تابعونا على الفيسبوك

Disqus

الدولة ما بعد جائحة كورونا

الدولة ما بعد جائحة كورونا



البشير الحداد الكبير ،

حاصل على الماستر في القانون العام.

مما لا شك فيه أن جائحة كورونا زلزلت العالم بأسره، وأثبتت أوجه القصور والإختلالات التي يعاني منها النظام العالمي، وشكلت محطة تفكير في عالم جديد ما بعد جائحة كورونا، في عالم مختلف تماما عن سابقه، لكن أمام كل هذا، برزت الدولة الوطنية في ظل هذه الجائحة، وتبين مدى أهميتها ودورها، وبالتالي كيف ستكون الدولة ما بعد أزمة كورونا ؟

لمعالجة هذا الموضوع، اعتمدنا التقسيم التالي :

المبحث الأول:الدولة بين النشأة والتطور

لمعالجة موضوع الدولة ما بعد جائحة كورونا،لابد من التطرق أولا للتعريف السياسي والقانوني للدولة، ثم بعدها التطرق لأصل نشأة الدولة، وأشكالها، وأخيرا التطور الوظيفي لها.

+”التعريف السياسي والقانوني للدولة” :

-الدولة في شقها السياسي، هي السلطة التي تهتم بشؤون المجتمع، وقد اتخذت عدة أشكال، نذكر ما يلي:

*”الشكل المجهول”:هذا الشكل كان لا يميز بين الحاكمين والمحكومين، بمعنى ليس هناك قائد،لكن نلاحظ أن هذا الشكل غير مستقر، لأنه ينتهي بمطالبة أحد الأفراد بالقيادة(1).

*”الشكل الباتريمونيالي”:يرتبط تعريف الدولة هنا بملكية الأرض، ويؤدي إلى تعدد المالكين خلال الإراثة، مما ينتج عنه تجزيئ للسلطة، وهو أيضا لا يعرف الإستقرار، ويمكن أن نطلق على هذا الإسم بشخصنة السلطة.

*”الشكل الدولي” : هو مخالف للشكل السابق لأنه لا يقوم على الشخصنة وإنما على مأسسة السلطة، بحيث تتولى أجهزة الدولة تنظيم حياة المجتمع،وهذا الشكل بخلاف الشكلين السابقين، هو الأكثر إستقرارا ودواما.

-الدولة في شقها القانوني،يتحدد تعريفها في خاصيتين أساسيتين:

*”الدولة شخص معنوي”:فالدولة هي شخص معنوي من أشخاص القانون العام، لها ذمة مالية ولها حقوق وعليها واجبات، وتتكون من أجهزة، يتم تسييرها من طرف أشخاص ذاتيين طبيعيين، مثلا رئيس الدولة،الوزراء، الولاة، المدراء، الموظفين..

*”الدولة والسيادة”:عنصر السيادة مهم في كل دولة، فكل دولة تتوفر على سيادة داخلية على مواطنيها من خلال سن قوانين وتنظيم الحقوق والحريات وردع مخالفي القوانين،كما أنها تتوفر على سيادة خارجية أمام كل الدول، إلا أن السيادة الخارجية مقرونة بقوانين دولية، لاسيما أن العالم يعيش تحت إطار تنظيم دولي المعروف بمنظمة الأمم المتحدة التي حلت محل عصبة الأمم، كما أنه يعيش تحت سقف منظمات دولية أخرى من قبيل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي،كما أن التعاون بين الدول أو بين المنظمات السياسية والإقتصادية يمكن أن يقود إلى التخلي أو التنازل عن السيادة ونموذج على ذلك “الإتحاد الأوروبي”.

بالإضافة إلى هذا كله، نجد أن الدولة تقوم على عناصر أو أركان وبدون هذه العناصر لا يمكن أن نقول أن هذه دولة، وتتلخص هذه العناصر فيما يلي:

*”الإقليم” :كل دولة في العالم لها إقليم يحدد حدودها، وداخل ذلك الإقليم تمارس سيادتها، وهناك الإقليم البري والبحري والجوي، فالبنسبة للإقليم البحري المجاور لشواطئها(12 ميلا بالنسبة للبحر الترابي).

*”الأمة”: وجود الأمة ضروري لقيام الدولة، وهنا ينبغي التمييز بين الأمة والسكان، فالدستور المغربي لسنة 2011 (2) على سبيل المثال لا الحصر، ذكر في فصله الثاني لفظ “الأمة” ولم يذكر لفظ “السكان”، لأن الأمة هي مجموعة من الأشخاص تجمعهم روابط أو قواسم مشتركة (الدين، اللغة، التاريخ، نمط العيش… إلخ) بينما السكان ليس بالضرورة أن تكون بينهم قواسم مشتركة وليس بالضرورة ان يكونوا منتمين لنفس الدولة،مثلا تجد مواطن فرنسي أو ألماني يسكن بالمغرب.

*”تنظيم سياسي” :ونقصد هنا بالتنظيم السياسي وجود جهاز الدولة، والدولة تتكون من ثلاث سلط (التشريعية، التنفيذية،القضائية) ،وبالتالي فهذه السلط تمارس وظائفها وإختصاصاتها في إطار احترام تام للقانون.

+”أصل نشأة الدولة” :

يتجلى أصل ظهور الدولة في العديد من النظريات، نختزلها فيما يلي:

*”نظرية القوة والتغلب” :تتجلى هذه النظرية في أن أصل نشأة الدولة هي إنتصار شخص أو جماعة على أشخاص أو جماعات أخرى، مما أدى إلى خضوع المغلوب للغالب، وبالتالي فالطرف الغالب أنشأ الدولة والمغلوبين أصبحوا هم المحكومين.

*”نظريات الإتجاه الديني”، تتجلى فيما يلي:

-نظرية تأليه الحاكم:أصل هذه النظرية أن الحاكم هو الله، ونلاحظ أن الحضارات السابقة كان تعتبر الحاكم إلها.

-نظرية الحق الإلهي المقدس:أصل هذه النظرية أن الحاكم يستمد سلطته من الله مباشرة دون تدخل أحد، وما على المحكومين إلا طاعته وعدم عصيانه، ففي هذه النطرية لم يعد الحاكم هو الله وإنما مجرد شخص طبيعي لكنه يتميز عن عامة الناس بأن الله إختاره لينوب عنه في الأرض.

-نظرية العناية الإلهية:في هذه النظرية بدأت سلطات الحاكم تتقيد، بحيث لم يعد يتم اختياره مباشرة دون تدخل أحد بل أصبحت الكنيسة تتدخل في تنصيبه بمعنى الإختيار الغير المباشر.

*”نظريات العقد الإجتماعي” :ذهب العديد من الباحثين إلى أن نظرية العقد الإجتماعي ظهرت مع القرنين السابع عشر والثامن عشر، لكن في الحقيقة أن فكرة العقد الإجتماعي ظهرت قبل ذلك، فقد تحدث عنها الفيلسوف “أبيقورس” (3) الذي اعتبر أن الدولة ليست شيئا مقدسا من الله لخدمة عقائد الإنسان وتوجيهه إلى الحقائق الأزلية، ولا هي اكتشاف مجرد بالعقل، وإنما هي تقوم على فكرة المنفعة المبنية على التعاقد.

وقد انتقلت الفكرة من هذا الفيلسوف إلى بعض مفكري الرومان، لكن ظهرت فكرة العقد الإجتماعي بكل قوة خلال القرن السابع عشر والثامن عشر مع كل من المفكرين الثلاث:”توماس هوبز” ،”جون لوك”، “جان جاك روسو”، وسنوضح فكرة كل مفكر:

-توماس هوبز: يرى أن سبب قيام الدولة هو الخوف، وبالتالي أنشأ الأفراد فيما بينهم تنظيما سياسيا، مقابل تنازلهم عن كافة حقوقهم، حيث يعتبر الحاكم طرفا أجنبيا عن العقد ولا يلتزم بأي شيئ وله سلطات مطلقة، ولا يمكن الإطاحة به إلا في حالة انهزامه في حرب أهلية أو أجنبية حينها يمكن فسخ العقد.

-جون لوك: إذا كان توماس هوبز كان ينادي بالحكم المطلق، فإن جون لوك ينادي بالحكم المقيد، فهو يختلف مع توماس هوبز أيضا في تشخيص حالة الفرد في إطار حياة الطبيعة، حيث أن توماس هوبز كان يعتبر أن الفرد يعيش الخوف بينما جون لوك عكسه، إذ يعتبر أن الفرد في حالة الطبيعة كان يعيش حالة السعادة والسبب في إنشاء الدولة هو الحصول على سعادة أكثر، مقابل تنازل جزئي لصالح التنظيم السياسي ككل وليس للحاكم وليس كلي كما قال توماس هوبز، بل أكثر من ذلك أن الحاكم يعتبر طرفا في العقد وليس أجنبيا وإذا أخل بإلتزاماته جاز فسخ العقد.

-جان جاك روسو: يتفق مع جون لوك في حياة الفرد في الطبيعة، التي كانت تسودها السعادة والحرية، لكنه يعتبر أن سبب قيام الدولة هو انعدام المساواة في حياة الطبيعة، وبالتالي فالأفراد يتنازلون عن كافة حقوقهم مقابل اكتساب حقوق جديدة وتكون إرادة الأغلبية هي المعبرة عن إرادة العامة وما على الأقلية سوى الإمتثال، كما أنه اعتبر أن الحكومة(التنظيم السياسي) مجرد وكيل عن الشعب، إذ أقر أن الشعب هو صاحب السيادة.

