مما يجعل إقرار المشرع لهذا الإطار المؤسساتي القائم على التنسيق والتعاون والتكامل بين جهاته قصد التقيد بالتوصيات، مؤشرا على اتجاه قصده إلى توفير أكبر ما يمكن من الإمكانات حتى ترتب هذه التوصيات آثارها الواقعية والقانونية على مستوى العلاقة بين الإدارة والمتضررون نشاطها، بغية إعادة التوازن لهذه العلاقة على أساس المشروعية أو قواعد العدالة الإنصاف، و يتعزز هذا الإطار المؤسساتي بإقرار آلية تواصلية مباشرة بين رئيس الحكومة و المجلس الأعلى للحسابات ،من خلال إخباره من طرف هذا الأخير بحالات امتناع الإدارة عن الاستجابة للتوصيات باعتباره رئيسا للجهاز الإداري له صلاحية التدخل في إطار التسلسل الرئاسي للأمر بما يراه كفيلا بتنفيذ الإجراءات الموصى بها ،وحيث إنه تأسيسا على ما سبق، فإن توصيات وقرارات المجلس  تكون ملزمة لجميع الأطراف، بيد أن طبيعتها الإلزامية ليست فورية الأثر كما هو الحال بالنسبة للقرارات الإدارية أو القضائية،بل هي متراخية التنفيذ وتتحقق إلزاميتها بشكل غير مباشر، فهي تتبع مدى تعاون الإدارة من عدمه، ففي حال تعاون الإدارة المعنية يرتبط تنفيذ تلك التوصيات و القرارات بإجراءات الإدارة ذاتها وظروف عملها والإمكانيات المتاحة لها، وفي حال عدم تعاونها فإن تنفيذها يتم عبر إحالة الأمر على رئيس الحكومة الذي يقع عليه واجب الحرص على تطبيق توصيات و قرارات المجلس الأعلى للحسابات و ردع من يمتنع عن ذلك ،واتخاذ الإجراء المناسب بحق تلك الإدارة حتى تمتثل للتوصيات المشار إليها، بما في ذلك توقيع الجزاء التأديبي،إذ ينص القانون على أن رئيس الحكومة يمكنه أن يتخذ جميع "الجزاءات" والتدابير اللازمة بعد إحالة المجلس  للتقارير المثبتة لعرقلة الإدارة لعمله أو تهاونها في الجواب على اقتراحاته وتوصياته، مما يجعل تدخل رئيس الحكومة يعزز الطابع الإلزامي للتوصيات التي تستمدها في هذه الحالة من إلزامية التعليمات الرئاسية التي يصدرها في شأن التقيد بهذه التوصيات، كما إنه بالنظر للطابع الإلزامي لتوصيات. وقرارات المجلس كما تم بسطه أعلاه،فإن امتناع الجهات المعنية بتوصياته و قراراته عن التقيد بها ،وتنفيذ الإجراءات الموصى بها ،يشكل خطأ مرفقيا يرتب مسؤوليتها ما دام أن ذلك ينطوي على إصرارها على مواصلة الخرق القانوني أو الاعتداء على حقوق الأشخاص أو الإضرار بهم بالصورة التي كشفت عنها توصية أجهزة الرقابة ،هذا وأن المحكمة الإدارية عند نظرها في المسؤولية الإدارية للإدارة الممتنعة عن تنفيذ تلك التوصيات  وبالنظر لاحتمال مجانبة هذه التوصية للصواب، فإنها تبسط رقابتها على التصرف الذي كشفت التوصية عن عدم مشروعيته أو مخالفته لقواعد العدالة والإنصاف لتقدير ما إذا كان ينطوي على خطأ في جانب الادارة المعنية،حتى ترتب مسؤوليتها عن ذلك، من منطلق أن السلطة القضائية هي حصن المشروعية والحامية لحقوق وحريات الأشخاص وأمنهم القانوني بمقتضى الدستور،ولا يمكن أن تقضي بترتيب آثار توصية معين إلا بعد التثبت من مطابقتها للقانون والتأكد من أن تنفيذها لن يخل بالمشروعية،إذ أن عدم منح المشرع للمجلس الأعلى للحسابات و المجالس الجهوية  الأدوات التي يتحقق بها التنفيذ الجبري المباشر لتوصياته،يجعل إلزامية هاته الأخيرة لا ترتب بذاتها الآثار الناتجة عنها رأسا في مواجهة الإدارة إلا من خلال الآليات التي تسخرها الإدارة نفسها في إطار تقيدها بهذه التوصيات بالنظر للإمكانات المتاحة،أو بتفعيل رئيس الحكومة لسلطاته الملزمة في حدود ما هو منصوص عليه تجاه الإدارة الممتنعة عن التنفيذ، أو باللجوء للسلطة القضائية التي ترتب آثار الإلزام المذكور في مواجهة الإدارة لكن بعد التثبت من تحقق إخلالها المستند إليه في التوصية.
خاتمة
إن الاختلالات التي يعاني منها تدبير الشأن العام ليست قدرا محتوما، كما أن تجاوزها ليس أمرا مستحيلا،إذا ما توفرت الإرادة الصادقة، وحسن استثمار الوسائل المتاحة. ولما كان تكريس سيادة القانون يبقى التزاما على عاتق الدولة، وكان من صلاحيات رئيس الحكومة باعتباره رئيسا للجهاز الإداري التدخل قصد ضمان تنفيذ توصيات وقرارات مؤسسة المجلس الأعلى و المجالس الجهوية للحسابات،باتخاذ الإجراءات وتوقيع الجزاءات اللازمة في مواجهة الجهة الإدارية الممتنعة طبقا للقانون، فإن مسؤولية الدولة عن عدم تنفيذ توصيات و قرارات  المجلس الأعلى للحسابات تبقى قائمة بالتضامن مع الجهات و المؤسسات المعنية بها، ما دام لم يثبت اتخاذ رئيس الحكومة لأي إجراء في مواجهة تلك الأجهزة بغرض تنفيذ التوصيات المذكورة، أو اتخاذ أي تدابير،خاصة وأن التوصيات الصادرة بشأن أي خرق نجدها  مُتَضَمَّـنَة في التقارير الدورية و السنوية  الذي يرفعها المجلس المملكة إلى جلالة الملك.


