تابعونا على الفيسبوك

Disqus

إشكالية تقاطع المادة 8 مكررة من مشروع القانون المالي بين نص القانون و الاجتهاد القضائي

إشكالية تقاطع المادة 8 مكررة من مشروع القانون المالي بين نص القانون و الاجتهاد القضائي







الأستاذ : محمد الزكراوي
ذ: باحث في العلوم القانونية و الإدارية


مقدمة : 
ان ضرورة تنفيذ الأحكام الإدارية الحائزة لقوة الشيء المقضي به احتراما لمبدأ المشروعية وسيادة القانون. و الأساس القانوني في احترام التنفيذ يقوم بتحقيق التوازن بين مصلحة الإدارة في الحصول على حقها المشروع، وبين مصلحة المدين في ألا يؤخذ من أمواله، او يعتدي على حريته دون وجه حق، و من جهة ثانية مراعاة الاعتبارات الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية للمدين . وذلك عبر تبسيط إجراءات التنفيذ وتطوير أساليبه، بما يؤمن القضاء على ظاهرة تعطيل وتأخير تنفيذ الأحكام والمحررات التنفيذية، وتطوير الأعمال المالية والإدارية فيها، وفق احدث الأساليب لتقديم أفضل الخدمات للمواطنين ، لذلك فان حماية وضمان تنفيذ الأحكام و القرارات القضائية تحضى بالحماية الدستورية و القانونية على قدم المساواة بين أفرادها من جهة و بين مواطنيها في مواجهة شطط الإدارات من جهة أخرى،
ولما كانت مسطرة تعديل مشروع القانون المالي "المادة 8 مكررة" الذي صودق عليه الجمعة الأخير بمجلس النواب، والتي تنص على أنه:
 (يتعين على الدائنين الحاملين لسندات أو أحكام قضائية تنفيذية نهائية ضد الدولة أو الجماعات الترابية ألا يطالبوا بالأداء إلّا أمام مصالح الآمر بالصرف للإدارة العمومية أو الجماعات الترابية المعنية. و انه في حالة صدور قرار قضائي نهائي اكتسب قوة الشيء المقضي به، يدين الدولة أو الجماعات الترابية بأداء مبلغ معين، يتعين الأمر بصرفه داخل أجل أقصاه 60 يوما ابتداء من تاريخ تبليغ القرار القضائي السالف ذكره في حدود الاعتمادات المالية المفتوحة بالميزانية. وتضيق انه يتعين على الآمرين بالصرف إدراج الاعتمادات اللازمة لتنفيذ الأحكام القضائية في حدود الإمكانات المتاحة بميزانياتهم، وإذا أدرجت النفقة في اعتمادات تبين أنها غير كافية، يتم عندئذ تنفيذ الحكم القضائي عبر الأمر بصرف المبلغ المعين في حدود الاعتمادات المتوفرة بالميزانية، على أن يقوم الآمر بالصرف باتخاذ كل التدابير الضرورية لتوفير الاعتمادات اللازمة لأداء المبلغ المتبقي في ميزانيات السنوات اللاحقة. وتضيف كذلك بقولها
 (غير أنه لا يمكن في أي حال من الأحوال أن تخضع أموال وممتلكات الدولة والجماعات الترابية للحجز لهذه الغاية).
فإننا و من وجهة نظرنا في الموضوع ، نرى أن مقتضيات المادة 8 من المشروع المعلن عنه قد زاغت عن مضامين و توجهات أحكام و قواعد الدستور فيما يبتغيه من إحقاق العدل و المساواة في ولوج دهاليز القضاء وإحقاق الإنصاف بين الأفراد و الإدارات العمومية ، وهي كذلك مخالفة صريحة للتوجهات الملكية الشريفة التي تقضي بتمكين المواطنين من استيفاء حقوقهم من تظلمات الإدارة في مواجهتهم
فما هو موقف القانون و القضاء الإداري من هذه الإشكالية ، ؟