+”أشكال الدولة” :

*”الدولة البسيطة أو الموحدة” :بمعنى أن الدولة تقوم على الوحدة، بحيث توجد حكومة واحدة، وبرلمان واحد، وقضاء واحد، و دستور واحد، والأمة تخضع لنفس القوانين، ومن أجل تخفيف العبئ على الدولة المركزية يتم اللجوء إلى “عدم التركيز أو اللاتمركز أو اللاتركيز”، هم أشخاص معينون (السلطة المحلية) تتولى تسيير الشؤون الجهوية والإقليمية والمحلية) وكذلك اللامركزية،وهذه الأخيرة تنقسم لنوعين هناك اللامركزية الإدارية والسياسية، فاللامركزية الإدارية تقتضي منح جزء من الإختصاصات لأشخاص خاضعة للقانون العام تتمتع بالإستقلال الإداري والمالي وتخضع للمراقبة والرقابة من طرف أجهزة الدولة، وتختلف عن اللاتركيز الإداري بأنها خاضعة لأسلوب الإنتخاب وليس التعيين، فمثلا المغرب هناك الجماعات الترابية، ويطلق على هذا النوع من اللامركزية بمصطلح “الترابية” لأن هناك نوع آخر من اللامركزية الإدارية وهو “المرفقية أو المصلحية أو التقنية أو الوظيفية” وهي المؤسسات العمومية التي تتولى تسيير المرافق العمومية التابعة للدولة.

أما بخصوص اللامركزية السياسية فتقتضي منح الإستقلال السياسي للجهات إذ تتوفر على حكومة جهوية وبرلمان جهوي وقضاء جهوي، ومع ذلك تبقى الدولة موحدة لأن الجهات أو الدولة الجهوية لا تتوفر على سلطة تأسيسية كما أن القوانين التي تسنها تخضع للمراقبة الإدارية والرقابة القضائية(المحكمة الدستورية) ،ومن أمثلة هذه اللامركزية نجد إسبانيا وإيطاليا.

*”الدولة الفيدرالية أو المركبة” :تعني تشكل دولة معينة من مجموعة من الدول التي تفوض جزءا من سلطتها إلى الدولة المركزية،وهنا ينبغي التمييز بين الإتحاد الشخصي والإتحاد الفعلي، فالإتحاد الشخصي يعني وجود رئيس دولة واحدة على رأس دولتين أو أكثر وتحتفظ كل من هذه الدول على السيادة الداخلية والخارجية، أما الإتحاد الفعلي يعني اتحاد دولتين أو أكثر يحتفظون بسيادتهم الداخلية لكنهم يفقدون السيادة الخارجية والدفاع لفائدة دولة جديدة التي يرأسها رئيس واحد.

تتميز الفيدرالية بأن كل دولة مكونة للدولة الفدرالية تتوفر على دستور وتشريع وحكومة ومحاكم، لكن تظل العملة والدفاع والسياسة الخارجية بيد الدولة المركزية، وفي حالة وقوع نزاع بين الدول المكونة للفدرالية يتم اللجوء إلى هيئة متخصصة بالسهر على احترام الدستور مثلا كالمحكمة العليا بالولايات المتحدة الأمريكية.

بالإضافة إلى أن هناك تنظيم من نوع آخر وهو “الكنفدرالية” التي تنشأ بناءا على معاهدات لها قيمة دستورية التي توضح المجالات الإقتصادية والسياسية التي سيتم تسييرها بشكل مشترك،دون أن ننسى تنظيم من نوع آخر يدخل ضمن قائمة الدول المركبة ألا وهو “المجموعة فوق الوطنية” كالإتحاد الأوروبي الذي كان سابقا يسمى بالسوق الأوروبية المشتركة بموجب معاهدة روما لسنة 1957 ثم تحول إلى الإتحاد الأوروبي سنة 1992 بموجب معاهدة ماستريخت،حيث أن السيادة الوطنية تنقص في هذا التنظيم.

+”التطور الوظيفي للدولة”:

كانت الدولة تتمتع بوظائف تقليدية تتمثل في الوظيفة التشريعية من خلال سن القوانين ثم وظيفة تنفيذية من خلال تنفيذ القوانين بواسطة مراسيم وقرارات تنظيمية وفردية ومناشير ودوريات ثم وظيفة قضائية من خلال تطبيق القانون أمام المنازعات المعروضة عليها.

بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، ومع أزمة 1929 إزداد دور الدولة خصوصا مع خطة نيوديل أو ما تسمى بالخطة الجديدة إزداد تدخل الدولة في الحياة الإقتصادية والإجتماعية ولم يعد مقتصرا على الوظيفة التقليدية التي ذكرناها(التشريع،التنفيذ، القضاء)، وبعد الحرب العالمية الثانية، بدأت الدولة تشجع القطاع الخاص ومنح تحفيزات للمستثمرين(إعفاءات ضريبية)، كما يجب ألا ننسى أن من أهم وظائف الدولة خدمة حرية الإنسان وكانت الإرهاصات الأولى لهذا المعطى في إعلان حقوق الإنسان والمواطن لسنة 1789 إذ تم دمجه في الدستور الفرنسي الأول لسنة 1791،نلاحظ أن جل الدساتير تراعي حقوق الإنسان، بما فيها الدستور المغربي الجديد الذي خصص بابا كاملا وهو الثاني للحريات والحقوق الأساسية دون أن ننسى وظيفة أخرى لا تقل أهمية عن الأولى وهي خدمة بيئة الإنسان، إذ نلاحظ أن الدستور المغربي اهتم لمسألة البيئة من خلال دسترته للمجلس الإقتصادي والإجتماعي والبيئي وتخصيص باب كامل له وهو الباب الحادي عشر، بالإضافة إلى الفصل 31 من الدستور ، إذ ينص في فقراته الأخيرة على حق الحصول على الماء والعيش في بيئة سليمة والتنمية المستدامة.

 

 

 

المبحث الثاني:تراجع الليبرالية وهيمنة الدولة الوطنية

إذا كان فرانيس فوكوياما صاحب نظرية “نهاية التاريخ” أيد الليبرالية واعتبرها هزمت باقي الإيديولوجيات المنافسة، فإن جائحة كورونا، أثبتت عكس نظريته، وأن النظام الليبرالي يعاني من اختلالات لم يستطيع مقاومة فيروس غير مرئي، إذ شل إقتصادات جل دول العالم.

إذا كان العالم قد تأثر بالنظرية الليبرالية، لأن هذه الأخيرة لم تكن خيارا وإنما ضرورة فرضتها ظروف معينة، فبعد الحرب العالمية الثانية، انطلق عصر الحرب الباردة بين الإتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأمريكية، انتهى بفوز أمريكا وتفكك الإتحاد السوفياتي سنة 1991،وبالتالي أصبح العالم خاضعا لنظام أحادية القطبية مما استوجب اتباع النظام العالمي في تلك الفترة، الذي فرض على الدول التخلي عن أدوارها والإندماج في سياسة جديدة “إقتصاد السوق”، لكن مع أزمة كورونا عادت الدولة الوطنية من جديد، وتجلى هذا في العديد من الإجراءات التي اتخذتها جل دول العالم من إغلاق الحدود وفرض حالات الطوارئ والحجر الصحي، بل أكثر من ذلك إذا كانت الدول في الإتحاد الأوروبي تكون ناقصة السيادة في هذا الإتحاد بحيث تتنازل عن اختصاصاتها، إلا أنه ومع أزمة كورونا لاحظنا كيف تصرفت كل من إيطاليا وإسبانيا بسبب موقف الإتحاد الأوروبي، فإيطاليا حينما كانت تعاني من إرتفاع كبير في الأموات كان الإتحاد الأوروبي مكتوف الأيدي اكتفى فقط بالمشاهدة، فقررت الصين مساعدتها، مما جعل إيطاليا تتخذ موقفا من الإتحاد الأوروبي، وقبل ظهور كورونا، لاحظنا عودة الدولة الوطنية ذات السيادة من خلال انسحاب بريطانيا من الإتحاد الأوروبي هذه السنة، فإذا كانت الليبرالية تتميز بخصائص إلا أن دورها تراجع في ظل أزمة كورونا في المقابل ازداد وتضاعف دور الدولة الوطنية.

ولمعالجة موضوع الدولة ما بعد أزمة كورونا،سنسلط الضوء على التجربة المغربية، ففي أزمة كورونا تجلى المفهوم الجديد للسلطة الذي تبناه صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله منذ إعتلائه عرش أسلافه المنعمين سنة 1999 وبالضبط في الخطاب الملكي السامي 12 أكتوبر1999، إذ تجدست قيم التضامن والتآزر والتآخي بين السلطة والشعب بل تعدتها لمفهوم أكبر وهو التلاحم، وبرزت الدولة الإجتماعية.

إذ تم تفعيل العديد من القرارات من خلال دعم المواطنات والمواطنين عبر صندوق تدبير جائحة كورونا(الذي أحدث بموجب الفصل 70 من دستور 2011 والمادة 26 من القانون التنظيمي للمالية العامة(4))،كما لاحظنا الدولة الوطنية بكل تجلياتها، فالمؤسسة الملكية لعبت دورا مهما من خلال التوجيه والإرشاد والتنسيق بحيث أنها لم تلجأ لإستخدام الزمن الإستثنائي التي يتيحه لها الدستور بموجب الفصل 59 منه بل فضلت الإشتغال تحت سقف الزمن العادي للدستور، كما أنها اشتغلت وراء الستار ولم تفضل الخروج عبر توجيه خطابات كما أنها لم تستغل جائحة كورونا للظهور على السطح كما فعل العديد من رؤساء دول العالم، بل اكتفت بالتسيير والتنسيق وإصدار تعليمات وتوجيهات وراء الستار في إطار احترام تام للدستور كل هذا لبعث الطمأنينة في نفوس المواطنات والمواطنين هنا تظهر حكمة وعبقرية المؤسسة الملكية،وليس كما فعل بعض رؤساء دول العالم بحث وجهوا خطابات فيها نوع من الفزع والرعب للشعب(5)،وبالتالي اشتغلت جل مؤسسات الدولة(الحكومة-البرلمان-القضاء-الأمن-المجلس العلمي الأعلى… إلخ).