اقرأ المزيد

La Dépénalisation du droit des affaires

La Dépénalisation du droit des affaires





Réalisée par :   Amimi MERYEM

Les affaires[1] sont le moteur de la vie économique et source de la richesse nationale et qu’il convient de sanctionner ce qui peut en fausser le jeu, porter atteinte à leur sécurité ou à leur crédibilité par des pratiques frauduleuses[2].
     Au Maroc jusqu'à maintenant il n’existe pas un code pénal des affaires qui sanctionnant les divers aspects de « la criminalité d’affaire » appelée aussi «  la délinquance en Col Blanc ».
Ces infractions commises par les hommes importants sont innombrables divisé en 2 catégories essentielles à savoir :
Ø  Les infractions d’affaires contre les biens[3].
Ø  Et d’autres infractions d’affaire contre la confiance publique ou les infractions protégeant la moralité des affaires[4].
Le respect de DPA est assuré par les juridictions pénales et les autorités administratives indépendantes :( Conseil de la Concurrence, CDVM remplacé par l’AMMC, l’Instance  Centrale Anti-corruption sans oublier les Associations de protection du  Consommateur qui peuvent se constituer comme partie civile).

Tous ces promoteurs ont droit de poursuivre ces infractions.
     La dépénalisation de la vie des affaires est une entreprise à facettes multiples, tant elle ne saurait être réduite à un catalogue de suppressions et de modifications des incriminations pénales.

Donner une définition requiert au préalable d’étudier l’étymologie.

    «  La dépénalisation » est composer du terme « pénalisation » et du préfixe «  dé », la pénalisation est généralement définie comme l’appréhension par le droit d’un comportement portant atteinte a une valeur sociale protégée. Le préfixe « dé » quant a lui renvoie a l’action d’enlever, d’ôter, de défaire.
Dépénaliser la vie des affaires,
-         C’est ainsi réduire non seulement l’espace pénal, mais également le risque anormal et le temps.
-         C’est retrouver une cohérence, une plus grande sécurité juridique, une confiance des acteurs dans la norme et la capacité à l’appliquer par les acteurs et les opérateurs juridiques.
Il s’agit pour cela de limiter l’instrumentalisation d’une justice pénale qui doit rester accessible à tous, de promouvoir une justice civile qui doit être rapide et efficace, en affirmant toujours le principe d’égalité des citoyens devant la loi comme le socle intangible sur lequel est bâti notre droit, donc notre contrat social[5].
Aujourd’hui, le constat est clair : la réglementation de l’activité économique est accompagnée d’un foisonnement de sanctions pénales, trouvant leur fondement légal soit dans le code pénal général, soit dans des normes spéciales (loi sur la liberté des prix et la concurrence, loi édictant les mesures de protection du consommateur……).
Il convient de signaler que l’inflation est corrélativement, une dilution du pénal : « trop de pénal tue le pénal ». Et même lorsque le recours pénal serait justifié en lui-même, il arrive que les conditions de son application altèrent sensiblement l’autorité des décisions.
C’est par exemple le cas avec les longs retards à prononcer la sanction qui dévitalisent l’intervention répressive. Mais c’est plus encore, le décalage souvent très sensible qui peut exister entre la menace potentielle que prévoient les textes, et l’application effective qui en est faite.
Actuellement, on peut dire qu’il y a eu un allégement du dispositif pénal remarquable.
La loi 20-05 a supprimé certaines dispositions pénales, a remplacé d’autres par des amendes et a réduit le montant de certaines amendes dans le but de rendre aux patrons et aux gestionnaires imprudents mais de bonne foi le gout d’entreprendre et également pour garder l’attractivité économique du pays et promouvoir son développement et sa croissance dans un cadre moralement saint.

Mettre en place ce mouvement de politique criminelle que constitue la dépénalisation du droit des affaires marocain  peut s’appuyer sur une démarche combinatoire.
·        C’est d’abord vers une nouvelle configuration du champ pénal qu’il faut tendre, en modifiant les modes de régulation applicables à l’activité, au contrôle et à la structure des entreprises.

·        C’est ensuite construire un appareil cohérent et adapté de régulation, performant et moderne, mais qui respecte les équilibres posés par les juridictions  et notre Constitution.

·        C’est enfin développer l’effectivité des réponses, en modernisant et clarifiant l’accès à la justice pénale et en renforçant l’attractivité de la justice civile[6].
La problématique majeure qui se pose est celle de savoir :
 Si le législateur marocain  réduira le montant des peines pour les autres formes de sociétés[7], comme celle de la société anonyme[8] (SA) sachant que plus de 99 % sont des sociétés à responsabilité limité (SARL) ?




[1]Le dictionnaire Robert définit « les affaires comme toutes activités économiques notamment dans leurs conséquences commerciales et financières ».

[2] https://www.ladissertation.com/Divers/Divers/Le-Droit-p%C3%A9nal-Des-Affaires-77000.html
[3] C’est la partie de droit pénal commun appliqué au droit des affaires qui englobe les infractions relatives aux appropriations illicites a ce niveau on trouve : le vol, l’escroquerie et l’abus de confiance.

[4]Se sont les incriminations qui ont pour finalité la protection de la valeur morale et sociale de la loyauté de la probité vis-à-vis de la collectivité.
[5] Rapport au garde des Sceaux, ministre de la Justice, « La dépénalisation de la vie des affaires », Paris, Janvier 2008.
[6] Rapport au garde des Sceaux, ministre de la Justice, « La dépénalisation de la vie des affaires », Paris, Janvier 2008.
[7] Sont réglementer par la loi 05-95.
[8] Est réglementer par la loi 20-05 modifié par la loi n 78-12 .
اقرأ المزيد