المبحث الأول : تقاطع المادة 8 مع أحكام المادة 126 من الدستور
يهدف القانون، إلى صيانة حقوق الدولة والمواطنين وتيسير إجراءات التنفيذ وتربية المواطنين بروح التنفيذ ألرضائي للأحكام والمحررات التنفيذية واحترام سيادة القانون، لضمان استقرار المعاملات القانونية بينهم، وتحقيق أهداف التنمية الشاملة
و تنص كافة القوانين العربية على تجريم فعل الامتناع العمدي عن تنفيذ أحكام القضاء كما يمكن تفعيل آليات المسؤولية المدنيه في هذا الصدد، فضلاً عن المسؤولية
 الإدارية. فالمفترض أنّ الدولة تعتبر خصمًا شريفًا، ويتوجّب عليها أن تدفع حقوق دائنيها وتقوم بجميع واجباتها من دون تهرب أو تأخير أو تقصير. فأحكام القضاء و المحاكم الإدارية ملزمة للإدارة، وعلى السلطات الإدارية أن تتقيّد بالحالات القانونية كما وصفتها هذه الأحكام. ويجب تنفيذ هذه الأحكام في مهلة معقولة. وحيث إن الأحكام القضائية التي تتمتع بالقوة التنفيذية، تعتبر ملزمة للسلطة الإدارية، فعلى هذه السلطة احترام الأحكام القضائية بصورة دائمة، وتنفيذ الأمر المقضي به وفق منطوق تلك الأحكام، وإلّا اختل ميزان العدالة وفسدت مقاديره وتلاشت القيم القانونية، وأصبح مبدأ الشرعية بلا قيمة .بل إن جرم الامتناع عن تنفيذ الأحكام و القرارات القضائية يكون أعظم إذا صدر عمن عظمت الأمانة التي عُهد بها إليه.
 فمن البديهي أنه ليس لأحد في جهاز الدولة مهما علا شأنه تسفيه أحكام القضاء لتبرير امتناعه عن تنفيذها وتمرده عليها بل إن الواجب يقضي الالتزام بتنفيذها احتراماً للشرعية الدستورية والقانون، وعملاً بالصيغة التنفيذية التي تذيل بها تلك الأحكام، ولذلك تعتبر المخالفة القانونية في هذه المسألة جسمية ومارقة لما تنطوي عليه من خروج سافر على الدستور والقوانين. تستوجب المعاقبة و المساءلة القانونية عن فعل الامتناع ،بل الأكثر من ذالك أن المساءلة القانونية لا تقف عند حد معاقبة الموظف المرتكب جريمة الامتناع عن تنفيذ أحكام القضاء بل يستطيع المحكوم له أن يقيم دعوى تعويض ضد شخص أي موظف ساهم في الامتناع الإجرائي عن تنفيذ الحكم. فكل خطأ سبب ضرراً للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض، لأن امتناع الموظف عن تنفيذ حكم بات واجب النفاذ يعد خطأ جسيماً من ناحية كما أنه تترتب على هذا الخطأ أضرار جسيمة تصيب المحكوم له مصدرها عدم حصوله على الحق المحكوم به، والسبب المباشر لهذا الضرر هو مسلك الموظف الممتنع الخاطئ بالامتناع عن تنفيذ الحكم .
وبالرجوع إلى مضمون النص الدستوري وخاصة الفصل 126، والذي ينص على أن الأحكام النهائية الصادرة عن القضاء ملزمة للجميع، نجد أن هذا الالتزام الصريح والواضح الذي نص عليه الفصل 126 من الدستور، خرقته الأغلبية ووافقت عليه الحكومة بتعديلها لنص القانون المالي، حين أضافت "المادة 8 مكررة" و هو الذي جعل من مضمونها يتنافى ة و توجهات الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح البرلمان في دورة أكتوبر 2016، بقوله
 (المواطن يشتكي بكثرة، من طول وتعقيد المساطر القضائية، ومن عدم تنفيذ الأحكام، وخاصة في مواجهة الإدارة، فمن غير المفهوم أن تسلب الإدارة للمواطن حقوقه، وهي التي يجب أن تصونها وتدافع عنها، وكيف لمسؤول أن يعرقل حصوله عليها وقد صدر بشأنها حكم قضائي نهائي؟)
ان  المتابعة المنتظمة لتطور القضايا المرفوعة ضد إدارات الدولة و الجماعات الترابية و لمدى تنفيذ مقتضيات الدوريات و المناشير الصادرة بهذا الشأن، أظهرت أن مسالة تقيد الإدارات العمومية بتنفيذ الأحكام القضائية ، لا يزال لم يحظ بالعناية و الاهتمام الكافي من لدن إدارات الدولة ووحداتها الترابية ، ذلك انه تبين من خلال دراسة جداول القضايا التي عرفتها الجماعات المحلية كمدعى عليها خلال الفترة الانتدابية السالفة، أن عدد المنازعات القضائية و الأحكام الصادرة ضدها وحالات عدم تنفيذ هذه الأحكام قد تصاعد بشكل كبير نتيجة لعدد من الثغرات والإختلالات القانونية و المسطرية التي شابت عملها أثناء تدبيرها لهذا القطاع فضلا عن تسجيل تهاون وعدم اهتمام من جانبها طيلة مدة سريان الدعوى أمام القضاء.
 ففيما يتعلق بالتزايد المستمر لعد المنازعات القضائية ضد الجماعات الترابية، فقد تبين أن تصاعد عدد القضايا المرفوعة أمام المحاكم ، يرجع بالأساس إلى عدة عوامل ذاتية وموضوعية سبق و أن تم معالجتها في عدد من الدوريات و المناشير السابقة. وتتمثل هذه العوامل على الخصوص فيما يلي:
 - عدم إعداد دراسة مادية وقانونية للوقائع والظروف المحيطة بالعمل الذي أقدمت عليه الجماعة وكذا عدم تقدير الأسباب التي تم الاستناد إليها
 - عدم احترام النصوص القانونية والتنظيمية المعمول بها في كل موضوع تطلب تدخل أو عمل الإدارة مثل الإقدام على احتلال ملك الغير دون إتباع مسطرة نزع الملكية من أجل المنفعة العامة
الامتناع لأسباب وحجج واهية ، عن التعويض عن نزع الملكية من أجل المنفعة العامة
الامتناع عن أداء الديون المترتبة في ذمة الجماعة والناتجة عن عقود التوريد والأشغال و الخدمات
 -الاعتداء على ملك الغير من أجل القيام بمشروعات جماعية دون اتباع مسطرة نزع الملكية و بدون تعويض؛
 - التدخلات المادية للإدارة التي تؤدي إلى إحداث أضرار مادية للغير نتيجة عدم اتخاذ الإجراءات الإحترازية .
 -عدم الالتزام بالوفاء بالديون المترتبة في ذمة الجماعة نتيجة تعاملها مع الخواص داخل الآجال القانونية .