إن جائحة كورونا عززت بل زادت من منسوب الثقة بين الدولة والمواطن،ونلاحظ أن جلالة الملك حفظه الله أكد على عنصر الثقة في خطاب العرش لسنة 2019،إذ قال جلالته :…غير أن المرحلة الجديدة، التي نحن مقبلون عليها، حافلة أيضا بالعديد من التحديات والرهانات الداخلية والخارجية، التي يتعين كسبها؛ وفي مقدمتها :

• أولا : رهان تو طيد الثقة والمكتسبات : لكونها أساس النجاح، وشرط تحقيق الطموح : ثقة المواطنين فيما بينهم ، وفي المؤسسات الوطنية، التي تجمعهم، والإيمان في مستقبل أفضل… “.

إن الدولة ما بعد جائحة كورونا أمام تحديات كثيرة لاسيما، الإقلاع الإقتصادي والإجتماعي،ثم تحدي أساسي ومهم ألا وهو إعداد نموذج تنموي يواكب التطورات الدولية والتطورات الداخلية،فينبغي أن يرتكز هذا النموذج على الإصلاح السياسي والإداري، فجلالة الملك في الخطاب السالف الذكر أكد على ضخ دماء جديدة في العمل السياسي والإداري، فالأحزاب السياسية عليها أن تتمتع بعقلية المقاولة وبعقلية جديدة وأن تواكب القرن الحادي والعشرين وأن تعمل على ضخ دماء شابة في العمل السياسي وإعطاءها مراكز مهمة في الحزب لأنه كما قال جلالة الملك نصره الله في خطاب العرش لسنة 2018 :”… والواقع أن الأحزاب تقوم بمجهودات من أجل النهوض بدورها. إلا أنه يتعين عليها استقطاب نخب جديدة، وتعبئة الشباب للانخراط في العمل السياسي، لأن أبناء اليوم، هم الذين يعرفون مشاكل ومتطلبات اليوم. كما يجب عليها العمل على تجديد أساليب وآليات اشتغالها… “، ويجب أيضا القطع مع هذه التعددية المفرطة والإكتفاء فقط بثنائية حزبية في حدود ثلاث أحزاب(الليبرالية، الإشتراكية،المحافظة) كما ينبغي تعديل الفصل 47 من دستور 2011 من خلال الضمان لنخب التكنوقراط بأن يكونوا في تشكيلة الحكومة، فأزمة كورونا أثبتت مدى أهمية نخب التكنوقراط في تدبير الأزمة، فلجنة اليقظة الإقتصادية التي تم إحداثها لعبت دورا مهما في تدبير جائحة كورونا، إذ تقوم وزارة الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة بتنسيق أشغالها، والتي تضم بين أعضائها كل من وزارات الداخلية، والشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، والفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، وزارة الصحة، وزارة الصناعة والتجارة والاقتصاد الأخضر والرقمي.

كما تضم اللجنة في عضويتها وزارة السياحة والصناعة التقليدية والنقل الجوي والاقتصاد الاجتماعي، ووزارة الشغل والإدماج المهني، وبنك المغرب، والمجموعة المهنية لبنوك المغرب، والاتحاد العام لمقاولات المغرب، وجامعة الغرف المغربية للتجارة والصناعة والخدمات، وجامعة غرف الصناعة التقليدية،وبالتالي نخب التكنوقراط وجودهم أساسي في مغرب ما بعد أزمة كورونا، لاسيما أنهم يعتمدون في تدبيرهم على “التخطيط الإستراتيجي القائم على الحكامة الجيدة”.

أما بخصوص الإصلاح الإداري الذي سيعزز كذلك من منسوب الثقة ما بين الدولة والمواطن، فكما قال جلالة الملك في خطاب العرش لسنة 2019:”…فالقطاع العام يحتاج، دون تأخير، إلى ثورة حقيقية ثلاثية الأبعاد : ثورة في التبسيط، وثورة في النجاعة، وثورة في التخليق…”،وبالتالي فالتبسيط والنجاعة والتخليق،لا يمكن أن يتأتى إلا بالتركيز على الرأسمال البشري، لأنه لا تنمية بدون رأسمال بشري ثم كذلك الإعتماد على الإدارة الإلكترونية، ففي أزمة كورونا، وحفاظا على الصحة العمومية تمت رقمنة العديد من القطاعات (التعليم نموذجا) وبالتالي فالدولة ما بعد أزمة كورونا، ستسارع إلى إدماج الجانب الإلكتروني في جل القطاعات العامة، إذ أن التعليم عن بعد سيتم تعميمه ما بعد كورونا، نظرا للنتائج الإيجابية التي أعطاها، بالإضافة سيكون التطبيب عن بعد، ورقمنة الخدمات العمومية والجماعية،كما أن التقاضي إذا كان في جائحة كورونا تم العمل به، فإن الدولة ستعمل على إتخاده كوسيلة دائمة ما بعد أزمة كورونا، وسيتم التخلي عن الأوراق والملفات التي تكلف الكثير لميزانية الدولة وسيتم الإكتفاء بالخدمات الإلكترونية، كما أن الدولة ما بعد جائجة كورونا ستلجأ لتنظيم الإنتخابات عن بعد والتصويت عن بعد والحملات الإنتخابية عن بعد بدلا من الخروج للشارع، إن الإدارة الإلكترونية تعتبر الخيار الإستراتيجي للدولة ما بعد أزمة كورونا.

خلاصة:

إذا كانت جائحة كورونا عززت ووطدت من نسبة الثقة بين الدولة والمواطن، فإنه ينبغي أن يواكبها الإصلاح السياسي للأحزاب والتركيز على الرأسمال البشري وتعميم الإدارة الإلكترونية في جميع مرافق الدولة، كما أن الدولة المغربية في ظل جائحة أظهرت أنها دولة إجتماعية بإمتياز،لكن هذا لا يعني بأن الدولة لم تكن إجتماعية ما قبل كورونا، بل منذ إعتلاء جلالة الملك أعزه الله العرش وهو يولي عناية بالغة بالقطاع الإجتماعي، من خلال إطلاقه للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية،وكذلك من خلال إحداث صندوق التكافل العائلي، وحثه على إخراج السجل الإجتماعي الموحد، وسنختم بمقتطف من الخطاب الملكي السامي بمناسبة عيد العرش لسنة 2018،إذ قال جلالته :”… وفي هذا الصدد فإننا نعتبر المبادرة الجديدة لإحداث “السجل الاجتماعي الموحد” بداية واعدة، لتحسين مردودية البرامج الاجتماعية، تدريجيا وعلى المدى القريب والمتوسط.

وهو نظام وطني لتسجيل الأسر، قصد الاستفادة من برامج الدعم الاجتماعي، على أن يتم تحديد تلك التي تستحق ذلك فعلا، عبر اعتماد معايير دقيقة وموضوعية، وباستعمال التكنولوجيات الحديثة.

إن الأمر يتعلق بمشروع اجتماعي استراتيجي وطموح، يهم فئات واسعة من المغاربة. فهو أكبر من أن يعكس مجرد برنامج حكومي لولاية واحدة، أو رؤية قطاع وزاري، أو فاعل حزبي أو سياسي.

شعبي العزيز،

إن طموحي للنهوض بالأوضاع الاجتماعية، يفوق بكثير وضع آلية أو برنامج مهما بلغت أهميته.. “.

الهوامش:

1-الدكتور الحسن الجماعي، مدخل إلى القانون الدستوري،مطبعة دعاية، الطبعة الثانية-2015،الصفحة: 9.

2-ظهير شريف 1-11-91 الصادر بتنفيذ دستور 2011،بتاريخ 29 يوليوز 2011،الصادر في الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر،بتاريخ 30 يوليوز 2011،الصفحة: 3600.

3-الدكتور الحسن الجناعي،مرجع سابق، الصفحة: 14.

4-ظهير شريف 1.15.62 الصادر بتنفيذ القانون التنظيمي 130.13 المتعلق بالمالية،بتاريخ 2 يونيو 2015،الصادر في الجريدة الرسمية عدد 6370،بتاريخ 18 يونيو 2015،الصفحة: 5810.

5-الدكتور المنتصر السويني،”المؤسسة الملكية ومواجهة فيروس كورونا” ،منشور بجريدة هسبريس، تاريخ التصفح:يوم السبت 27 يونيو 2020،على الساعة الثامنة صباحا.

 


اقرأ المزيد

الدفتر العائلي في ضوء القانون 37.99 المتعلق بالحالة المدنية

الدفتر العائلي في ضوء القانون 37.99 المتعلق بالحالة المدنية


 

نورالدين مصلوحي،

عدل موثق وخريج ماستر القانون والممارسة القضائية.

 

يعد الدفتر العائلي وثيقة إدارية تسجل به المعلومات المتعلقة بالحالة المدنية والعائلية لصاحبه وزوجته أو زوجاته وأبنائهما، يسلمه ضابط الحالة المدنية لمكان ولادة الزوج إن كان لا يتوفر على كناش التعريف والحالة المدنية ليكون مرجعا لإثبات الحالة المدنية والعائلية للزوجين وإثبات ما لهما من أبناء، وليكون سندا لاستخراج البطاقة الشخصية للحالة المدنية لأفراد الأسرة المسجلين به.

