تابعونا على الفيسبوك

Disqus

الاجتهاد القضائي في ظل حالة الطوارئ الصحية

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

الاجتهاد القضائي في ظل حالة الطوارئ الصحية



عمر المعاش

باحث في العلوم القانونية

 

 لعب الاجتهاد القضائي دورا لا يقل أهمية عن القانون والعرف منذ تولي ألبريتور الشؤون القضائية في العهد الروماني، وتطور في عهد الشريعة الإسلامية، فكان النبي صلى الله عليه وسلم أول قاض في الإسلام، واعتبر الاجتهاد القضائي مصدرا من مصادر الشريعة الإسلامية، بدليل ما أجاب به معاذ ابن جبل عندما عينه رسول الله صلى الله عليه وسلم قاضيا على اليمن وسأله كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ فقال اقضي بكتاب الله، فإن لم أجد فبسنة رسول الله، فإن لم أجد اجتهد رأيي ولا آلو... أما في القانون الإنجليزي فالأهمية التي اكتسبها الاجتهاد القضائي تكاد تفوق الأهمية التي لعبها في القوانين الأخرى. والاجتهاد مأخوذ من فعل اجتهد الشخص يجتهد إذا جد وبذل جهدا للوصول إلى الهدف والمبتغى، أما في اصطلاح الفقهاء فهو عملية استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية في الشريعة وهي القرآن والسنة واجماع العلماء والقياس. وقد عرفه الأستاذ موسى عبود "رحمه الله" بأنه "مجموع الحلول القانونية التي تستنبطها المحاكم بمناسبة فصلها في المنازعات المعروضة عليها". وإذا كان التشريع يعبر عن اختيارات الأمة ومصالحها العامة، فإن الاجتهاد القضائي يتميز بكونه يضمن استمرارية القواعد التشريعية، من خلال ملاءمتها مع الوقائع والنوازل، فالاجتهاد قد يؤمن للتشريع ملاحقة تطورات المجتمع من خلال تطبيق النصوص القديمة بروح جديدة، فبتاريخ 16 مارس 2020 توقفت محاكم المملكة المغربية خشية تفشي وباء كورونا، باستثناء قضايا الموقوفين والقضايا الاستعجالية والتحقيق، ووجد الساهرون على العملية القضائية أنفسهم أمام إشكال عدم وجود نصوص واضحة تسعف في هذه الظرفية أحيانا، فاجتهدت المؤسسات القضائية خيار التقاضي عن بعد واجتهد القضاء الاستعجالي وقضاء التحقيق بالخصوص قواعد ليست على منوال العادة، كلها اجتهادات قضائية فرضتها جائحة كورونا، لكن قد يشكل الاجتهاد القضائي زعزعة لمبدأ الأمن القضائي الذي يفيد الثقة التي يجب أن تنصرف لدهن المتقاضي (المرتفق). فهل أسعفت هذه الاجتهادات القضائية في هذه المرحلة؟ هل شكلت زعزعة لمبدأ الأمن القضائي؟ هل احترمت مبدأ الشرعية؟ هل تبرر الظروف الاستثنائية هذه الاجتهادات؟ وغيرها من التساؤلات طرحت من قبل المتتبعين للشأن القانوني والحقوقي بالمغرب، دون الخوض في مناقشة بعض هذه الاجتهادات التي لازال القضاء يضع يده عليها. نتحدث بداية عن اجتهاد من طرف المؤسسات القضائية بالمملكة، أي الثالوث الذي يدير العملية القضائية وهو المجلس الأعلى للسلطة القضائية، رئاسة النيابة العامة، وزارة العدل، وهو فكرة التقاضي عن بعد، الذي خلف نقاشا حقوقيا على المستوى الوطني، فقد قال البعض بعدم وجود نصوص تؤطر العملية والمادة 3 من مرسوم إعلان حالة الطوارئ الصحية تتعلق بعمل الحكومة بالأساس، وبالتالي ليس سندا قانونيا، وحاول البعض الآخر البحث عن الإطار القانوني داخل القوانين الإجرائية، إلا أن الأغلبية ذهبت مع هذا الاجتهاد لضمانه الحق في الحياة والحق في الصحة أولا، وأكد وزير العدل أن اعتماد تقنية التقاضي الالكتروني إن كان في الظرفية الراهنة يبقى محكوما بشرط استثنائية القوة القاهرة، فإنه مستقبلا يتطلب تدخلا تشريعيا، أولا لتأكيد مبدأ الشرعية الذي يشمل حتى الإجراءات المسطرية ثم لوضع ضوابط التقاضي الالكتروني وارساء قواعد خاصة به. ونتحدث بعد عن القضاء الاستعجالي الذي شكل هذا الظرف (وباء كورونا) عنصر الاستعجال في حد ذاته، فقد لوحظ الاستغناء عن استدعاء الأطراف أحيانا والذي لا يشكل قاعدة في الظروف العادية. كذلك ومن أمثلة الاجتهادات القضائية عدم تنفيذ مقررات الافراغ رغم وجود مقررات نهائية سواء المتعلقة بالمحلات السكنية أو المهنية أو التجارية نظرا للظروف الاستثنائية الناتجة عن جائحة كورونا، مثال منح مهلة استرحاميه في تأجيل تنفيذ الافراغ (محكمة الخميسات 16 مارس 2020). المحكمة الإدارية بالبيضاء 23 مارس في ملف استعجالي عدد 358/2020 أقرت بأحقية المدعي وهو مواطن ليبي علق بمطار محمد الخامس في الولوج للتراب الوطني مع تحديد مكان اقامته، الأمر الذي ألغته محكمة الاستئناف. مثال آخر يتعلق بمنح الاذن لاحدى المالكات على الشياع، بأن تفتح المنزل وتسكن به إلى حين تقديم طلب القسمة نظرا لاحتياجها السكن وللظروف التي نعيشها. قضاء التحقيق كذلك، اتخذ مجموعة من الإجراءات على خلاف الظروف اتخذ العادية مثلا القيام بإجراء استنطاقي ابتدائي وتفصيلي في نفس الآن بعد موافقة المتهم ومؤازره ، فضلا عن تغيير اجراءات إيداع الأحداث وغيرها من الإجراءات التي فرضتها الظروف الحالية. كلها أمثلة من اجتهادات قضائية تمت خلال فترة الطوارئ الصحية الناتجة عن أزمة كورونا، والاجتهاد القضائي كما سبق القول يمكن أن يزعزع مبدأ الأمن القضائي لكن في ظل الظروف الحالية جل الممارسين والاكاديميين متفقين على هذه الاجتهادات في هاته المرحلة و على غير العادة طبعا. وكما سقنا في التقديم فإن الاجتهاد القضائي يؤمن للتشريع ملاحقة تطورات المجتمع من خلال تطبيق النصوص القديمة بروح جديدة، لكن مع مراعاة احترام مبدأ الأمن القانوني والأمن القضائي.


التصنيف :
هام : هذا الموضوع ضمن تصنيفات المدونة زووم العربية نشكرك للمتابعة . يمكنك نقل الموضوع من المدونة لكن بشرط يجب ذكر المصدر و ذكر رابط الموضوع الاصلي قبل نقل أي موضوعالمرجوا زيارة صفحة الخصوصية
نسخ الرابط
نسخ للمواقع

0 التعليقات:

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

المساهمات

المساهمات

اشترك في القائمة البريدية

contentieux des affaires ( ISSN ) 2508-9293 © 2014-2016