إن ما يثير الانتباه هو أن معظم الجماعات الترابية و إدارات الدولة المحكوم عليها لا تولي أهمية خاصة لتنفيذ الأحكام، متدرعة بعدة مبررات لا سند لها في أغلب الأحيان ، وهذا ما يشكل احتقارا للأحكام القضائية وخرقا لمبدأ قدسية القضاء ودولة الحق والقانون . وقد تفاقمت هذه الإشكالية إلى حد أن أصبحت مثار عدة تساؤلات و شكايات ترد على الوزارات ،
فرغم صدور مجموعة من المناشير والدوريات التي صدرت في هذا الشأن  والتي يظهر أنها لم تأخذ القسط الأوفر من الاهتمام من لدن المجالس الجماعية. نورد ذكر بعضها على سبيل الاستئناس لا الحصر :
الدورية رقم 55 م م م بتاريخ 23 أبريل 1996 حول تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة في مواجهة الجماعات المحلية .
منشور عدد 121 ق م م/ 3 بتاريخ 1/10/1998 حول تنفيذ الأحكام والقرارات النهائية .
منشور 120 ق م م/ 3 بتاريخ 9 غشت 2000 حول ضرورة تنفيذ الأحكام والقرارات القضائية .
ويعود امتناع الجماعات الترابية و إدارات الدولة عن التنفيذ بالأساس إلى اعتقادها بعدم وجود وسائل جبرية تلزمها بالإمتثال إلى الأحكام القضائية الصادرة ضدها من جهة وإلى استنادها إلى مبدأ عدم جواز الحجز على الأموال العمومية من جهة أخرى .
 غير أن هذا الاعتقاد ينطوي على كثير من الخطورة، فالمحاكم المغربية دأبت على إصدار أوامر بالحجز على أموال الجماعة كلما امتنعت عن تنفيذ أحكام بأداء دين لفائدة الغير بدون مبرر قانوني، واعتبرت أن الأمر بالحجز هو وسيلة لضمان استيفاء الدين المطلوب أداؤه . و إذا كان المتفق عليه فقها و قضاء أنه لا يمكن حجز الأموال العمومية إلا في حالة التخصيص، فإن هذا المبدأ يتم استبعاده في حالة الامتناع دون مبرر قانوني عن تنفيذ حكم قضائي نهائي حائز على قوة الشيئ المقضي به.
وتجدر الإشارة في هذا الباب أنه سبق لوزارة الداخلية بواسطة دوريتي عدد 162 م ج م/ ق م م/  3 بتاريخ 22 مايو 1991 المتعلقة بضبط المنازعات القضائية للجماعات المحلية بأن طالبت حث رؤساء المجالس الجماعية التابعة لدائرة نقودها للقيام بإحداث أقسام ا قانونية من أجل دعم و مساعدة المجلس الجماعي في القضايا ذات الطابع القانوني مما يبعد المجلس الجماعي الوقوع في أخطاء قانونية ومسطرية ينتج عنها صدور أحكام قضائية تكلفه أعباء مالية هو في غنى عنها .
فمشروع القانون المالي و بموجب أحكام المادة 8 منه ، سيجعل من تطبيقها مخالفا لمقتضيات الدستور و أحكامه وضربا لقاعدة تدرج القوانين بل يمكن القول تدخلا سافرا في شؤون العدالة و القضاء
المبحث الثاني : تقاطع مقتضيات المادة 8 من المشروع مع أحكام الاجتهاد القضائي
يقول الأستاذ الدكتور عبد الرزاق السنهوري في هذا المعنى : " أن من كان مظلوماً وكان خصمه قوياً كالإدارة، فلابد من ملاذ يلوذ به ويتقدم إليه بشكواه ولا شيء أكرم للإدارة وأحفظ لمكانتها من أن تنزل مع خصمها إلى ساحة القضاء تنصفه أو تنتصف منه وذلك أدنى إلى الحق والعدل وأبقى للهيبة والاحترام " .
إن إشكالية المادة 88 مكررة من المشروع السالف الذكر ، لا تتجاوز الأحكام و القواعد الدستورية فقط بل بل تعدى نطاق مقتضياته ما جبل عليه القضاء الإداري المغربي في الكثير من أحكامه
 فإذا كانت الإدارة تسهر على تنفيذ القوانين فالأولى لها احترام مقتضيات الأحكام الإدارية باعتبارها هي الأخرى مصادر للقاعدة القانونية الملزمة و المجردة و العامة ،ذلك انه اذا كان من المقرر انه لا يجوز عرقلة الأعمال الإدارية و بالتالي منع البث في كل ما يمكن أن يعيق أعمال الإدارة و الحول دون استمرارية خدماتها . فنشير أن من قصده المشرع من الفصل 25 من قانون المسطرة المدنية بعمل الإدارة الذي لا يجوز تعطيله من طرف المحاكم هو العمل المؤسس على جد ادني من المشروعية ( قرار المجلس الأعلى الغرفة الإدارية عدد 452 بتاريخ 1999/4/22 . )
 فالمستقر عليه فقها وقضاء إن وجود صعوبة للإدارة في تنفيذ الحكم الصادر في مواجهتها ، يشكل ظروفا خاصة بها ولا علاقة لطالب التنفيذ بها ، وبالتالي فإنه من واجب الإدارة سلوك الإجراءات اللازمة من أجل تنفيذ هذا الحكم، لا أن تعمل على خلق أعذار ومبررات لتعطل عملية التنفيذ مادام لا يوجد بالملف ما يفيد قيام الإدارة باتخاذ أي إجراء ايجابي يستشف منه عزمها على القيام بعملية التنفيذ، مما يجعل إثارتها للصعوبة في التنفيذ المبنية على ظروف تتعلق بها غير مبني على أساس وينم فقط عن وجود تماطل من جانبها لتنفيذ الحكم المستشكل في تنفيذه. وهكذا قامت المحكمة الإدارية بفاس بمناسبة تنفيذ حكم إلزامي ونهائي تحت عدد:1050 / 97 في مواجهة الجماعة الحضرية لزواغة لفائدة مليكة بنت الحاج ومن معها لاستيفاء حقوق مالية تم حجز مجموعة من السيارات بالملف التنفيذي عدد23/ 98 في مواجهة المجلس و تقرر تحديد تاريخ بيعها بالمزاد العلني غير أن المجلس المنفذ عليه وبسبب الحجز بادر على تنفيذ الحكم، تلقائيا تفاديا لبيع المحجوز ووفى بالتزاماته المالية موضوع السند التنفيذي.
و في إطار تنفيذ حكم أخر لفائدة عبد اللـه العلمي تحت عدد:642 ت/ 96 في مواجهة الجماعة الحضرية لزواغة تم إيقاع الحجز التنفيذي على مجموعة من سيارات المجلس المنفذ عليه بالملف التنفيذي عدد 30/98 وخلال مسطرة إجراءات بيع المحجوز قام المجلس البلدي بالوفاء بالتزاماته المالية موضوع السند التنفيذي.
ولم تكتفي المحاكم الإدارية بالحجز التنفيذي على الأموال المتواجدة بين يدي الإدارة الممتنعة، بل قامت بإيقاع الحجز على أموال الإدارة المتواجدة بين يدي الغير، أي أنها سلكت مسطرة الحجز لدى الغير.