وقد تم إحداثه بموجب المادة 23 من قانون الحالة المدنية التي جاء فيها أنه: "يحدث دفتر عائلي للحالة المدنية يحرر باللغة العربية مع كتابة الأسماء الشخصية والعائلية ومكان الولادة وأسماء الأبوين بالحروف اللاتينية بجانب كتابتها بالحروف العربية، ويسلمه ضابط الحالة المدنية لمكان الولادة للزوج المغربي المسجل بالحالة المدنية، إن كان لا يتوفر على كناش التعريف والحالة المدنية، بعد الإشارة إلى عقد زواجه أو وثيقة إثبات زواجه برسم ولادته وبعد فتح ملف عائلي يمسك بالمكتب".

وسنحاول في هذا المقال التطرق إلى الأشخاص الذين يحق لهم الحصول على الدفتر العائلي في المطلب الأول لنخصص المطلب الثاني لمجالات استعمال هذا الدفتر، لنختم بالقوة الإثباتية للدفتر العائلي في المطلب الثالث.

المطلب الأول: الأشخاص الذين يحق لهم الحصول على الدفتر العائلي:

حسب المادة 23 من قانون الحالة المدنية فإن الأشخاص الذين يحق لهم الحصول على الدفتر العائلي هم على النحو التالي: الزوج المغربي المسجل بالحالة المدنية والذي لا يتوفر على كناش التعريف والحالة المدنية، والزوجة أو الزوجات إن وجدن، لكل واحدة منهن الحق في الحصول على نسخة من الدفتر العائلي المسلم لزوجهن مصادقا عليها، كما يحق للمطلقة وكذا للنائب الشرعي الحصول على نفس النسخة.

وبالنسبة للأرملة فلم تتعرض لها المادة 23 السالف ذكرها، لكن بالقياس على المطلقة يكون لها الحق هي الأخرى في الحصول على هذا الدفتر، مادام أن المشرع خول لهذه الأرملة حق القيام بدور النائب الشرعي عن أبنائها القاصرين عند عدم وجود الأب أو فقد أهليته وفقا للمادة 231 من مدونة الأسرة.

المطلب الثاني: مجالات استعمال الدفتر العائلي:

تتعدد مجالات استعمال الدفتر العائلي فبواسطته يمكن إثبات وضعية صاحبه وزوجته أو زوجاته عند التعدد والأبناء تجاه نظام الحالة المدنية، كما يمكن كذلك إثبات وضعية صاحبه وزوجته العائلية، إذ لا يسلم لهما الدفتر إلا بعد الإشارة إلى بيان الزواج بطرة رسمي ولادتهما، وإدراج نفس البيان ومراجعه كذلك بالصفحة المخصصة للزوجة بالدفتر العائلي، ويعتمد هذا الدفتر سندا للحصول على البطاقة الشخصية للحالة المدنية، كما يعتمد من طرف ضابط الحالة المدنية عند طلب شهادة الحياة الجماعية لفائدة الأب وأبنائه.

 ويعد الدفتر العائلي سندا للمحكمة في إعادة تأسيسه سجلات الحالة المدنية في حالة تعرضها للضياع أو التلف، وذلك عند عدم وجود نظائر السجلات الضائعة المودعة بالمحكمة، وعدم وجود الملفات العائلية والخاصة للمعنيين بالأمر بأرشيف مكتب الحالة المدنية أو نسخ قديمة من رسوم الحالة المدنية مستخرجة من هذه السجلات. كما يعد هذا الدفتر كذلك مرجعا ومفتاحا للتعرف على أرقام الرسوم المضمنة في سجلات الحالة المدنية، من أجل استخراج نسخ منها. وهنا تجدر الإشارة إلى أنه يجب على ضابط الحالة المدنية الذي يلاحظ عدم التطابق بين البيانات المضمنة برسوم الحالة المدنية وبين تلك المسجلة بالدفتر العائلي، أو تم إشعاره من قبل المعني بالأمر بوجود عدم تطابق بين ما هو مدون بالدفتر وما هو مضمن بالسجل، أن يبادر بصفة تلقائية إلى تصحيح البيان المشوب بالخطإ داخل الدفتر مع وضع طابع المكتب عليه، حتى يكون مطابقا للرسم الذي بني عليه، وبالتالي اعتماده من طرف صاحبه أو أحد من أفراد عائلته المسجلين به بصورة قانونية وصحيحة عند طلب البطاقة الشخصية للحالة المدنية من ضابط الحالة المدنية لمحل السكنى أو غيرها من المآرب.

المطلب الثالث: القوة الإثباتية للدفتر العائلي:

لقد اعترف المشرع للدفتر العائلي ومن قبله لكناس التعريف والحالة المدنية بنوع من القوة الإثباتية عندما اعتبره إلى جانب نسخة رسم الولادة سندا قانونيا للحصول على البطاقة الشخصية للحالة المدنية التي تقوم مقام النسخة الموجزة من رسم الولادة التي لها هي الأخرى حجيتها في الإثبات إلا ما استثني بنص خاص، كذلك الشأن بالنسبة لاعتماد الدفتر من طرف المحكمة من أجل إصدار حكم بإعادة تأسيس السجلات الضائعة أو التي أصابها تلف عند عدم وجود نظائر السجلات الضائعة والملفات العائلية للمعنيين بالأمر والوثائق الأخرى وفق ما تقضي به المادة 10 من المرسوم التطبيقي لقانون الحالة المدنية، الشيء الذي يجعل الدفتر العائلي يحظى بصورة ضمنية بالقوة الاثباتية التي تحظى بها الوثائق الرسمية الأخرى ما دامت تسلم هي الأخرى من طرف جهة مختصة خولها القانون حق إصدار مثل هذه الوثيقة الهامة. وإلا جردت البطاقة الشخصية المسلمة بناء على هذا الدفتر هي الأخرى من هذه الحجية التي طبعها بها المشرع.


اقرأ المزيد

دسترة قانون خطة العدالة ضرورة ملحة لإنصاف 71 عدل موثق(ة) مقصي(ة)

دسترة قانون خطة العدالة ضرورة ملحة

لإنصاف 71 عدل موثق(ة) مقصي(ة) 


 

رضوان بدلاوي

عدل موثق باستئنافية فاس وباحث بسلك الدكتوراه

في سابقة في تاريخ المهن القضائية والقانونية بصفة عامة وتاريخ خطة العدالة "مهنة التوثيق العدلي" بصفة خاصة تم إقصاء وترسيب واستبعاد 71 عدل موثق(ة)، فخلافا لباقي المهن القانونية والقضائية التي تعتبر الامتحان المهني امتحان استحقاق لا امتحان اقصاء أي ان الامتحان تكون الغاية الاساسية منه هي ترتيب الناجحين الذين ولجوا المهنة وقضوا فترة التمرين كاملة وتوزيعهم على ربوع المملكة توزيعا فرضته المصلحة التوثيقية لسد الخصاص في كل مدينة مغربية، بل حتى من لم يتوفق في الامتحان المهني تمنح له فرصة ثانية وثالثة ورابعة ليتكون أكثر ويجتاز الامتحان المهني وهو أهل لأداء الأمانة التي قلد إياها, فهذا الإقصاء الذي اعتبره البعض اقصاء متعمدا وممنهجا ارتكز على مقتضيات المادة الثامنة من قانون خطة العدالة التي تنص على "يؤدي العدل المتمرن في نهاية فترة التمرين الامتحان المشار إليه أعلاه، فإن لم ينجح فيه وضع حد لتمرينه بقرار لوزير العدل، مع حفظ حقه في المشاركة في المباراة لاحقا." فالتمعن في هذه المادة ومقارنتها مع المقتضيات الدستورية خاصة الفصل 19 من الدستور التي تقر مبدأ المساواة بين جميع المواطنين وكذا جميع المهن القانونية والقضائية والفصل 31 من نفس الدستور الذي كفل الحق في الشغل والتشغيل الذاتي لكل المواطنين دون تمييز أو محاباة، وكذا المادة السابعة من قانون مهنة التوثيق التي نصت على حق الراسب في الامتحان المهني في تمديد فترة التمرين لأربع مرات، وكذلك تعيين 47 فردا من خريجي المدارس العتيقة "حاملي العالمية التي تعادل شهادة الاجازة" دون مباراة فقط تمرين لمدة ثلاثة أشهر،  يفرض تطبيق مبادئ العدل والانصاف والمساواة الدستورية بتخويل العدول الموثقون الحق في تمديد فترة التمرين أو إدماجهم مباشرة في المهنة لا إقاصئهم وحرمانهم من هذا الحق خاصة أن أغلبهم حاملي لشواهد الماستر في القانون الخاص وكذا من بينهم باحثين في سلك الدكتوراه.

 بل إن الجانب الاجتماعي والأخلاقي يفرض هذا لكون أغلبهم استقال من وظيفته التي كان يعيل بها أسرته، بل منهم من استدان ليوفر مصاريف التمرين المكلفة جدا، فكيف يعقل أن يكون شخص مستقرا ماديا وولج مهنة ظنا منه أن أوضاعه ستتحسن وبجرة قلم من وزير العدل يصبح مصيره ومصير أسرته عرضة للضياع والتشرد بوضع حد لتمرينهم !! فإن كنا نتحدث عن تحديث القوانين ودسترتها فإنه ينبغي دسترة أحكام قانون خطة العدالة لتتماها نصوصه مع روح دستور 2011، لكون أحكام هذا القانون لم تعد صالحة لمسايرة عصر الحداثة والرقمنة وحفظ الحقوق وتقرير مبادئ العدالة والانصاف والمساواة لا بين العدول أنفسهم ولا بينهم وبين باقي ممارسي مهنة التوثيق وكذا باقي المهن القضائية.