زراعة و نقل الأعضاء البشرية من ميت الى حي في القانون المغربي

زراعة و نقل الأعضاء البشرية من ميت الى حي في القانون
المغربي  




- حميد السموني
باحث في العلوم القانونية


مـقـدمـة
يعد نقل وزرع الأعضاء البشرية من بين أبرز التقنيات الطبية و الفنية الحديثة’ التي و بفضلها أضحى من الممكن إنقاذ آلاف المرضى و المصابين الميئوس من علاجهم بالطرق التقليدية’ تقنيات فتحت باب الأمل على مصراعيه لعلاج ما لم يكن ممكنا علاجه     و إلى زمن قريب جدا.
بدأ عصر زراعة الأعضاء في أواخر القرن الثامن الميلادي بواسطة الطبيب      هنتر (Hinter)  ’ الذي يطلق عليه لقب رائد الجراحة التجريبية في زراعة الأعضاء’    و قد أصبحت زراعة الأعضاء و الخلايا و الأنسجة الآن العلاج المفضل لكثير   من الأمراض المستعصية و أدى هذا بدوره إلى زيادة الطلب على عمليات زراعة الأعضاء و تواجه زراعة الأعضاء بين البشر تحديات رئيسية .
و يمكن ببساطة تعريف زراعة الأعضاء بأنها عملية الاستبدال الجراحي للأنسجة   أو الأعضاء التالفة بأنسجة أو أعضاء سليمة من متبرعين أحياء أو أموات. و بالرغم من أن العديد من دول العالم قد أدخلت عندها إجراءات التسجيل الإلزامي لزراعة الأعضاء بالإضافة إلى وجود بعض مكاتب التسجيل التطوعي أيضا’ فإنه لا يوجد حتى الآن في تلك البلدان نظام شامل موضوعي لجميع البيانات عن أنواع زراعات الأعضاء المختلفة  و عن المردود الناتج عنها و لا تزال الحاجة ملحة للحصول على الخلايا و الأنسجة    و الأعضاء بشكل خاص على المستوى العالمي[1] .
و لا غرو أن مسألة زرع الأعضاء من جسم شخص حي أو ميت’ و مدى جوازها     أو عدمه من وجهة النظر الشرعية’ بحثت كثيرا في المجامع الفقهية القديمة و المعاصرة     و كذا في دور لإفتاء في بعض البلاد الإسلامية’ كما أن مسألة زرع الأعضاء تتداخل      فيها ثلاث اعتبارات أولها المفهوم الطبي و ثانيها النظر الشرعي و ثالثها الاعتبار القانوني’ و لا ينبغي الاعتقاد بأن هذه الاعتبارات الثلاث تتصارع لفرض أطروحتها بل إن نسق السلوك البشري هو الذي يفرض هذا التداخل ليتحقق التكامل حول محور واحد هو الذات البشرية [2] .
و مازالت عمليات نقل و زرع الأعضاء البشرية تشغل دوائر الطب و الفقه  في أغلب البلدان’ و ازدادت عمليات الزرع و ازداد معها الاهتمام بضرورة وضع نظام قانوني حفاظا لها.
فتاريخ الأغراس قصير حيث بدأت التجارب على النبات ثم الحيوان في القرن    الثامن عشر و في القرن التاسع عشر انتقلت التجارب إلى الإنسان. فأعلن نجاح الزرع عليه في النصف الثاني منه فأولى عمليات زرع الجلد الناجحة كانت سنة 1969 بسبب احتياج طب التجميل لردم تشوهات الوجه بسبب الحروب و الحرائق و بعدها تم بنجاح زرع الكلي سنة 1905 و زرع النخاع العظمي سنة 1958 و البنكرياس و الطحال سنة 1964  و المعاء الدقيق سنة 1967 و زرع القلب بجنوب إفريقيا  سنة 1967.
هذه العمليات و ما شابهها من نجاح باهر و من عبث بجسم الإنسان أذكت و هيجت اللقاءات العلمية الطبية و أدكت فضول فقهاء الكنائس و شغلت بال رجال القانون’ مهدت الطريق لتفلسف الفلاسفة و كان لا بد أن تتوحد  الآراء و تتضافر الجهود على أكثر من صعيد لصياغة حد أدنى من المفاهيم حول مسألة غرس الأعضاء و نقلها و تخزينها سواء من الأحياء أو الأموات .
كل هذه الإرهاصات خلقت مسالة التطابق و الاختلاف لدى الطبيب المسلم بين أحكام القانون الوضعي و أحكام الشريعة الإسلامية و مازالت نقل و زرع الأعضاء البشرية تشغل دوائر الطب و الفقه في أغلب البلدان’ و ازدادت عمليات الزرع و ازداد معهما الاهتمام بضرورة وضع نظام قانوني متكامل لهذه العمليات حفاظا على أطراف العلاقة في عملية التبرع من العبث بالذات البشرية قبل الموت أو بعده[3] .
و لقد أصدر المشرع المغربي القانون المتعلق بالتبرع بالأعضاء و الأنسجة البشرية  و أخذها و زرعها في 25 أغسطس 1999 .
و سوف نعالج الموضوع من خلال التصميم التالي:

التصميم
المبحث الأول : حدود إباحة الاستئصال العلاجي أو العلمي من الجثث و موقف
                    الشريعة الإسلامية
المطلب الأول : حدود إباحة الاستئصال العلاجي أو العلمي من الجثث.
المطلب الثاني:  موقف الشريعة الإسلامية 
المبحث الثاني :الاستئصال من الجثث بحسب القانون المغربي.
المطلب الأول : مدى احترام القانون 16/98 لكرامة و إرادة المواطن.
المطلب الثاني : شروط الأخذ من الجثث بحسب التشريع المغربي
خــاتـمـة 
المبحث الأول : حدود إباحة الاستئصال العلاجي أو العلمي من الجثث و موقف
                    الشريعة  الإسلامية
المطلب الأول : حدود الاستئصال العلاجي أو العلمي من الجثث
أن عددا من الأجزاء الحيوية لا يمكن استحصالها إلا من الأموات ببساطة لأن أخذها من الأحياء يؤدي حتما بحياتهم أو يسبب لهم ضررا موازيا أو أكبر من الضرر المراد دفعه عن المريض’ كمثل نقل القلب’ الكبد’ البنكرياس’ الرئة, قرنية العين, و جميع الأعضاء      و الأنسجة الأخرى غير المزدوجة كالعظام’ الغضاريف خلايا الدماغ... و معلوم أن هذه الأعضاء أضحت ضرورة لعلاج أنواع لا حصر لها من الأمراض و العاهات .
قداسة الموتى في ثقافة الشعوب المختلفة :
لعل الشعوب على اختلاف دياناتها و اعتقاداتها لم تجمع على شيء مثلما أجمعت على احترام موتاها لحد التقديس و التأليه أحيانا’ و بالمقابل على استهجان كل مساس         أو تدنيس أو تمثيل بالجثث’ لذلك تجد الناس من كل الفلسفات – المادية كما الإيمانية – أحرص ما يكونون على تنفيذ وصايا موتاهم – من أجله أيضا صيغت مراسيم الدفن        بما يعكس مكانة الموتى.
و حتى عندما تحرق الجثث بحسب طقوس عقيدة ما’ فلا يعني ذلك نقص قداستها  بل لعلها مراسم يثبت من خلالها أهل العقيدة مقدار تشبثهم بالميت’ بدليل أن رماد الجثث مقدس في البوذية أو غيرها باعتباره يرمز للجسم و ماله من قداسة .
و ما مومياء الفراعنة التي قاومت الزمن إلا دليل على ما بذل من جهود من أجل صون كرامة الجثث و تقديسها’ سيما إذا كانت لملوك أو بالأحرى لآلهة[4].  
و لما وضعت مراسيم الدفن أو الإحراق ...حصل اليقين بأن الموت مجرد سفر إلى حياة أخرى قد يحتاج فيها المسافر للعدة و يحتاج لأن تلتقي روحه بجسده سليما   غير منقوص و عندما صيغت القوانين كانت هذه الاعتقادات حاضرة فتبنت تدابير تحمي حرمات الأموات و مراقدهم’ و قبل وجود قوانين وضعية كانت الشرائع السماوية حرمت الأموات و مراقدهم و قبل وجود قوانين وضعية كانت الشرائع السماوية حرمت التمثيل بالجثث  و أجمعت الأخلاق من أي مصدر كانت على شناعته.
  اتجاهات القانون المقارن :
لقد تعرضت كثير من التشريعات الأجنبية بالنص صراحة على جواز استئصال جزء من جثة المتوفى و زرعها في جسم كائن آخر حي و هي أسبق في التاريخ من تلك التي تعرضت للتصرف في جزء من جسم الإنسان الحي[5]’ و نخص بالذكر منها القانون الإسباني الصادر في 18/12/1990 و القانون الإيطالي الصادر في 3/4/1957   و القانون السويدي الصادر عام 1958  و القانون الدنمركي الصادر في 7/6/1967  و القانون البرازيلي في 10/08/1968  أما القانون الفرنسي [6] يستند على تقسيم كلاسيكي’ يميز بين نقل و زرع الأعضاء بين الأحياء و نقل الأعضاء من الموتى و نجد القانون الأردني الخاص بنقل الأعضاء البشرية و الذي يسمى قانون الانتفاع بأعضاء جسم الإنسان رقم 23 المؤرخ ب 24/04/1977 و القانون المعدل له رقم 18 بتاريخ 20/07/1980       لا يخضع نصوصه للتبويب الثنائي المتمثل في تخصيص باب للحديث عن النقل بين الأحياء و باب للحديث عن المانحين الأموات و إنما يتحدث عنهما بشكل مطرد دون تقسيم.
من خلال متابعة الشعوب المختلفة’ يلاحظ أنها خصت موتاها بكثير من القداسة   - لكن نظرة التقديس هذه خضعت لبعض التحول بعد أن ثبت مطلقا استحالة تقدم العلوم البيوطبية دون استثمار الجثث’ و هذا دليل على أن المبادئ التقليدية عن قداسة الإنسان حيا  وميتا اضطرت للإنحناء أمام إلحاح الأبحاث العلمية و أمام ضرورات العلاج و غيره.

المطلب الثاني : موقف الشريعة الإسلامية
فقرة 1 : القرائن المانعة لزرع الأعضاء
إذا قمنا بالتأمل في شريعتنا قد تكون أقرب إلى نفي إجازة زرع و نقل الأعضاء البشرية و  ذلك بناء على العديد من القرائن التي تسير في اتجاه هذا المنع.
يستنبط هذا المنحى من خلال قراءة أفقية لشريعتنا’ و يتجلى ذلك في أن الله سبحانه و تعالى قد سخر هذا الكون بما فيه لبني آدم "و سخر لكم ما في السموات و ما في الأرض  جميعا"[7] و لعل الآية من سورة البقرة تفسر ذلك بشكل أكثر تفصيلا "إن في خلق السموات        و الأرض و اختلاف الليل و النهار و الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس و ما انزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها و بث فيها من كل دابة و تصريف الرياح و السحاب المسخر بين السماء و الأرض لآيات لقوم يعقلون"[8]
و أذا كان جسد الإنسان كآلة معقدة هبة من هبات الله و آياته لقوله تعالى :  " و في خلقكم و ما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون" [9] لذلك لا يمكن للإنسان التصرف في هذه الآلة بالتبرع أو التنازل عن بعض الأعضاء لفائدة الآخرين لأن الله صور الإنسان في أحسن الصور’ "و صوركم فأحسن صوركم"[10] و كل تبرع قد يشكل تشويها لهذه الصورة     التي أحسن الله خلقها و إذا كانت الآية الكريمة تشير أنه يوم الحشر كما تخبرنا الآية  " و يوم يحشر أعداد الله إلى النار فهم يوزعون"[11] ستكون أعضاء الإنسان شاهدا على أفعاله "حتى إذا جاءوها شهد عليهم سمعهم و أبصارهم و جلودهم بما كانوا يعملون"[12]
فإننا نفهم من خلال هذا الاتجاه الذي أشار إليه الدكتور عبد الحميد سحبان أن هذه الآلة العجيبة التي هي هبة من الله لا يمكن للإنسان التصرف فيها بمحض إرادته فأجزاؤها محسوبة عليه لأنها مطلوبة هي الأخرى يوم القيامة لتكون شاهدا على أصحابها. فالتصرف إذا في هذه الأعضاء سيكون جحودا بآية من آيات الله " وما يجحد بآياتنا الا الكافرون"[13]     يتضح من خلال هذا التعليل أن الإنسان لا يملك حق التصرف في جسده داخل ما يسمى بنقل الأعضاء بناءا على هذه القرائن العامة.
فقرة 2  :جواز الانتفاع بالأعضاء البشرية
النظير الشرعي للمسألة’ يتجلى في آية قرآنية من سورة البقرة و التي تتحدث عن فكرة الضرورة أو الرخصة المخولة للعمل بالمحرم " إنما حرم عليكم الميتة و الدم و لحم الخنزير و ما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ و لا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم" [14] و في الآية التالية " و قد فضل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه"[15] فالشخص  في هذه الحالة مضطر فوجب أن يترخص و الحجة في ذلك أن الضرورة ترفع التحريم فيعود مباحا.