وهكذا، وبعد أن امتنعت الوكالة الوطنية لمحاربة السكن غير اللائق، عن تنفيذ الحكم الصادر في مواجهتها، القاضي عليها بأداء تعويضات في إطار نزع الملكية لفائدة المنزوع ملكيتها، قام مأمور التنفيذ التابع للمحكمة الإدارية بالرباط بتحرير محضر الامتناع عن التنفيذ، ثم بعد ذلك قام بإيقاع حجز لدى الغير على أموال المطلوبة في التنفيذ، المودعة في حسابها لدى الخزينة العامة، وبعد إجراءات تبليغ محضر الحجز إلى الأطراف وإنجاز مسطرة مصادقة على الحجز، أصدر رئيس المحكمة الإدارية بصفته هاته أمرا بتاريخ 23/4/1997، تحت عدد 99 قضى فيه بالمصادقة على الحجز لدى الغير وأمر المحجوز بين يديه بإيداع الرصيد المتوفر لديها من حساب المحجوز عليها بكتابة الضبط حتى تقوم بتوزيعه عن طريق المحاصة على طالبي الحجز.
وقد دفعت المحجوز عليها بأنها تعتبر مؤسسة عمومية وأنه لا يجوز الحجز على أموالها، فكان جواب المحكمة على هذا الدفع بمثابة قاعدة، بحيث أجابت بـ:" أن الأموال التي يتشكل منها رأس مال المحجوز عليها على افتراض أنها أموال عمومية، فإن جزء منها رصد أصلا لتسديد مستحقات أصحاب الأرضي المنزوعة ملكيتهم، وهذا الحجز يشكل ضمانة بالنسبة لهؤلاء ولا ضرر فيه على مصلحة المحجوز عليها".
كما أن الغرفة الإدارية سارت في نفس الاتجاه، من خلال قرارها الصادر بتاريخ 22/5/1997، تحت عدد 556 الذي جاء فيه ما يلي:" بأن الإدارة في مجال نزع الملكية للمنفعة العامة ترصد مسبقا أموال لتغطية التعويضات الناتجة عن نزع الملكية أراضي الخواص، وهي بذلك تخرج بإرادتها هذه الأموال من ذمتها المالية لتخصصها للتعويض عن نزع الملكية، وبالتالي فإنها تضفي عليها صبغة خصوصية وتجعلها قابلة للتنفيذ عليها"، وأضاف نفس القرار" ...يحق للمنزوعة ملكيتهم القيام بتلك الإجراءات القانونية للتنفيذ على الأموال بما في ذلك مسطرة الحجز لدى الغير".
وقد اعتمدت المحكمة الإدارية والغرفة الإدارية في إيقاع الحجز على كون الأموال المحجوزة أموالا خاصة عندما يتعلق الأمر بنزع الملكية.
وقد أجازت المحكمة الإدارية حجز أموال الإدارة، لكن بالاعتماد على أساس أخر مخالف للأساس المستعمل في القضية السابقة، وذلك في قضية المكتب الوطني للأبحاث والاستثمارات النفطية، بحيث أن هذا المكتب امتنع عن تنفيذ حكم صدر في مواجهته قضى عليه بأداء مبالغ مالية مهمة لفائدة أحد أطره.
وأمام هذا الامتناع قام مأمور التنفيذ بإيقاع الحجز لدى الغير على أموال هذه المؤسسة المودعة لدى أحد البنوك، فدفع المكتب بعدم إمكانية الحجز على أموالها لأنها تستفيد من الحماية التي يفرضها المشرع لفائدة المؤسسات العمومية بخصوص عدم إيقاع الحجز على أموالها وعدم التنفيذ عليها جبرا، فصدر الأمر القضائي بتاريخ 12/9/1997 بالملف عدد28/97 س، الذي كرس القاعدة التالية:"و إذا كان لا يجوز الحجر على المؤسسات العمومية فلكونها مليئة الذمة وليس لكون أموالها أموالا عمومية، ولكن إذا ثبت امتناع المؤسسة العمومية عن تنفيذ حكم قضائي بدون مبرر فإن ملاءة الذمة تصبح غير مجدية بالنسبة للتنفيذ الذي يرغب فيه من صدر الحكم لفائدته، وفي هذه الحالة يجوز القيام بالتنفيذ الجبري على أموال المؤسسة المذكورة نظرا لصبغة الإلزام التي تفرضها بحكم القانون الأحكام القضائية القابلة للتنفيذ...".فصدر الأمر القضائي بتاريخ 12/9/1997 بالملف عدد28/97 س، الذي كرس القاعدة التالية:"و إذا كان لا يجوز الحجر على المؤسسات العمومية فلكونها مليئة الذمة وليس لكون أموالها أموالا عمومية، ولكن إذا ثبت امتناع المؤسسة العمومية عن تنفيذ حكم قضائي بدون مبرر فإن ملاءة الذمة تصبح غير مجدية بالنسبة للتنفيذ الذي يرغب فيه من صدر الحكم لفائدته، وفي هذه الحالة يجوز القيام بالتنفيذ الجبري على أموال المؤسسة المذكورة نظرا لصبغة الإلزام التي تفرضها بحكم القانون الأحكام القضائية القابلة للتنفيذ...".
وهكذا فإن المحكمة لم تعتمد على نظرية الأموال الخاصة للدولة والمؤسسات العمومية القابلة للحجز كما فعلت في قضية نزع الملكية، بل اعتمدت قاعدة جديدة مغايرة تتمثل في أن الامتناع بدون موجب عن التنفيذ هو الذي يبرر الحجز، دون الاكتراث بملاءة أو عسر المحجوز على أمواله.(قرار محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط عدد 204 بتاريخ 23/04/2007
ملف عدد 20/07/2)
فإذا كان لا يجوز الحجز على أموال المؤسسة العمومية فلكونها مليئة الذمة  ولا يخشى إعسارها وليس لكون أموالها أموالا عمومية مادام لا يوجد أي نص قانوني يمنع حجزها ، ولكن إذا ثبت امتناع المؤسسة العمومية عن تنفيذ حكم قضائي بدون مبرر ، فإن ملاءة الذمة تصبح غير مجدية بالنسبة للتنفيذ الذي يرغب فيه من صدر الحكم لفائدته، وفي هذه الحالة يجوز القيام بالتنفيذ الجبري على أموال المؤسسة العمومية نظرا لصبغة الإلزام التي تفرضها بحكم القانون الأحكام القضائية القابلة للتنفيذ مادام هذا الحجز لا تأثير له على السير العادي للمرفق.
قرار محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط عدد 53 بتاريخ 12/2/2007
ملف عدد 103/06/22).
الخاتمة
في حين كنا ننتظر من المشرع ترجمة مرامي و توجيهات الخطاب الشريف الرامي إلى نصرة الحق و إرساء معالم مؤسسات العدل تماشيا و مقتضيات الدستور الجديد ، جاء المشروع المالي ليطرح أكثر من تساؤل حول مدى دستورية المادة 8 منه
المراجع:
-أحكام قضائية على موقع startimes بعنوان الحجز على أموال الإدارة الممتنعة عن التنفيذ