بل إن التسلسل الكرونولوجي لتعديل القانون المنظم لخطة العدالة يفرض إنصاف العدول الموثقون المقصيين، فالنصوص القانونية التي ترصد تطور الإجراءات الواجب اتخاذها بحق الراسب ابتداء بظهير 1982 المنظم لخطة العدالة  إلى يومنا هذا تقر بحقهم بالتمديد أو الادماج، فبعد أن كان الراسب تمدد فترة تمرينه إلى سنة واحدة ثم يعيد الامتحان المهني فإن لم ينجح فيه أبعد عن المهنة، حسب المادة 5 من ظهير 1982، جاء بعد ذلك تعديل هذه المادة في 2 غشت 1995 والذي قلص مدة التمديد إلى 6 أشهر ثم يعيد الامتحان المهني فإن لم يوفق فيه أبعد عن المهنة، ثم جاء القانون 16.03 الذي نسخ القانون 81.11 المنظم لخطة العدالة ونص على أن وزير العدل يضع حدا لتمرين الراسب، دون أي إشارة لإمكانية التمديد او الادماج، مما يفرض القول أن هذا المقتضى لا ينبغي تفسيره بمعزل عن النص أعلاه وكذا بمعزل عن المقتضيات الدستورية التي تقر مبادئ العدل والإنصاف والمساواة بين جميع المهن، لهذا فإن التفسير القانوني السليم للمادة 7 المشار إليها سلفا يقتضي القول أن وزير العدل يتوجب عليه تمديد فترة التمرين أو منحهم حق الاستدراكية، وله السلطة التقديرية في تقرير المدة وكذا في اجتياز الامتحان المهني من عدمه.

لهذا أقول أن روح الدستور وروح قانون خطة العدالة تفرض استبعاد الإقصاء من المهنة وتطبيق العدل والمساواة، والوزير مقيد بالقانون وملزم بتطبيق روح الدستور وبالتالي فالحل الذي يتماهى مع روح الدستور هو أن  :

💥أن يمدد فترة التمرين لمدة تقل عن 6 أشهر وربما شهر أو شهرين ثم التعيين بعد إجراء امتحان مهني.

💥أن يكون تمديد فترة التمرين ثم التعيين مباشرة دون امتحان مهني.

💥أن يتم تعيينهم بعد اجتياز امتحان استدراكي دون تمديد لفترة التمرين.

💥أن يتم تعيينهم مباشرة دون امتحان ودون تمديد.

وكلها افتراضات تدخل في السلطة التقديرية لوزير العدل التي خولتها له المادة السابعة السالفة الذكر والتي تعكس التطبيق السليم لروح الدستور وروح القانون المحكومة بمبادئ العدل والانصاف والمساواة.✌✌

 

 


اقرأ المزيد

دور النيابة العامة في إعمال سياسة جنائية ضامنة لحقوق الإنسان والصحة العامة لفائدة الأشخاص متعاطي المخدرات عبر الحقن

دور النيابة العامة في إعمال سياسة جنائية ضامنة لحقوق الإنسان والصحة العامة لفائدة الأشخاص متعاطي المخدرات عبر الحقن


 

المختار العيادي

باحث في العلوم الجنائية

مـــــقـــــدمـــــــــــــة:

         تفشت ظاهرة المخدرات وتعاطيها من خلال الدراسات التي أجريت فـي مختلف دول العالم، وجميعها أكدت ما تخلفه المواد المخدرة من آثار ضارة مدمرة سواء اجـــتماعياً أو اقتصادياً أو صحياً.

         وما زالت المخدرات تمثل أهم التحديات التي تواجه المجتمع العربي بل والمجــتمع الدولي بكامله، بعد أن أصبح الإدمان يسبب مشكلات أمنية وصحية واجـتماعــية تجــــتاح معــظــــم دول الــعـــالم بحيث بلغ الإنتاج العالمي من المخدرات معدلات قياسية كما أخذت العصابات الدولية تزداد قوة وتمويلاً وتنظيماً، وامتدت أنشطتها عبر الدول والــقارات حتى أصبحت جرائم المخدرات جرائم بلا وطن.

          وعلى الصعيد المحلي، لم يعد الاتجار غير المشروع بالمخدرات شكلاً من أشـــكـال الإجرام البسيط،الذي يمارسه بعض الأفراد داخل الدولة، بل أصبحنا نواجه اليوم عصابات محلية ودولية منظمة، تسعى بكل قواها لتهريب مختلف أنــواع المخــدرات والمــؤثـــرات العقلية إلى بلادنا، مستغلين موقع المملكة الإستراتيجي.

           ولا شك أن أساليب مـــكـــافــــحـــة المــخـــدرات يستهدف تطويرها ودعم أجهزة المكافحة، ويجب أن يـــؤخذ بـــعــين الاعـتبار ضرورة الاهتمام بالشخص المدمن ومكافحة ظاهرة الادمان أولاً، والعمل على رعايته اللاحقة ثانياً، لتكون جنبا الى جنب مع مكــافــحــة التهريب والاتجار في المواد المخدرة.

           وفي هذا السياق لا بد من الإشارة إلى قرار المجلس التنفيذي لمنظمة الصحة العالمية بتاريخ:15/01/2016 بشأن البعد الصحي العمومي لمشكلة المخدرات العالمية وقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن مشكلة المخدرات العالمية بنيويورك  في الفترة من 19 إلى 21 أبريل 2016 والتي تمخضت عنها توجيهات أساسية بشأن الإعلان السياسي وخطة العمل المتعلقين بالتعاون الدولي لوضع استراتيجية متكاملة ومتوازنة لمواجهة مشكلة المخدرات العالمية والتحديات التي تطرحها والتي أكدت على سياسة الوقاية من متعاطي المخدرات والحد من أوجه الضعف والمخاطر حيث تبين أن تعاطي المخدرات واضطرابات تعاطي المخدرات والحالات الصحية المرتبطة شواغل رئيسية للصحة العمومية فاستخدام العقاقير النفسانية التأثير مسؤول عن أكثر من 400.000 وفاة سنويا.كما تمثل اضطرابات تعاطي المخدرات %55 من إجمالي عبء المرض في العالم،في حين يشكل تعاطي المخدرات عن طريق الحقن ما يقدر ب %30 من حالات العدوى الجديدة بفيروس نقص المناعة البشري الإيدز خارج أفريقيا جنوب الصحراء ويساهم مساهمة كبيرة في حدوث أوبئة التهاب الكبد B  و C في جميع الأقاليم التابعة للمنظمة.

           وعلى غرار دول العالم، يخلد المغرب يوم 26 يونيو 2020،اليوم الدولي لمكافحة إساءة استعمال المخدرات والاتجار غير المشروع بها.

ويمثل هذا الحدث فرصة للقيام بأعمال تحسيسية لصالح جميع الفاعلين المعنيين لتعبئة وﺳﺎﺋﻞ اﻹﻋﻼم، و اﻟﻮزارات واﻟﻤﻨﻈﻤﺎت ﻏﻴﺮ اﻟﺤﻜﻮﻣﻴﺔ ﻟﺪﻋﻢ ﺟﻬﻮد وزارة اﻟﺼﺤﺔ  والفاعلين ﻓﻲ هذا اﻟﻤﻴﺪان.

            وللإشارة فإن وزارة الصحة، وتجاوبا مع توصيات منظمة الصحة العالمية ووكالات الأمم المتحدة في هذا المجال (UNGASS 2016)،التزمت بإرساء استراتيجية شاملة ومتكاملة،تمكن من توفير الرعاية والخدمات الصحية من أجل الوقاية الشاملة للفئات الضعيفة،خصوصا الأطفال والمراهقون والشباب، والعلاج الطبي والعلاج النفسي،والحد من المخاطر المرتبطة بتعاطي المخدرات بالحقن وإعادة الإدماج الاجتماعي والنفسي.

             ويولي صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله أهمية كبرى لبرنامج محاربة الإدمان عبر مؤسسة محمد الخامس للتضامن.

             ويوجد في المغرب حاليا 15 مركزًا متخصصا في طب الإدمان(12 مركزًا للفحص والعلاج اليومي و 03 مراكز استشفائية جامعية) مخصصا للتكفل بالاضطرابات الإدمانية بكل من الرباط والدار البيضاء وطنجة وتطوان ومراكش و وجدة وأكادير وفاس ومكناس،وذلك في إطار برنامج مستمر لتوسيع العرض الصحي على المستوى الوطني،ومن المقرر إنشاء مراكز أخرى ابتداء من هذه السنة على شكل مراكز متنقلة.

ومن أجل ترشيد الموارد،وضعت وزارة الصحة إطاراً لتطوير الشراكات والتعاون المشترك بين القطاعات،عبر اتفاقيات و شراكات بين وزارة الصحة ومختلف الشركاء (مؤسسة محمد الخامس للتضامن،المجتمع المدني،الوزارات،المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، المجلس الوطني لحقوق الإنسان...)،وسيتم وضع وتنفيذ مخططات عمل مشتركة تستهدف على وجه الخصوص السجناء والمهاجرين والنساء والأطفال والمراهقين.

             بالإضافة إلى ذلك،أنشأ المغرب هيئة متخصصة في رصد تطور التعاطي للمخدرات والمشاكل الصحية الناتجة عنها،وكذلك في إنتاج المعلومات المفيدة لاتخاذ القرار في مجال المخدرات والإدمان.ويعتبر المرصد المغربي للمخدرات والإدمان (OMDA) آلية مناسبة لتطوير المعرفة بالوضع فيما يتعلق باستخدام المواد المخدرة  والادمان وعوامله الأساسية.