فتاوى الفقهاء المحدثين
و فيما يتعلق بحكم التشريح فهو مورس في عهود الإسلام الأولى فقد تبث أن   الأطباء المسلمين القدامى مارسوا التشريح بتوسع’ فابن النفيس اكتشف الدورة الدموية الصغرى و أبو بكر الرازي جمع أشتات علم التشريح ثم جاء بعده ابن سينا فوضع أسس علم التشريح و أصوله و ألف فيه كتبا من أشهرها كتابه "القانون" تعتبر تراثا علميا خالدا    و اشتهر عن ابن رشد قوله "أن من يقوم بالتشريح يتقرب من الله و أن من اشتغل به ازداد إيمانا"[16]
وقد أجازت الفتوى رقم 1069 الصادرة عن دار الإفتاء المصرية سلخ جلد الميت لعلاج حرق الأحياء و ألا يتعدى الأموات الذين ليس لهم أهل أما الأموات الذين لهم أهل فإن أخذ الطبقات السطحية من جلدهم يكون بيدهم و بإذنهم وحدهم - فاذا أذنوا جاز ذلك     وإلا فلا يجوز بدون إذنهم.
كما أجازت الفتوى رقم 1087 نقل عيون الموتى إلى الأحياء لما في ذلك من المصلحة و ذلك لأن أخذ عين الميت لترقيع قرنية عين المكفوف الحي فيه مصلحة ترجح مصلحة المحافظة على الميت و يجوز ذلك شرعا [17].

·       فتوى وزارة الأوقاف المغربية الصادرة في سنة 1975:
مع أن وزارة الصحة كانت ترمي لأخذ رأي العلماء عن الاستئصال العلاجي من الجثث’ تحدثت الفتوى عن التشريح إذ في 30 غشت 1978 وجهت مصلحة التشريح و الشكايات مراسلة تحمل رقم 352 إلى وزير الصحة’ يرفع إليها بمقتضاها نتائج استفتاء كان القسم وجهه إلى وزارة الأوقاف التي أحالته بدورها إلى المجالس العلمية بكل من طنجة ’ فاس’ مراكش.
و سوف نعرض رأي المجلس العلمي بطنجة : مما جاء في فتواه :
"علم التشريح من العلوم الواجب تحميلها و معرفتها من المسلمين’ و هي قاعدة محكمة في كل ما كان من هذا القبيل’ و لو لم يكن علم التشريح مطلوبا لما اشتغل     به حكماء الإسلام و أطباؤه في مختلف العصور ( الشيخ ابن سيناء و الرازي)        و إذا أثبت أن التشريع للتعليم’ و هو غرض شرعي جائر فينبغي أن يحتاط في ذلك غاية الاحتياط’ بحيث يقتصر فيه على القدر الذي تحصل به الفائدة و لا يتجاوز    إلى العبث بجثة الميت’ و إن أمكن مع تعدد الجثث إجراء التشريح في كل واحدة منها على عضو دون آخر’ بحيث لا تتلف الجثة بذلك كان  أولى" .
فالمرجع بالنسبة للدول الإسلامية هو القرار الصادر عن المجمع الفقهي الإسلامي’ في الدورة الثامنة سنة 1985 ’و التي قامت فوق مهمة الإفتاء’ بمجهود محمود لتوحيد نظرة فقهاء الإسلام’ وورد في الفتوى ما يلي :