مقال لنا بمجلة منازعات الأعمال بعنوان تنفيذ الأحكام القضائية بين قوة القانون و قانون القوة المنشور كذالك بالموقع التونسي point juridique
اقرأ المزيد

المسؤولية الجنائية في إطار علاقات العمل الفردية على ضوء القانون الجزائري.

المسؤولية الجنائية في إطار علاقات العمل الفردية على ضوء القانون الجزائري.







الدكتورة : مجدوب نوال .
تخصص : القانون الجنائي للأعمال .
الوظيفة : أستاذة بكلية الحقوق و العلوم السياسية .
جامعة أبوبكر بلقايد – تلمسان .
doctrmedjdoub@gmail.com البريد الالكتروني :

مقدمــــــــــة :
يقصد بالمسؤولية الجزائية لمرتكب الجريمة الإجتماعية صلاحية الشخص الجاني لتلقي العقوبة التي يقرها القانون ، أو هي صلاحية و قابلية الشخص لأن يكون محل مسائلة جنائية .
و نظرا لوجود إنتهاكات في إطار علاقات العمل سواء الفردية منها أو الجماعية ، كان لزاما أن يكون هناك تدخل جنائي في محيط العمل ، لبسط معالم الحماية الجنائية من أجل كبح جماح كل معتد على تشريع العمل .
و قد كانت المسؤولية الجنائية مبنية على أساس الخطأ الشخصي ثمرة تطور المفاهيم الجزائية إستغرق حقبة من الزمن إنتهت في أواخر القرن التاسع عشر إلى الإقرار بالمسؤولية الشخصية و فردية العقوبة .
و على هذا الأساس يمكننا طرح الإشكال الذي يثيره الموضوع كالتالي :
هل يعد الخطأ الشخصي المرتكب في إطار علاقة العمل أساسا للمسؤولية الجنائية ؟ ،
و إلى أي مدى يصل نطاق المسؤولية الجنائية في إطار علاقات العمل ؟.
و ستتم الإجابة عن الإشكال السابق من خلال المحورين التالين :
المبحث الأول : المسؤولية الجزائية عن الخطأ الشخصي .
المبحث الثاني : المسؤولية الجزائية عن فعل الغير .