       والجدير بالذكر أنه في المغرب يبلغ معدل انتشار تعاطي المخدرات بين عامة السكان الذين تبلغ أعمارهم 15 سنة فأكثر 4.1%، أي ما يعادل 800.000 شخص  منهم 2.8% مدمنون على المواد المخدرة. وتتعاطى الساكنة الأصغر سنا للمخدرات والإدمان بشكل متزايد،في المدن الشمالية يرتبط تعاطي المخدرات بالحقن (نسبة انتشار تعاطي الهيروين والكوكايين هي 0.02% و 0.05% على التوالي) بمخاطر انتشار فيروس نقص المناعة البشرية VIH،والتهاب الكبد الفيروسي (C و B) والسل،إلى جانب العواقب الاجتماعية (التهميش والتمييز والعزلة..) والقانونية (الانحراف،والعنف،والإجرام، …).

        وإذا  كان الوضع كذلك فكيف تتعامل النيابات العامة بمحاكم المملكة لمكافحة ظاهرة الإدمان على المخدرات و ما هي أوجه الحماية المتخذة و ما هي مظاهر وتجليات  دور النيابة العامة في مجال حماية مستعملي المخدرات باعتبارهم فئات هشة تستوجب العلاج بدل العقاب ؟هذا ما سنتاوله في مطلبين اثنين.

المطلب الأول: المقاربة الزجرية للنيابة العامة عن طريق مكافحة الإتجار في المخدرات كآلية وقائية للحد من تعاطي المخدرات

         اتخذت المملكة المغربية سياسة واضحة وصارمة من أجل مكافحة كل العمليات المرتبطة بالمخدرات من حيث انتاجها وترويجها ونقلها وتهريبها  واستيرادها وتسهيل استعمالها على الغير وفق سياسة جنائية منسجمة مع الاتفاقيات التي صادقت عليها أهمها الاتفاقية الفريدة للمخدرات لسنة 1961 و اتفاقية فيينا لسنة 1971 للعقاقير المنشطة للذهن واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الاتجار غير المشروع بالمخدرات والمؤثرات العقلية لسنة 1988 واتفاقية باليرمو لسنة 2000 المتعلقة بمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية.

         وفي هذا السياق صدر ظهير 21/05/1974 المتعلق بزجر الإدمان على المخدرات السامة و وقاية المدمنين على هذه المخدرات والذي أدخل عدة تعديلات على ظهير 24/04/1954 المتعلق بزراعة القنب الهدني والتداول فيه واستعماله والاتجار فيه حيث جعل العقوبة الحبسية تصل فيه إلى عشر سنوات حبسا وغرامة 50.000 درهم كما صدر ظهير 09/10/1977 المتعلق بمدونة الجمارك المعدل بظهير 05/06/2000 والذي حدد مجموعة من المساطر المتعلقة بالمصادرة وحدد مجموعة من الجرائم المرتبطة بالمخدرات منها جنح جمركية من الدرجة الأولى وخصصت لها عقوبات تتراوح بين شهر وسنة وغرامات مما يوضح أن المشرع المغربي اتخذ سياسة واضحة المعالم للقضاء على هذه الآفة والحد منها.

           وفي هذا السياق سياق لا بد من التأكيد على أن السياسة الجنائية يضعها المشرع ويتولى تنفيذها السيد رئيس النيابة العامة الذي يتولى تبليغها إلى كافة قضاة النيابة العامة بمحاكم المملكة عبر دوريات ومناشير والتي أعطى فيها السيد رئيس النيابة العامة تعليماته الصارمة والواضحة بمكافحة جرائم حيازة وترويج المخدرات وتهريبها وتسهيل استعمالها على الغير وبضرورة تتبع الأبحاث بشأنها وإيقاف المتورطين فيها ومصادرة الأشياء المرتبطة بها من مخدرات و وسائل النقل وغيرها ومن أهم هذه المناشير و الدوريات:

-           دورية السيد وزير العدل عدد:23 س3 بتاريخ:11/06/2013 المتعلقة بمكافحة ترويج المخدرات الصلبة و الإدمان عليها و التي أعطى فيها تعليماته إلى ضرورة إيلاء عناية خاصة لهذا النوع من القضايا وتتبعها وعدم التردد في المطالبة أثناء المحاكمة بتطبيق عقوبات رادعة واستعمال طرق الطعن التي يخولها القانون كلما ظهر أن العقوبة المحكوم بها لا تتناسب مع خطورة الجريمة و أثرها الاجتماعي.

-           منشور السيد وزير العدل و الحريات رقم:24 س 3 بتاريخ:29/07/2013 حول زراعة القنب الهندي داخل الملك الغابوي .

-           منشور السيد وزير العدل و الحريات رقم:58 س 3 بتاريخ:30/06/2014 حول حجز وسائل النقل في قضايا المخدرات والمؤثرات العقلية والتي حث فيها قضاة النيابة العامة على تتبع الأبحاث الجارية بشأن قضايا المخدرات وبضرورة مصادرة وحجز وسال النقل المستعملة فيها مع حفظ حقوق الغير حسن النية .

-           منشور السيد رئيس النيابة العامة رقم 01 بتاريخ:07/04/2017 و الذي وضع معالم و أوليات السياسة الجنائية وحث فيها قضاة النيابة العامة على احترام تام للقوانين مع مراعاة أولويات السياسة الجنائية القائمة وذلك بإيلاء مزيد من الاهتمام و إعطاء الأولوية للقضايا التي تستأثر باهتمام الرأي العام واتخاذ مواقف وقرارات صارمة وحازمة للتصدي للجرائم التي تمس بالأمن العام والتي تثير الرعب و الفزع بين الناس  التي لها تأثير على حياة الأشخاص وسلامتهم  كالعنف والاعتداءات المسلحة والسرقات بالنشل أو بالعنف و بعض مظاهر التسيب في الأماكن العامة التي تتمثل في التجول بأسلحة بيضاء أو تجول أشخاص بالشوارع بصدور عارية مثلا و هم في حالة تخدير أو سكر ويعترضون المارة ويضايقونهم إلى  جرائم ترويج المخدرات والحبوب المهلوسة بين السكان و لا سيما بين الناشئة أو في المدارس.

المطلب الثاني: المقاربة الحمائية للنيابة العامة الضامنة لحقوق مستعملي المخدرات

            إن السياسة الجنائية المعتمدة تهدف إلى زجر الجرائم الخطيرة والماسة بسلامة المواطنين والأمن العام والنظام العام ولذلك فإن السياسة الجنائية المعتمدة من طرف السيد رئيس النيابة العامة تستهدف ترسيخ تعاملا خاصا مع مستعملي المخدرات والفئات الأكثر عرضة وفي هذا السياق لا بد من الإشارة إلى مظاهر دور النيابة العامة في مجال حماية مستعملي المخدرات :

1)         تعزيز تمتع الأشخاص المدمنين للمخدرات من التمتع بحقوقهم الأساسية المقررة بموجب القوانين والاتفاقيات الدولية المصادق عليها من طرف المملكة المغربية:

          و في هذا السياق لا بد من الإشارة إلى مبادرات السيد رئيس النيابة العامة و مختلف الدوريات و المناشير المرتبطة بالموضوع على مستويين:

أ‌)          على مستوى التكوين:

      في إطار تكوين قضاة النيابة العامة في مجال حقوق الإنسان نظم السيد رئيس النيابة العامة العديد من الندوات والدورات التكوينية والورشات بشراكة مع منظمات دولية لتعزيز قدرات قضاة النيابة العامة في مجال حقوق الإنسان منها مكتب الأمم المتحدة المعني بالجريمة والمخدرات ومنظمة العفو الدولية والمفوضية السامية لحقوق الإنسان وصندوق الأمم المتحدة للتنمية وكذا مع منظمات دولية غير حكومية وكذا مع منظمات مهتمة بمجال الرصد ومراقبة حقوق الإنسان سواء الوطنية أو الدولية.

ب‌)       على مستوى تنفيذ السياسة الجنائية :

       كما قلنا أن السياسة الجنائية يتولى المشرع وضعها و يتولى السيد رئيس النيابة العامة تنفيذها و في هذا السياق يبلغها لكافة قضاة النيابة العامة عبر مجموعة من الدوريات والمناشير ذات الصلة بالمخدرات أهمها منشور السيد رئيس النيابة العامة رقم 01 و الذي أكد فيه على أن الدستور المغربي أكد تشبت المملكة المغربية بمنظومة حقوق الإنسان و القانون الدولي الإنساني و أن المشرع المغربي أولى عناية خاصة بهذه الحقوق ورتب على خرقها جزاءات جنائية ومسطرية جسيمة من بينها الحقوق التي حث عليها السيد رئيس النيابة العامة في هذا المنشور بضرورة إيلاءها الاهتمام البالغ ومن أهم ما جاء في هذا المنشور والتي تهم كذلك مستعملي المخدرات :

-           الحرص على ترشيد استعمال الآليات القانونية الماسة أو المقيدة للحريات و ذلك باستعمالها فقط  في الحالات التي تدعو إليها الضرورة و أن يتم استعمالها وفقا للقانون و دون تجاوز أو تعسف.

-           التصدي للانتهاكات الماسة بالحقوق والحريات بكل حزم وصرامة والأمر بإجراء التحريات والأبحاث بشأنها دون تأخير وعدم التردد في استعمال السلطات التي يخولها القانون بشأنها ولا سيما حين يتعلق الأمر بادعاءات تتعلق بالتعذيب أو الاعتقال التعسفي أو الاختفاء القسري.