"ثانيا : تعتبر جائزة شرعا بطريق الأولوية الحالات التالية:
2- أخذ العضو من إنسان ميت لإنقاذ إنسان آخر مضطر إليه’ بشرط أن يكون المأخوذ منه مكلفا’ و قد أذن بذلك حال حياته..."
المبحث الثاني : الاستئصال من الجثث بحسب القانون المغربي
صدرفي الجريدة الرسمية رقم 4726 الصادرة يوم الخميس 16 شتنبر1999 القانون                     رقم 16-98 المتعلق بالتبرع بالأعضاء و الأنسجة البشرية و أخذها وزرعها’  و يحمي المتبرعين القاصرين و يسمح لهم بالتبرع في حالات خاصة لحماية نموهم و سلامتهم       و تزامنا مع إصدار هذا القانون أطلق المغرب حملة وطنية من أجل تشجيع المواطنين      على التبرع بأعضائهم و أنسجتهم البشرية و ذلك في ظل ضعف أعداد المتبرعين و التزايد المستمر في احتياجات المرضى لإنقاذ حياتهم .
المطلب الأول : مدى احترام القانون 98.16 لكرامة و إرادة المواطن
لا شك أن المستقرئ للمادة 4 من القانون 16-98 المتعلق بالتبرع بالأعضاء         و الأنسجة البشرية و أخذها وزرعها سيفهم بوضوح لا مجال معه للشك بأن المشرع المغربي يحترم إرادة المواطن المتبرع بأعضائه’ فلا يجوز له التبرع إلا بموافقته الصريحة و الواضحة’ كما يعطيه فرصة إلغاء هذه الموافقة متى أراد ذلك’ و هذا الأمر أكدته       المادة 13 من نفس القانون (16-98) بحيث "يمكن لكل راشد يتمتع بأهليته’ ان يعبروهوعلى قيد الحياة ووفق الاشكال والشروط المنصوص عليها في هذا الفصل الثاني عن ارادته ترخيص او منع اخذ اعضائه او اعضاء معينة منه بعد مماته" لكن ما يثير الاستغراب هو مضامين المادة 15 من نفس القانون السابق و التي تنص على ما يلي:        " الأخذ بواسطة تصريح يتلقاه رئيس المحكمة المختصة التابع لها محل إقامته أو القاضي المعين لهذا الغرض..."’ و بمفهوم المخالفة سنفهم بأن كل مواطن لم يعترض في حياته    على التبرع بأعضائه فسيكون مصير جسده التبرع عملا بقاعدة "السكوت علامة الرضى"’ و بالتالي يبدو أن هذه المادة القانونية تؤكد بأن الأصل هو أن جميع المواطنين الهالكين ستتبرع الدولة بأجسادهم’ و أن كل شخص هو على قيد الحياة يرفض التبرع بأعضائه       عند موته ينبغي عليه أن يسارع في حياته من أجل استصدار كل الوثائق اللازمة’             و هذا الأمر في غاية الخطورة’ و لا ينم عن احترام إرادة الإنسان بمعنى و أنه و من خلال الثغرات الموجودة في المادة 15 السالفة الذكر’ يمكن للدولة التبرع بأعضاء المواطن الهالك بحجة أن المتوفى لم يكن يقظا في حياته’ و لم يكن محتاطا بما فيه الكفاية’ و نسي           أن يستصدر الوثائق الرسمية اللازمة التي تؤكد رفضه المطلق للتبرع بأعضائه عند وفاته[18]
هذا و يواصل القانون 16-98 المتعلق بالتبرع بالأعضاء و الأنسجة البشرية و أخذها و زرعها في مادته 16 عدم احترامه لإرادة المواطن و تأكيده على أن إرادة هذا الأخير لا يعتد بها فهي مجرد أمر شكلي يبقى حبرا على ورق و مسطرا في النصوص القانونية فقط’ و مما ورد في هذه المادة ما يلي " يمكن إجراء عمليات أخذ الأعضاء لأغراض علاجية أو علمية من أشخاص متوفين لم يعبروا و هم على قيد الحياة عن رفضهم الخضوع لعمليات من هذا النوع’ في مستشفيات عمومية معتمدة تحدد قائمتها من طرف وزير الصحة إلا في حالة اعتراض الزوج و إلا فالأصول و إلا فالفروع" :         بمعنى أن هذا يعتبر تأكيدا من لم يصرح خلال حياته بموافقته التبرع بأعضائه فسيتم التبرع بها رغما عن أنفه خصوصا إذا كان مقطوعا من شجرة .
و مما يثير الأسف أيضا ما ورد في المادة 18 من نفس القانون السالف الذكر و التي تؤكد بأن المواطن المريض بمجرد دخوله إلى المستشفى فإن إرادته ستساومه على جسده        هل يريد التبرع به  ام لا؟ و تحاول جاهدة انتزاع تصريح منه,  بذلك مما يطرح معه إشكال صحة التصريح الصادر من المريض مرض الموت هل يعتد به أم لا بالنظر إلى الحالة الصحية المتدهورة للمريض و التي لا شك أنها ستؤثر على قدراته العقلية ’ هذا من جهة و من جهة ثانية ألا يعد الطبيب مسؤولا عن التدهور النفسي و الصحي للمريض من جراء تحسسيه بأنه سيفارق الحياة و سيتبرع بأعضائه’ فلا شك أن هذا الأمر الجلل سينزل عليه كالصاعقة’ فلا أحد في هذا الكون يحب الموت’ و تواصل المادة 19      من نفس القانون السابق بذل الجهد الجهيد من أجل انتزاع تصريح بالتبرع بالأعضاء من المواطن الهالك المنتظر أو أسرته’ و تطالب المادة المذكورة الطبيب بأن : " ... يبذل جهده للحصول عليها ..." و من هنا نتساءل هل الطبيب مطالب يبذل الجهد الجهيد لإنقاذ المريض و العناية به إلى آخر رمق في حياته؟؟؟ أم أنه مطالب بانتزاع تصريح منه للموافقة على التبرع بأعضائه!!!.[19]
و المعلوم شرعا أن موت الإنسان دماغيا لا يعتبر موتا و أن الموت الحقيقي يمكن في خروج الروح من الجسد’ و بالتالي فإن المادتين 21 و 22 من القانون 16-98 تبيحان أخذ أعضاء الإنسان بعد موته دماغيا و هذا يعتبر جريمة قتل للنفس بغير حق عند العديد من علماء القرويين و شيوخ المالكية الأفذاذ .
و بالرجوع إلى الباب الرابع من القانون 16-98 و بالضبط المواد 27/28/29       نجد عنوان مستفزا و هو: " استيراد الأعضاء البشرية و تصديرها" و بغض النظر         عن زاوية فهم و تفسير هذا العنوان’ لا بد أن التصدير موجود و الثغرة القانونية إذن موجودة’ و المنطق يقضي أنه لا يعقل أن نقوم بتصدير الأعضاء البشرية إلا إذا حققنا الاكتفاء الذاتي منها و الذي ينفع المواطنين و مادامت عمليات زرع الأعضاء في المغرب لا زالت في بدايتها فإن التصدير إذن سيكون أولى من الاستيراد’ فما الفائدة من الإبقاء     على ثروة من الأعضاء البشرية بأرض الوطن و نحن لا نملك الظروف و الوسائل العلمية المتطورة التي تمكننا من زرعها ؟؟؟
فإذا نجحت  عمليات محدودة للزرع بالمغرب فلاشك أن هناك العديد من الأعضاء الدقيقة التي يستحيل زرعها في المغرب  و التي يكلف زرعها أموالا خيالية.
المطلب الثاني : شروط الأخذ من الجثث بحسب التشريع المغربي
·       شروط الاستئصال من الجثث في إطار ظهير 1952
يشترط الظهير عموما توفر المؤسسة على رخصة بإجراء الاستئصال صادرة       عن مدير الصحة يكون الهدف منه غرض علاجي أو علمي و يرجع تقدير هذه الفائدة العلمية أو العلاجية إلى الطبيب رئيس المصلحة المعنية’ و يجب أيضا        أن تصدر شهادة بحصول الوفاة و ذلك خلافا للمرسوم الفرنسي لسنة 1947       الذي كان يشترط انتظار مرور أربع و عشرين ساعة بعد التأكد من حصول الوفاة فعلا’ و تصدر هذه الشهادة المثبتة للوفاة عن طبيين من المؤسسة نفسها التي تمارس الاستئصال أو المصل[20] .
·       مـجـانـيـة التـبـرع:
المشرع المغربي رغم ورود شرط المجانية ضمن المقتضيات العامة’ أصر على التذكير به عندما يتعلق الأمر بالأخذ من الجثث’ إذ بعد أن حددت المادة 14 الجهة      (المحكمة الابتدائية) المخولة صلاحية تلقي التبرعات’ أردفت أنه لا يسوغ تلقي التصريحات إلا " بعدما تتكون لدى القاضي القناعة بأن المتبرع المحتمل يتصرف بإرادة حرة و عن إدراك لما سيقدم عليه’ و خاصة بعدما يتأكد بأن  التبرع عن طريق الوصية مجاني و سيتم لفائدة مؤسسة مرخص لها بتلقي التبرعات بالأعضاء دون غيرها".
·       إذن المعطي قبل وفاته :
إن التعبير عن الإرادة بالترخيص أو المنع لأخذ الأعضاء من الواهب بعد مماته شرط ضروري لإجازة عملية الأخذ من الميت’ إذ يجوز لكل شخص راشد يتمتع بكامل أهليته أن يعبر و هو على قيد الحياة ووفق الأشكال و الشروط المنصوص عليها في الفصل الثاني من الباب الثاني من ظهير 25 غشت 1999عن إرادته بترخيص أو منع أخذ أعضائه أو أعضاء معينة منه بعد مماته.
·       إذن الآسرة بالتصرف في جثة المتوفى
إن حق التصرف في الجثة ينتقل إلى أقارب المتوفى إذا لم يوصي المتبرع قيل وفاته بكيفية التصرف بالجثة.
            فقد ألزمت المادة 18 على الطبيب المدير أو الطبيب المعين خصيصا لهذا الغرض أن يتلقى تصريح الشخص المعالج داخل المستشفى برفض أخذ أعضائه أو بعضا منها        و يسجل ذلك في سجل خاص معد لذلك و يجب أن يبلع هذا التصريح إلى الأطباء المسؤولين عن عمليات أخذ الأعضاء في المؤسسة الاستشفائية و ذلك تحت طائلة جزاءات عقابية’ أما إذا لم يتمكن الشخص من التعبير عن ذلك الرفض وفقا لأحكام المادة 18        فإنه يجب أن يشار كذلك في السجل المذكور إلى كل العناصر التي يفترض من خلالها        أن الشخص المذكور قد يرفض أخذ أعضائه  بعد مماته و بصفة خاصة تصريحات أسرته التي يجب على الطبيب أن يبذل جهده للحصول عليها كما جاء في المادة 19 .
·       كون المستشفى المعتمد مؤسسة عمومية
نصت المادة 6 " لا يجوز... إجراء عمليات لأخذ الأعضاء البشرية سوى             في المستشفيات العمومية المعتمدة " و أكدت نفس الشرط كل من المادة 12          "... إلا في مستشفى معتمد" و المادة 16 : " يمكن إجراء عمليات أخذ الأعضاء ... في مستشفيات عمومية معتمدة..." و مواد أخرى
لهذا الاعتبار يستبعد القطاع الخاص تماما في عمليات الاستئصال’ بل يستبعد حتى بالنسبة لزرع الأعضاء و أيضا الأنسجة والخلايا غير المتجددة’ بحيث لا يسمح للمصحات الخاصة المعتمدة بممارسة الزرع إلا عندما يتعلق الأمر بقرنيات العيون و الأعضاء القابلة للخلفة بشكل طبيعي و الأنسجة البشرية ( المادة 25 فقرة1)
·       توفير المؤسسة على ترخيص بإجراء الاستئصال
لا يجب أن يفهم أنه كلما كانت المؤسسة عمومية إلا و حازت امتياز ممارسة الاغتراس بل من الطبيعي جدا ألا تمنح لجميع المراكز الصحية أو الاستشفائية العمومية’ و إنما لبعضها فقط, بحسب توفرها على ما يقتضيه الاغتراس من تقنيات و إمكانيات و كفاءات و تجهيزات تسمح فعلا بالاستفادة طبيا أو علميا من الأجزاء المستأصلة بناء على ذلك فالمستشفيات المعتمدة تحددها لائحة تصدر عن وزير الصحة و هي مبدئيا المراكز الاستشفائية الجامعية إلى جانب المشافي الحائزة على الشروط المطلوبة[21] .
·       وجود فائدة علمية أو علاجية ترجى من الاستئصال
حرص القانون الحالي على التذكير على ما أكد عليه ظهير 1952 على ضرورة تفادي العبث و التمثيل بالجثث’ فالمادة 16 تؤكد أنه : يمكن إجراء عمليات أخذ الأعضاء لأغراض علاجية أو علمية من أشخاص... في مستشفيات عمومية معتمدة تحدد قائمتها من طرف وزير الصحة"
كما أن ظهير 16/98 على شاكلة ظهير 1952 لم يحدد معايير الفائدة العلمية العلاجية هذه’ و لا وضع شكليات لإثباتها بحيث يكفي أن يقدر الطبيب المختص       أن هناك فائدة ما ترجى من الاستقطاع أو المصل’ لكي يصبح مباحا دون أن يلزم بتسمية الفائدة و لا المصلحة’ و لا الوجهة التي سيأخذها الجزء المستأصل’           و دون ضرورة توثيق ذلك في أي محرر كان أو إثبات الفائدة العلمية  ... هذا في حين كانت النصوص الصادرة قبله بفرنسا تفرض أن تسمى صراحة و بدقة’     الفائدة المرجوة و أن يرسل بذلك طلب مسبب إلى عمدة المدينة’ و أن يرخص العمدة كتابة’ بعدما تحصل له القناعة بضرورة أو نفعية الاستئصال أو المصل’ و بعدما يتأكد من أن الوفاة حلت فعلا’ استنادا للشهادة المرفقة بالملف...[22].