المبحث الأول : المسؤولية الجزائية عن الخطأ الشخصي
بعد أن كانت المسؤولية الجزائية قائمة على أساس الخطأ الشخصي ، جاءت الثورة الصناعية بخطوات لم تكن في حسبان المشرعين ، لاسيما المشرع الفرنسي حيث أحدثت تغييرات جدرية في وسائل الإنتاج ، و في تسيير الآلة بما فيه علاقة صاحب العمل بالعمال .
و كل ذلك أدى لإنتقال المسؤولية الجنائية من مفهومها الضيق القائم على أساس الشخصية و الفردية و القائمة على أساس الخطأ الشخصي إلى مفهوم وضعي جديد مبني على أساس ضمان المخاطر دون الحاجة لإثبات الخطأ لدى  مسبب الضرر.
و إذا كان من بين أهم المبادئ التي يقوم عليها التشريع العقابي مبدأ شخصية العقوبة مما يتطلب معه تحديد المقصود بالمبدأ و مدى علاقته بالمسائلة الجنائية ، و هو ما سيكون محل تحليل من خلال النقاط التالية .
الفرع الأول : مفهوم المسؤولية عن الخطأ الشخصي في علاقات العمل.
و يقصد بالمسؤولية الجنائية عن الفعل الشخصي في الجريمة الإجتماعية صلاحية الجاني بغض النظر عن صفته عامل أو صاحب عمل لتلقي الجزاء الذي يرتبه القانون ، أو هي إلتزام أحد أطراف علاقة العمل بالخضوع للأثر الذي يقره التشريع الجنائي للعمل كعقوبة لإرتكابه جريمة إجتماعية بخطئه الشخصي.
تتجلى صور الإجرام الإجتماعي المرتكب في حق العامل في مايلي
1- مخالفة الأحكام المرتبطة بالأجور : و يكون ذلك من خلال لجوء رب العمل إلى رسم نوع من التمايز بين الجنسين في إستحقاق الأجور ، أو من خلال دفع أجر أدنى من الأجر الوطني المضمون ، أو من خلال الإحجام عن مسك دفاتر الأجور المنصوص عليها من خلال نص المادة 154 من المرسوم التنفيذي رقم 96/98.
و من أجل ضمان مراعاة المستخدم لتشريع العمل المتعلق بالأجور تم إستحداث جهاز يختص بمراقبة تطبيق الأحكام التشريعية و التنظيمية المتعلقة بعلاقات العمل و المتجسد أساسا في مفتشية العمل ، هذا الجهاز الذي يسهر بموجب الصلاحيات المخولة له على التحقق من إحترام المستخدم لجميع حقوق العمال و حمايتها و عدم الإنتقاص منها.
2-جريمة تشغيل الأطفال دون السن القانوني للتشغيل إذ تعد هذه الجريمة من أخطر الجرائم  التي تمس بكيان الطفولة و تؤثر على النظام القانوني للتشغيل بإقحام القصر دون السن القانونية في ميدان الشغل رغم نقص تجربتهم و عدم الدراية الكافية بمخاطر التشغيل و تتجلى العناصر أو الأركان المقومة للجريمة في مايلي :
- الركن المفترض أين يشترط أن ترتكب الجريمة في حق الأطفال بإعتبار أن الطفل بطبيعته التكوينية عنصر ضعيف في المجتمع من الناحية البدنية و العقلية ، الشيئ الذي يجعله عرضة للإستغلال من طرف أصحاب العمل الذين يرتكبون جريمتهم بسهولة إدراكا منهم بإستطاعتهم خداع المجني عليه أين تسلب طفولته و براءته في سن مبكرة هو أحوج فيها إلى الراحة و التعلم و كل ما يناسب عمره .
و يشترط أيضا أن تكون للجاني صفة المستخدم ، و يقصد به كل شخص طبيعي أو معنوي يبرم عقد عمل مع العامل.
الركن المادي : و يجلى السلوك المادي في جريمة الإستخدام قبل الحد الأدنى لسن التشغيل في قيام المستخدم بتشغيل الحدث الذي لم يتجاوز سنه الحد الأدنى لسن التشغيل لديه و تحت إشرافه بعوض، و من ذلك أيضا تدريب الحدث الذي لم يتجاوز سنه سن التدريب المحدد .
3-جريمة عدم إجراء الفحص الطبي إذ تقوم هذه الجريمة بمجرد إحجام المستخدم عن توقيع الكشف الصحي الإبتدائي و الدوري على نفقته و إثباته بالبطاقة الصحية ، و كل نشاط يتعلق بحفظ صحة و سلامة و نظافة و أمن العامل من توفير العلاج و توفير الإسعافات الأولية و أدوات الوقاية الشخصية و التدريب عليها و توفير التهوية و الإضاءة و المياه النقية و دورات المياه ، بالإضافة إلى تقديم وجبة صحية متوازنة .
4- جريمة عدم إحترام ساعات العمل القانونية تقوم هذه الجريمة من خلال قيام المستخدم أو صاحب العمل بخرق الأحكام القانونية المتعلقة بساعات العمل ، من خلال تشغيل العمال خلال فترة الليل ، و هي الفترة بين غروب الشمس إلى غاية شروقها في اليوم التالي .
و قد حدد المشرع الجزائري العمل الليلي أنه تلك الفترة الممتدة بين الساعة التاسعة ليلا و الساعة الخامسة صباحا طبقا لنص المادة 32 من القانون رقم 90/11 المتعلق بعلاقات العمل الجزائري.
و يدخل ضمن الجرائم الإجتماعية الجرائم المرتكبة في حق المراة العاملة و من ذلك تشغيل النساء في أشغال غير صحية أو خطرة مع تعنيفها أو حرمانها من حقها في إجازة الحمل أو الوضع .
كان هذا عن مفهوم المسؤولية الجزائية عن الفعل الشخصي و الذي كان يحكم جرائم العمل تقديسا لمبدأ الشخصية ، و تبقى الإشارة إلى المبدأ .
الفرع الثاني : أساس المسؤولية الجنائية عن الفعل الشخصي
لم يحدد المشرع الجزائري الأساس الذي تقوم عليه هذه المسؤولية ، مما فتح الباب أمام الإجتهادات القضائية للبحث عن الأساس الذي تقوم عليه هذه المسؤولية .
أولا : الأساس الفقهي
لا تقوم المسؤولية الجنائية عن الفعل أو الخطأ الشخصي إلا بتوافر ثلاثة عناصر يمكن إجمالها فيمايلي :
- إتيان سلوك مادي من طرف الجاني أي أحد أطراف علاقة العمل .
- الرغبة في إتيان السلوك أي وجود قصد جنائي لدى أحد أطراف العلاقة أي الجاني
- العلم بعدم مشروعية السلوك أي علم الجاني بمخالفة القانون .
وبالتالي بتوافر هذه الشروط يكون الشخص مسائل جنائيا على أساس الخطأ الشخصي.