-           زيارة أماكن الاعتقال باستمرار لزيارة مخافر الحراسة النظرية والسجون ومؤسسات الأمراض العقلية ومراكز الحداث للتأكد من شرعية الاعتقال ومن تنفيذه وفقا للضوابط و الشروط التي يحددها القانون.

-           ضمان حقوق الدفاع و التمكين القانوني للمشتكين.

-           ترشيد الاعتقال الاحتياطي بعدم اللجوء إلى تدبير الاعتقال إلا في الحالات التي تتوافر فيها الشروط القانونية لإيقاعه ومن خلال ما تفرضه ظروف القضية وملابساتها وتجهيز ملفات المعتقلين الاحتياطيين بسرعة لتمكين القضاة من البت فيها والحرص على تفعيل بدائل الاعتقال الاحتياطي مع التأكيد على الدور الإيجابي للنيابة العامة في تفعيل العدالة التصالحية التي جعلها المشرع من أولويات السياسة الجنائية كبديل لتحريك الدعوى العمومية في بعض القضايا لتخفيف العبء عن المحاكم و بغية الحفاظ على الروابط العائلية.

 2)        تدبير الحراسة النظرية يروم حماية مستعمل المخدرات من إيذاء نفسه أو إيذاء غيره:

  يعتبر الوضع تحت تدابير  الحراسة النظرية  من أخطر الصلاحيات والسلطات التي خولها المشرع لضباط الشرطة القضائية أثناء البحث في جريمة لتعلقها بحرية الإنسان وأمنه القانوني ولذلك نظم المشرع هذا المقتضى وقيده بشروط خاصة ضمانا لإجراءات البحث في هذا السياق نجد المادة 80 من قانون المسطرة الجنائية قد استوجبت لوضع المشتبه به تحت الحراسة النظرية أن تكون الجريمة المرتكبة جناية أو جنحة يعاقب عليها بالحبس.وبالرجوع إلى ظهير 21/05/1974 نجد أن جريمة استهلاك أو استعمال المخدرات تعتبر جنحة يعاقب عليها المشرع بعقوبة حبسية حيث نص الفصل الثامن  من ظهير 21/05/1974 المتعلق  بزجر الإدمان على المخدرات السامة ووقاية المدمنين على هذه المخدرات على أنه

" يعاقب بالحبس من شهرين إلى سنة وبغرامة يتراوح قدرها بين 500 و 5000 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط كل من استعمل بصفة غير مشروعة إحدى المواد أو النباتات المعتبرة مخدرات."

  هذا وتجدر الإشارة أن الغاية من وضع مستعملي المخدرات تحت تدابير الحراسة النظرية هو حمايته من إيذاء نفسه أو إيذاء غيره وفي هذا حماية لمستعمل المخدرات وفي هذا السياق وفي إطار الممارسة العملية نجد بعض نواب وكيل الملك ينتقلون إلى مخافر الضابطة القضائية لاستنطاق المعتقلين من مستعملي المخدرات من الذين تم إيقافهم ويتم الإفراج عنهم فورا وتحدد لهم جلسة لمحاكمتهم وفي هذا ضمان لكرامة الأشخاص الموضوعين تحت الحراسة  النظرية لتفادي الاكتظاظ الذي تعرفه بناية المحكمة الابتدائية وتفادي اختلاطهم مع باقي الأشخاص المقدمين من أجل جرائم أكثر خطورة.

   وفي هذا السياق لا بد من الإشارة إلى أن محاكم الموضوع لا تعاقب الأشخاص المتابعين من أجل جنحة حيازة واستهلاك المخدرات إلا بعقوبة حبسية موقوفة التنفيذ وغرامة مالية بسيطة.

   كما تجدر الإشارة أن مستعملي المخدرات لا يتم إيداعهم بالسجن إلا إذا اقترن ذلك بارتكاب جرائم أكثر خطورة مثل جرائم السرقات أو الاعتداءات بالسلاح الأبيض أو جرائم القتل لما فيها من مساس بالنظام العام وبالسلامة الجسدية للأشخاص أو بممتلكاتهم.

3)         تفعيل آلية علاج المدمن على المخدرات  بدل آلية العقاب:

         نص الفصل الثامن  من ظهير 21/05/1974 على آلية لحماية مدمني المخدرات وذلك بتكريس آلية العلاج بدل آلية العقاب والزجر حيث نص على أنه :

" يعاقب بالحبس من شهرين إلى سنة وبغرامة يتراوح قدرها بين 500 و 5000 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط كل من استعمل بصفة غير مشروعة إحدى المواد أو النباتات المعتبرة مخدرات.

غير أن المتابعات الجنائية لا تجري إذا وافق مرتكب الجريمة بعد فحص طبي بطلب من وكيل جلالة الملك على الخضوع خلال المدة اللازمة لشفائه إلى علاجات القضاء على التسمم التي تقدم أما في مؤسسة علاجية طبق الشروط المنصوص عليها في الفصل 80 من القانون الجنائي وإما في مصحة خاصة تقبلها وزارة الصحة العمومية،ويجب في هاتين الحالتين أن يفحص الشخص المباشر علاجه كل خمسة عشر يوما طبيب خبير يعينه وكيل جلالة الملك ويؤهل هذا الطبيب وحده للبث في الشفاء.

ويصدر وزير العدل بعد استشارة وزير الصحة العمومية قرارا تحدد فيه الشروط التي قد تمكن في بعض الحالات الاستثنائية المتعلقة بالقاصرين على الخصوص من معالجتهم في وسط عائلي.

وتجرى المتابعة الجنائية فيما يخص الأفعال المنصوص عليها في المقطع الأول بصرف النظر عن المتابعات الخاصة بالجريمة الجديدة إذا عاد الشخص خلال أجل الثلاث سنوات الموالية لشفائه إلى ارتكاب جنحة استعمال المخدرات أو ترويجها.

وإذا فتح بحث جاز لقاضي التحقيق بعد استشارة وكيل جلالة الملك الأمر بإجراء علاج للمعنى بالأمر طبق الشروط المقررة في المقطعين 2 و3 أعلاه، ويواصل عند الاقتضاء تنفيذ الوصفة المأمور فيها بالعلاج المذكور بعد اختتام إجراءات البحث.

وإذا تملص الشخص المأمور بعلاجه من تنفيذ هذا الإجراء طبقت عليه العقوبات المقررة في الفصل 320 من القانون الجنائي.

وتطبق مقتضيات الفصل 80 من القانون الجنائي فيما إذا أحيلت القضية على هيئة الحكم.

والسيد رئيس النيابة العامة في منشوره رقم 01  المشار إليه أعلاه حث كافة قضاة النيابة العامة على تفعيل بدائل الاعتقال الاحتياطي وعلى ضرورة  تكريس الدور الإيجابي للنيابة العامة في تفعيل العدالة التصالحية التي جعلها المشرع من أولويات السياسة الجنائية كبديل لتحريك الدعوى العمومية في بعض القضايا لتخفيف العبء على المحاكم من جهة ومن جهة أخرى من أجل الحفاظ على ترابط العلاقات الاجتماعية.

 في هذا الإطار تعتبر هذه الآلية العلاجية فرصة للمدمن لكي يسلك الطريق الصحيح الذي يحفظ كرامته الإنسانية و يسهل عودته إلى المجتمع و إعادة إدماجه .

4)         ترشيد الإعتقال الإحتياطي في مجال جرائم استعمال المخدرات:

 

      حث السيد رئيس النيابة العامة في إطار تنفيذ السياسة الجنائية في مجال استعمال المخدرات كافة قضاة النيابة العامة بموجب العديد من الدوريات على ضرورة ترشيد الاعتقال الاحتياطي وعدم اللجوء إلى تدبير الاعتقال الاحتياطي إلا في الجرائم الخطيرة خاصة:

-           منشور  السيد رئيس النيابة العامة  رقم: 01 الصادر سنة 2017 .

-           دورية السيد رئيس النيابة العامة رقم: 44 س/ر.ن.ع بتاريخ: 15/11/2018 حول ترشيد الاعتقال الاحتياطي .

-           دورية السيد رئيس النيابة العامة رقم: 5 س/ر.ن.ع بتاريخ: 29/01/2019 حول تدابير الاعتقال الاحتياطي.

       وفي هذا الصدد تجدر الإشارة أن النيابات العامة لا تلجأ إلى تدبير الاعتقال الاحتياطي في قضايا استعمال  استهلاك المخدرات بتاتا في إطار الممارسة العملية اليومية بحيث يتم إطلاق سراحهم فور تقديمهم أمام النيابة العامة ولا يتم إيداعهم بالسجن إلا إذا اقترن استعمال المخدرات بأفعال أخرى أكثر خطورة مثل اقتران استعمال المخدرات بأفعال السرقات بالعنف أو الاعتداءات بالأسلحة البيضاء أو جرائم الاغتصاب أو هتك العرض أو القتل.