خـــاتـمـة
أصبحت زراعة الأعضاء الآن أكثر فعالية’ و الحاجة للأعضاء قد تجاوزت الأعداد المتاحة منها’ و يتوفى كثير من المرضى الذين هم في حاجة ماسة لزراعة الأعضاء بسبب ندرة الأعضاء و عدم توافرها.
 و قد زادت الاستعانة بالمتبرعين الأحياء و الأموات في إجراءات زراعة الأعضاء في الولايات المتحدة الأمريكية بنسبة وصلت إلى 60%  بين عامي    1990 م و 2000 م [23]
أما عربيا فرغم تقدم البلاد في مجال زراعة الأعضاء فإن إنجازاتها في هذا الميدان لا تلبي حاجيات المرضى المتزايدة’ كما أن المواطنون في المغرب مازالوا يبدون بعض التخوفات و التحفظات بشأن التبرع بأعضائهم’ و في هذا الإطار شجع العديد من المسؤولين و العلماء المغاربة المواطنين على التبرع بأعضائهم باعتباره أحد أشكال التضامن و التكافل الاجتماعي’ و أبرزوا أهمية مبادرة التبرع بالأعضاء لإنقاذ حياة آلاف المرضى و اعتبر بعضهم أن مسالة التبرع بالأعضاء لإنقاذ حياة آلاف المرضى. و اعتبر بعضهم أن مسألة التبرع بالأعضاء أضحت في المغرب قانونا منظما تجاوز مرحلة المساءلة الشرعية بشأن جوازها من عدمه’ بل هناك من اعتبرها نوعا من أنواع الجهاد.  