ثانيا : الأساس القانوني
تبنى المشرع المسؤولية مبدأ المسؤولية على أساس الخطأ الشخصي و يتضح ذلك جليا من خلال النصوص القانونية التالية :
- المادة 57 من القانون رقم 90/02 المؤرخ في 06 فبراير 1990 و المتعلق بالوقاية من النزاعات الجماعية في العمل و تسويتها و مممارسة حق الإضراب ، و التي تعاقب بالحبس من ثمانية أيام إلى شهرين و بغرامة من 50دج – 2000 دج أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من يمس بحق الإضراب .
- المادة 24 من القانون رقم 90/03 و التي تعاقب كل من يعرقل مفتش العمل في إطار أداء مهامه .
و يأخذ على العقوبة الموقعة على الجاني أنها غير رادعة ، إذ لا يمكن تصور تحقيق الردع الكافي مادام أن الجزاء لا يترك أثره لدى المخالف .
و إذا كان الأصل أن المسؤولية تقوم على أساس الخطأ الشخصي إلا أن الضرورة دفعت للخروج عن هذا الأصل ، و هو ما ستتم دراسته في مايلي .
المبحث الثاني :المسؤولية الجنائية عن فعل الغير  
ظهرت المسؤولية المدنية عن فعل الغير في القانون المدني أي مسؤولية الشخص عن كل ما يوجد تحت حراسته على أساس أن الخطأ الشخصي مفترض فيه ، مؤسسة على مبدأ مفاده وجوب التعويض عن الضرر الذي يحدثه من هم تحت رقابة ، من منطلق أنهم إما قصروا في الرقابة أو أخطؤوا في الإدارة ، مع إمكانية المكلف بالرقابة من التخلص متى أثبت أنه قام بواجب الرقابة .
و قد تأثر المشرع العقابي بتلك التطورات الطارئة على المسؤولية المدنية ، مما دفعه إلى تبني نوعا جديدا من المسؤولية الجنائية عن فعل الغير بعد أن جردها من الطابع الجزائي مؤسسا لها على خطأ المستخدم أو المشرف .
و بالتالي ظهرت مسؤولية رب العمل عن الجرائم التي يرتكبها العمال أو التابعون ، و يرجع مهد التطورات التي عرفتها المسؤولية الجزائية إلى القضاء الفرنسي منذ القرن التاسع عشر ، مؤكدا على طابعها الخصوصي كونها تشكل خروجا على شخصية المسؤولية ، ثم أخذ بها التشريع الفرنسي و شيئا فشيئا بدأ يتوسع فيها .
و على هذا الأساس سيتم تحديد الحالات التي يكون فيها الشخص مسؤولا جنائيا عن فعل غيره من خلال تحديد أساس المسؤولية الجنائية عن فعل الغير (أولا) و أنواع المسؤولية  الجنائية عن فعل الغير( ثانيا) .
أولا : أساس المسؤولية الجنائية عن فعل الغير
لم يحدد المشرع شروط مسائلة الشخص جنائيا عن فعل غيره ، مما يحتم العودة إلى الإجتهادات الفقهية ، مع تبيان تطبيقات القضاء و موقف المشرع الجزائري.
أ- الأساس الفقهي
من خلال النصوص القانونية و الأحكام القضائية و بالخصوص الفرنسية و التي توقع على عاتق رب العمل أو المتبوع النتائج الجزائية المترتبة عن الأفعال الجرمية التي يرتكبها العامل أو الأجير يمكننا تبيان الأفعال الجرمية التي يرتكبها العامل أو الأجير و من ثم تبيان أهم الشروط المقومة للمسؤولية كالتالي:
- إرتكاب جريمة من التابع أي العامل أو الأجير ، و يعد هذا الشرط الأساس الموضوعي لقيام هذه المسؤولية ، و بالإستناد إلى الأحكام القضائية الفرنسية فإن المسؤولية عن فعل الغير لا تقوم إلا في إطار المهن المنظمة أين يقع على صاحب المؤسسة الإلتزام بضمان إحترام الأنظمة ، و يستوي في ذلك أن تكون الجريمة عمدية أو غير عمدية .
مع الإشارة أن مسائلة رئيس المؤسسة جنائيا لا تمنع من إقامة المسؤولية الجنائية للتابع أو العامل لكونه فاعل مادي ، لاسيما في حالة إرتكابهما أخطاء مختلفة .
كما أنه يمكن مسائلة رب العمل لوحده متى كان العامل أو الأجير مجرد أداة بين يديه ، و من ذلك تعرضه للإكراه .....
و من ذلك إهمال أحد العاملين في شركة Sidco للحفريات إلى وقوع آلة حادة على زميله     
الحفار ووفاته ، فقد قضت محكمة الشارقة بحق ورثة المتوفي في الرجوع على العامل المتسبب في القتل الخطأ و على رب العمل عملا بمبدأ مسؤولية التابع جنائيا عن فعل الغير .
كما توبع في فرنسا صيدلي و أدين بسبب مخالفة التشريع الصيدلاني من طرف القائم بتحضير الدواء .
- إرتكاب التابع خطأ يضر بالغير :فقد قضي في فرنسا بمسائلة رب العمل في مواجهة الغير عن تصرفات العامل طالما أن تصرفه كان في نطاق العمل ، حتى و لو تجاوز سلطته شريطة أن يكون ذلك في إطار أداء مهامه .
و على هذا الأساس فالخطأ الأجنبي عن علاقة العمل لا يمكن أن يكون سببا لقيام المسؤولية الجنائية لرب العمل .
- إرتكاب الخطأ من طرف المتبوع أو من طرف صاحب العمل إذ يشترط لإسناد المسؤولية الجنائية عن فعل الغير إلى صاحب العمل إرتكابه لخطأ جنائي يتجلى في الإهمال أو الرعونة أو عدم الإحتياط أو عدم مراعاة الأنظمة ،و من ذلك عدم مراعاة صاحب العمل لشروط الصحة و سلامة العمال .
مع الإشارة أنه متى ثبت مخالفة رب العمل لشروط الأنظمة فإن القصد الجنائي مفترض فيه ، مما يترتب عنه إعفاء النيابة العامة من إثباته .
- عدم إنابة صاحب العمل سلطاته لشخص آخر ، أي عدم تفويض صاحب العمل مهام الرقابة و الإشراف على العمل لشخص آخر ، و لو أن القضاء الفرنسي إعتبره مسؤولا جنائيا رغم وجود التفويض ، كونه مالك المؤسسة ، مع الإشارة أنه لا يجوز التفويض في المهام التي يجعلها صاحب العمل حكرا عليه دون سواه .
و لو أنه يمكن لرب العمل التنصل من المسؤولية الجنائية متى أثبت أنه وضع على رأس المصلحة محل إرتكاب المخالفة شخص ذو كفاءة عالية ، مع توفيره لكل وسائل الرقابة، شريطة أن يكون التفويض سابقا على إرتكاب المخالفة .
و من أجل تفادي الوقوع في لبس حول التفويض و نطاقه و حدوده بالإضافة إلى صحته و بعده الزمني يستحسن أن يكون مكتوبا مع العلم أن الإشارة لمنصب العمل في الإتفاقية الجماعية للعمل لا يشكل دليلا على قيام التفويض .
و بالتالي فإنه في حالة وجود تفويض فإن المفوض يسأل دون صاحب العمل، إلا أنه في حالة قيام صاحب العمل بتفويضين لنفس العمل فإنه يسأل وحده جنائيا لأن وجود مفوضين من شأنه عرقلة كل منهما.
ب- الأساس القانوني
يتجلى الأساس القانوني للمسؤولية الجنائية عن فعل الغير من خلال نص المادة 144 مكرر 01 من قانون العقوبات الجزائري و المتعلقة بالمسؤولية الجنائية لمسؤولي النشرية ، و مسؤولي تحريرها عن جنحة الإساءة إلى رئيس الجمهورية عن طريق النشريات ،إذ يشكل نص المادة الأساس القانوني للمسؤولية الجنائية عن فعل الغير في قانون العقوبات و التي تبناها المشرع الجزائري من المشرع الفرنسي .
و من ثم يتجلى الأساس القانوني للمسؤولية الجنائية عن فعل الغير في التشريع الجنائي للعمل من خلال نص المادة 36/02 من القانون رقم 88/07 ،و التي تنص على أنه " عندما تنسب المخالفات إلى العمال فإنها تعتبر من فعل المسير إذا لم يتخذ الإجراءات الضرورية بغرض إحترام التعليمات القانونية في مجال الوقاية الصحية و الأمن و طب العمل ، و لم يتخذ العقوبات التأديبية على مرتكبي هذه المخالفات "،و أضافت ذات المادة في فقرتها الثالثة أنه لا يسأل المسير متى إرتكبت هذه المخالفات عمدا من طرف العمال .
بالإضافة إلى نص المادة 30 من القانون رقم 05/08 المتعلق بالصحة و أمن العمل و التي إعتبرت المسير مسؤول جنائيا عن كل المصالح التي تدخل في إطار إختصاصه في كل المسائل المتعلقة بمخالفة أحكام الصحة و أمن العمل ،مما يتضح معه أنواع المسؤولية الجنائية عن فعل الغير و التي سيتم توضيحها من خلال ما يلي .
ثانيا : أنواع المسؤولية الجنائية عن فعل الغير
إن دراسة أنواع المسؤولية الجنائية عن فعل الغير تقودنا للتمييز بين المسؤولية الجنائية المباشرة عن فعل الغير ( أ) بالإضافة إلى حالة المسؤولية الجنائية غير المباشرة عن فعل الغير ( ب).