5)         تعزيز تدابير حماية بعض الفئات الخاصة من مستعملي المخدرات:

       في إطار تعزيز حماية بعض الفئات الخاصة حث السيد رئيس النيابة العامة بموجب المنشور رقم: 01 لسنة 2017 والدورية رقم:8 س /ر.ن.ع بتاريخ:11/02/2019 على ضرورة توفير الحماية لبعض فئات المجتمع بالنظر لاعتبارات محتفلة ولا سيما الهشاشة أو الضعف الجسدي أو بسبب تأثير الجريمة عليهم مثل الضحايا و الأشخاص في وضعية إعاقة و أطفال الشوارع و في هذا الإطار يدخل طبعا بعض الفئات الهشة من مدمني المخدرات الذين يتعرضون لبعض الاعتداءات أو أطفال الشوارع أو في وضعية صعبة أو في وضعية هشاشة وفي هذا الإطار يستفيدون من خدمات التكفل القضائي لخلايا التكفل بالنساء و الطفال ضحايا العنف أو ضحايا الإتجار بالبشر كما يمكنهم الاستفادة من مقتضيات المادتين 510 و 511 من قانون المسطرة الجنائية والتي تتيح لضحايا الجنايات أو الجنح لقاضي الأحداث أو المستشار المكلف بالأحداث إما تلقائيا أو بناء على ملتمسات النيابة العامة إصدار أمر بإيداع الحدث المجني عليه لدى شخص جدير بالثقة أو بمؤسسة خصوصية أو جمعية ذات نفع عام بمؤسسة للعلاج.

كما يمكن للحدث مستعمل المخدرات المتواجد في وضعية صعبة أن يستفيد من مقتضيات المادة 512 من قانون المسطرة الجنائية إذا كانت سلامته ابدنية أو الذهنية أو النفسية أو الأخلاقية معرضة للخطر من جراء اختلاطه بأشخاص منحرفين أو معرضين للانحراف و ذلك بإيداعه بمؤسسة للعلاج إلى حين بلوغه سن الشد القانوني.

6)         تعزيز مراقبة السجون للتأكد من تمتع السجناء و المعتقيلن بحقوقهم و تمكينهم من العلاج:

      نص قانون المسطرة الجنائية وكذا قانون رقم :98-23 المتعلق بتنظيم وتسيير المؤسسات السجنية على مقتضيات خاصة بمراقبة السجون ومنح صلاحيات لوكلاء الملك والوكلاء العامون للملك في مراقبة السجون وأوضاع السجناء للتأكد من مدى تمتعهم بحقوقهم التي منحها لهم القانون ونص على ضرورة القيام بزيارات دورية للمؤسسات السجنية ومراكز الأحداث وفي هذا الصدد لا بد من الإشارة إلى أن قانون المؤسسات السجنية متع السجناء بحقهم في العلاج وفي هذا الإطار تتمكن النيابة العامة في إطار مراقبتها للسجون من مراقبة مدى تمكين السجناء مدمني المخدرات من مواصلة علاجهم من الإدمان عن طريق تمكينهم من الميتادون  ( MÉTHADONE  ) في إطار تنزيل سياسة وزارة الصحة في هذا الإطار المتعلق بعلاج مدمني المخدرات.

7)         تعزيز مراقبة مستشفيات الأمراض النفسية و العقلية:

        حث السيد رئيس النيابة العامة بموجب العديد من الدوريات أهمها الدورية رقم:21 س /ر.ن.ع بتاريخ:14/05/2018 حول زيارة مؤسسات معالجة الأمراض العقلية بضرورة تفعيل مقتضيات المادة 25 من ظهير 30 أبريل 1959 المتعلق بالوقاية من الأمراض العقلية ومعالجتها و حماية المرضى المصابين بها و ذلك بالقيام بزيارات دورية و منتظمة للمؤسسات المذكورة مرة واحدة على الأقل كل ثلاثة أشهر للتحقق من سلامة وصحة ظروف إيداع الأشخاص بمستشفيات الأمراض العقلية ومن احترام الضمانات القانونية المقررة في هذا الإطار.

8)         تفعيل العدالة التصالحية في مجال جرائم استعمال أو استهلاك المخدرات:

         حث منشور رقم: 01 الصادر عن السيد رئيس النيابة العامة سنة 2017 جميع قضاة النيابة العامة على تفعيل العدالة التصالحية كبديل لتحريك الدعوى العمومية تطبيقا للمادة 41 من قانون المسطرة الجنائية و التي نصت على أنه:

" يمكن للمتضرر أو المشتكى به قبل إقامة الدعوى العمومية وكلما تعلق الأمر بجريمة يعاقب عليها بسنتين حبساً أو أقل أو بغرامة لا يتجاوز حدها الأقصى 5.000 درهم،أن يطلب من وكيل الملك تضمين الصلح الحاصل بينهما في محضر.

في حالة موافقة وكيل الملك وتراضي الطرفين على الصلح، يحرر وكيل الملك محضراً بحضورهما وحضور دفاعهما، ما لم يتنازلا أو يتنازل أحدهما عن ذلك، ويتضمن هذا المحضر ما اتفق عليه الطرفان.

يتضمن المحضر كذلك إشعار وكيل الملك للطرفين أو لدفاعهما بتاريخ جلسة غرفة المشورة، ويوقعه وكيل الملك والطرفان.

يحيل وكيل الملك محضر الصلح على رئيس المحكمة الابتدائية ليقوم هو أو من ينوب عنه بالتصديق عليه بحضور ممثل النيابة العامة والطرفين أو دفاعهما بغرفة المشورة، بمقتضى أمر قضائي لا يقبل أي طعن.

 يتضمن الأمر القضائي ما اتفق عليه الطرفان، وعند الاقتضاء ما يلي:

- أداء غرامة لا تتجاوز نصف الحد الأقصى للغرامة المقررة قانوناً؛

- تحديد أجل لتنفيذ الصلح.

إذا لم يحضر المتضرر أمام وكيل الملك، وتبين من وثائق الملف وجود تنازل مكتوب صادر عنه، أو في حالة عدم وجود مشتك، يمكن لوكيل الملك أن يقترح على المشتكى به أو المشتبه فيه صلحاً يتمثل في أداء نصف الحد الأقصى للغرامة المقررة للجريمة أو إصلاح الضرر الناتج عن أفعاله، وفي حالة موافقته يحرر وكيل الملك محضراً يتضمن ما تم الاتفاق عليه وإشعار المعني بالأمر أو دفاعه بتاريخ جلسة غرفة المشورة،ويوقع وكيل الملك والمعني بالأمر على المحضر.

يحيل وكيل الملك المحضر على رئيس المحكمة الابتدائية أو من ينوب عنه للتصديق عليه بحضور ممثل النيابة العامة والمعني بالأمر أو دفاعه،بمقتضى أمر قضائي لا يقبل أي طعن.

توقف مسطرة الصلح والأمر الذي يتخذه رئيس المحكمة أو من ينوب عنه، في الحالتين المشار إليهما في هذه المادة إقامة الدعوى العمومية. ويمكن لوكيل الملك إقامتها في حالة عدم المصادقة على محضر الصلح أو في حالة عدم تنفيذ الالتزامات التي صادق عليها رئيس المحكمة أو من ينوب عنه داخل الأجل المحدد أو إذا ظهرت عناصر جديدة تمس الدعوى العمومية، ما لم تكن هذه الأخيرة قد تقادمت.

يشعر رئيس المحكمة أو من ينوب عنه وكيل الملك فوراً بالأمر الصادر عنه.

 يتأكد وكيل الملك من تنفيذ الالتزامات التي صادق عليها الرئيس."

           وبالرجوع إلى مقتضيات الفصل الثامن من ظهير 21/05/1974 المتعلق بزجر الإدمان على المخدرات السامة ووقاية المدمنين على هذه المخدرات على أنه " يعاقب بالحبس من شهرين إلى سنة وبغرامة يتراوح قدرها بين 500 و 5000 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط كل من استعمل بصفة غير مشروعة إحدى المواد أو النباتات المعتبرة مخدرات". أي أن جريمة استهلاك المخدرات تعتبر جنحة قابلة للصلح الجنائي طبقا للمادة 41 من قانون المسطرة الجنائية ولذلك يمكن للشخص مستهلك المخدرات عند تقديمه أمام السيد وكيل الملك أن يلتمس تطبيق هذه المقتضيات و تفادي تحريك الدعوى العمومية في حقه.

خـــــاتـــمــــــة:

        كل هذه المؤشرات الإيجابية تؤكد أن السياسة الجنائية الوطنية والممارسة العملية للنيابات العامة بمحاكم المملكة تتعامل بشكل رحيم مع مستعملي المخدرات والمدنين عليها واعتبرت الشخص المدمن على المخدرات إنسان مريض يتعين  إيداعه بأحد المستشفيات المتخصصة في محاربة الإدمان  بدلاً من توقيع العقوبة بناء على توصية من وزير الصحة.

        وفي هذا الصدد لا بد من الإشارة أن الممارسة العملية كشفت أن المتعاطين للمخدرات لا يرغبون في المكوث بهذه المؤسسات العلاجية وأنهم يواصلون استعمال المخدرات واستهلاكها  بعد الإفراج عنهم وعلاجهم فتضيع كل المحاولات التي تستهدف إصلاحهم.

        ولذلك يمكن القول أن ظاهرة استهلاك المخدرات والإدمان عليها هي ظاهرة عالمية يتعين لنجاح أية استراتيجية ناجعة لمكافحتها أن ترتكز على الثالوث المتحكم فيها وهي :

1-الوقاية.

2-الملاحقة أي ملاحقة مروجي المخدرات.

3-الحماية أي حماية المدمنين عليها باعتبارهم ضحايا هذه المؤثرات العقلية السامة.       ولذلك تبقى المقاربة الشمولية وتكاثف جهود جميع المتدخلين الحكوميين ومنظمات المجتمع المدني و وسائل الإعلام في مجال التحسيس والتوعية بمخاطر استعمال المخدرات هي المقاربة الكفيلة بمكافحة هذه الظاهرة والحد منها أو على الأقل محاصرتها في نطاقها الضيق

 


اقرأ المزيد
يتم التشغيل بواسطة Blogger.

المساهمات

المساهمات

اشترك في القائمة البريدية

contentieux des affaires ( ISSN ) 2508-9293 © 2014-2016