المـصـادر و الـمراجع
-        الدكتورة رجاء ناجي – مكاوي’ رئيسة وحدة قانون الصحة أستاذة القانون الخاص كلية الحقوق جامعة محمد الخامس.
نقل وزرع الأعضاء أو الاستخدام الطبي لأعضاء الإنسان و جثته مقارنة بين القانون المغربي و المقارن والشريعة الإسلامية الطبعة الأولى 2002 .
-        الأستاذ نور الدين الشرقاوي الغزواني’ قانون زرع الأعضاء البشرية’       دراسة قانونية 2000
-        الدكتور صلاح الدين دكداك مدير مجلة الفقه و القانون’ قراءة  مواطنة للقانون رقم 16-98 المتعلق بالتبرع بالأعضاء و الأنسجة البشرية و أخذها و زرعها’ الملف مجلة قانونية تصدر كل ستة أشهر العدد 23 نونبر 2015 .
-        الدكتور عبد الحميد سحبان’ زرع الأعضاء البشرية بين التطور الطبي            و الشريعة الإسلامية المعرفة للجميع سلسلة شهرية العدد 8
-        الدكتور شعبان خلف الله’ زراعة الأعضاء بين الواقع و المأمول مجموعتنا العلمية الطبية 18 دار الكتاب العلمية 2011
-        ظهير شريف رقم 1.99.208 صادر في 13 من جمادى الأولى 1420             ( 25 أغسطس 1999) بتنفيذ القانون رقم 16-98  المتعلق بالتبرع بالأعضاء     و الأنسجة البشرية  و أخذها و زرعها.


[1]  - الدكتور شعبان خلف الله زراعة الأعضاء بين الواقع و المأمول دار الكتب العلمية 2011
[2] - الأستاذ نور الدين الغزواني الشرقاوي. قانون زرع الأعضاء البشرية " دراسة قانونية مقارنة" 2000
[3]  - الأستاذ نورا لدين الشرقاوي الغزواني مرجع سابق.
[4]  - الدكتورة رجاء ناحي –مكاوي نقل و زرع الأعضاء أو الاستخدام الطبي لأعضاء الإنسان و جثثه مقاربة بين القانون المغربي و المقارن       و الشريعة الإسلامية الطبعة الأولى 2002 .
[5]  - مشروعية التصرف في جسم الآدمي دراسة فقهية مقارنة للدكتور سعيد سعد عبد السلام الأستاذ بكلية الحقوق بجامعة المنوفية صفحة 94 السنة 1996 نقلا عن الأستاذ نورالدين الشرقاوي العزواني مرجع  سابق
[6]  - القانون رقم 76-1181 بتاريخ 22 دجنبر لسنة 1976 و يطلق عليه قانون كايافيه caillavet  
[7]  - سورة الجاثية الآية 13
[8]  - سورة البقرة الآية 164
[9]  -  سورة الجاثية الآية 4
[10]  - سورة غافر الآية 64
[11]  - سورة فصلت الآية 19
[12]  - سورة فصلت الآية 19
[13]  - سورة العنكبوت الآية 17
[14]  - سورة الأنعام الآية 165
[15]  - سورة البقرة الآية 173 ترددت لفظة الاضطرار و هي أساس قاعدة " الضرورة تبيح المحضورات"
[16]  - ابن أبي أصيبعة طبقات الأطباء ج 3 ص 125 ابن رشد البداية و النهاية نقلا عن الدكتور رجاء الناجي مكاوي مرجع سابق ص 87 
[17]  -الفتاوي الإسلامية من دار الإفتاء المصرية المجلد السابع صفحتان 2505 و 2552 و كان المفتي فضيلة الشيخ محمد خاظر و فضيلة الشيخ حسن مامون.
[18]  - الدكتور صلاح الدين دكداك مدير مجلة الفقه و القانون www.mayalah.new.ma مجلة الملف العدد 23 نونبر 2015 قراءة مواطنة للقانون رقم 16-98 المتعلق بالتبرع بالأعضاء و الأنسجة البشرية و أخذها و زرعها.
[19]  - الدكتور صلاح الدين دكداك مرجع سابق
[20]  - الأستاذ نور الدين الشرقاوي العزواني – مرجع سابق
[21]  - الدكتورة رجاء ناجي مكاوي نفس المرجع السابق
[22]  - الدكتورة رجاء ناجي –مكاوي نقل و زرع الأعضاء مرجع سابق
[23]  - الدكتور شعبان خلف الله - مرجع سابق 
اقرأ المزيد
يتم التشغيل بواسطة Blogger.

المساهمات

المساهمات

اشترك في القائمة البريدية

contentieux des affaires ( ISSN ) 2508-9293 © 2014-2016