أ- المسؤولية الجنائية غير المباشرة عن فعل الغير و يتعلق الأمر بحالة إلزام المشرع المتبوع لأداء الغرامة الجزائية التي حكم بها على التابع دون أن يقاسمه نفس المسؤولية الجنائية ، فهي بمثابة مسؤولية مدنية تصبوا إلى حمل المتبوع لدفع غرامة لفائدة الخزينة العامة و لا تعد تفويضا لصالح المجني عليه .
و يجد هذا النوع من المسؤولية تطبيقا له بالخصوص في مجال المرور و من أمثلتها نجد نص المادة 96 من القانون رقم 01/14،و التي نصت صراحة على تحميل صاحب بطاقة تسجيل السيارة المسؤولية المدنية عن مخالفة التنظيم الخاص بوقوف المركبات ، و التي يترتب عنها دفع الغرامة فقط إلا متى أثبت صاحب البطاقة وجود قوة قاهرة أو قد تمكن من إكتشاف المرتكب الحقيقي للمخالفة .
ب-المسؤولية الجنائية المباشرة عن فعل الغير :
برزت عدة نظريات من أجل تبيان التكييف القانوني للمسؤولية الجنائية عن فعل الغير يمكن تلخيصها في مايلي :
1- نظرية النيابة القانونية و مفاد هذه النظرية أن الجريمة المرتكبة من طرف العامل كفاعل مباشر تنسب لرب العمل كفاعل غير مباشر كونه مسؤولا إفتراضيا عنه، و كون العامل ممثلا قانونيا لرب العمل .
و هو التكييف الذي أخذت به محكمة النقض المصرية حيث أقرت في أحد أحكامها أن المسؤولية مفترضة لصاحب العمل و تجد أساسها القانوني في فكرة النيابة في المسؤولية.
و لو أن هذه النظرية قد إنتقدت كونها منافية للمنطق القانوني الذي لا يقبل أن يمثل أطراف علاقة العمل بعضهم البعض في مجال إرتكاب الجرائم و المسائلة الجنائية .
2- نظرية الخضوع الإرادي
تبنى هذه النظرية على مدير المشروع أو مباشر المهن الذي يقبل الخضوع لما يفرض القانون عليه من إلتزامات متعلقة بنشاطه ، كما يتحمل نتائج الإخلال بهذه الالتزامات ، و من ضمن هذه النتائج قيام المسؤولية الجنائية .
و قد إنتقدت هذه النظرية بإعتبار أنه من غير السائغ الخلط بين إتجاه الإرادة إلى إرتكاب الجريمة و الإتجاه إلى تحمل مسؤوليتها ، فالأول يعترف به القانون و الثاني لا قيمة قانونية له
3- نظرية الإشتراك
يعتبر أنصار هذه النظرية أن رب العمل مسؤولا جنائيا عن فعل الغير ، و باعتبار أنه المستفيد من ارتكاب الجريمة فهو شريك إما بالتحريض أو الاتفاق أو المساعدة للفاعل المادي ، و ما يعاب على هذه النظرية أن الاشتراك في القواعد العامة يتطلب توافر قصد الاشتراك في ارتكاب الجريمة ، و هو ما لا يتوافر في المسؤولية عن فعل الغير .
4- نظرية الفاعل المعنوي
يرى أنصار هذه النظرية أن الشخص الذي لم يساهم في ارتكاب الجريمة بصفة مباشرة يعد مرتكبا معنويا للجريمة متى وقعت بسبب عدم تنفيذه للالتزام القانوني الواقع على عاتقه ، و المتضمن ي الإشراف على التابعين لديه خلال تنفيذهم اللوائح التي يسأل شخصيا عن عدم مراعاتها .  
غير أن ما يعاب على هذه النظرية هو أن الفاعل هو ذلك الشخص الذي يسخر شخصا غير مسؤول من أجل جعله أداة لارتكاب الفعل المكون للجريمة ، و لو أنه يأخذ على هذه النظرية أن رب العمل يبقى مسؤولا عن إهماله في الإشراف ، و هو ما لا يتطابق مع نظرية الفاعل المعنوي .
الخاتمـــــــــــة :
لقد تزايد الإجرام الاجتماعي في سوق العمل الجزائري ، لاسيما مع أزمة البطالة التي شاعت مؤخرا و التي رافقت الأزمة الاقتصادية التي هزت بالاقتصاد الوطني الجزائري ، و لا يمكن تناسي المزايا التي جاء بها وكالات التشغيل للتقليل من حدة البطالة إلا أنه لا يمكن إنكار حقيقية تزعزع مكانة العامل رغم وجود هذه الوكالات ، أين أصبح العامل لا يعدو كونها آلة تسير من لدن رب العمل ، بالإضافة إلى تعرض العامل لشتى صور العنف و التحرش بصورتيه المادية و المعنوية .
فكم من عاملة على المستوى الدولي تحولت إلى ضحية الاتجار بالبشر فقد لأنه تم إغوائها و استدراجها تحت غطاء  وعود التوظيف، أو منصب عمل ؟ ، و كم من ولي أمر سخر ابنه القاصر كآلة يستغلها رب العمل أو ساهم في ذلك من خلال إخلاله بواجب رعاية ابنه؟ ، و كم من عامل قبل العمل في ساعات متأخرة و في أشغال خطيرة فقد لكونه مسؤولا عن رعية؟ .
فإذن كان الإجرام الاجتماعي المرتكب في إطار علاقات العمل و مازال متواصلا رغم وجود ترسانة قانونية و منظومة تشريعية قد يعتبرها رجل القانون فعالة ، و هو ما يدفعنا لطرح جملة من الاقتراحات ، للمساهمة في إرساء عدالة جنائية فعالة في المادة الاجتماعية ، و ذلك على النحو التالي :
- يتوجب أن تكون المنظومة الجنائية المناط بها حماية الحقوق العمالية ذات فعالية لأنه رغم وجود ترسانة قانونية إلا أنها مشوبة بالقصور، كما يتوجب أن تواكب التطورات الراهنة التي عرفها سوق العمل .
- يتوجب أن تطبق النصوص العقابية في المادة الاجتماعية تطبيقا فعليا ، مع ردع كل مستخدم ضرب عرض الحائط حقوق العامل ، مع القضاء على تقنية الوساطة التي يلجأ إليها رب العمل من أجل التنصل من المسؤولية الجنائية .
- يتوجب أن تلعب مفتشية العمل دورها الإيجابي .
-يتوجب على أرباب العمل التطبع بأخلاقيات العمل و عدم جعل علاقات العمل و حاجة الغير للعمل وسيلة لإشباع رغباتهم غير المشروعة.
و في الختام يمكن القول أن نجاح علاقات العمل مرهون على إلمام رب العمل بواجباته تجاه العامل ، و حقوقه على العامل ، و في ذات الوقت إلمام العامل بحقوقه لكن دون تناسي إلمامه بواجباته تجاه رب العمل و مكان العمل ككل ، و كل هذا حتى تتحسن علاقات العمل ، و بذلك يوضع حدا للإجرام الاجتماعي المقوم للمسؤولية الجنائية في إطار علاقات العمل .
المراجع المعتمدة :
أولا : المؤلفات
- أحسن بوسقيعة ، الوجيز في القانون الجزائي العام ، دار هومة ، الجزائر ، 2006 .
- أحمد محمود خلف ،الحماية الجنائية للمستهلك ، دار الجامعة الجديدة، القاهرة ، 2005 .
- آمال بطاهر ، النظام القانوني لحماية الأجور في القانون الجزائري ، دار الجامعة الجديدة ، الإسكندرية ، 2013.
- أحمد علي يونس ، المسؤولية الجنائية ، مقال منشور بمجلة الفتح القانونية ، العدد 07، الصادر في ديسمبر1996. 
- بن عزوز بن صابر ، نشأة علاقة العمل الفردية في التشريع الجزائري و المقارن ، الطبعة.01، دار الحامد للنشر و التوزيع ،2011 .
 - صلاح علي علي حسن ،حماية الحقوق العمالية ، دار الجامعة الجديدة ،الإسكندرية ، 2013.
- فاطمة بحري ، الحماية الجنائية الموضوعية للأطفال المستخدمين، دار الفكر الجامعي ، الإسكندرية ، 2007.
- محمد رياض دغمان ، النظام العام في علاقات العمل –دراسة مقارنة-، الطبعة .01 ،المؤسسة الحديثة للكتاب ، لبنان ،2015.
ثاتيا : المصادر القانونية
-الأمر 66/156،المؤرخ في 18 جوان 1966، و المتضمن قانون العقوبات المعدل و المتمم .
- القانون 78/07 ، المؤرخ في 20 يناير 1998 ، المتعلق بالوقاية الصحية و الأمن و طب العمل .
  - القانون رقم 90/03 ، المؤرخ في 06 فبراير 1990،المتضمن مفتشية العمل ، الصادر بالجريدة الرسمية للجمهورية الجزائري ، العدد .06 .
 - القانون 90/11 ، المتعلق بعلاقات العمل الجزائري  ، الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية ، العدد .12 لسنة 1990.
- القانون 01/14، المؤرخ في 19 أوت 2001،المتعلق بتنظيم حركة المرور عبر الطرق و سلامتها و أمنها .
  - المرسوم التنفيذي رقم 96/98 ، المؤرخ في 06 مارس 1996 ، المتضمن قائمة الدفاتر و السجلات الخاصة التي يلتزم بها المستخدمون و محتواها ، الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية ، العدد .17.

  ثالثا : الأحكام القضائية
 - حكم محكمة الشارقة ، القسم الجزائي ، ملف رقم .179 ، مجلة العدل ، الصادرة بتاريخ 12 فبراير 1981 .

اقرأ المزيد
يتم التشغيل بواسطة Blogger.

المساهمات

المساهمات

اشترك في القائمة البريدية

contentieux des affaires ( ISSN ) 2508-9293 © 2014-2016