تابعونا على الفيسبوك

Disqus

مدى مشروعية اقتطاع الإدارة من أجور الموظفين المضربين

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
مدى مشروعية اقتطاع الإدارة من أجور
الموظفين المضربين


عدنان بوشان
باحت في قانون الشغل والعلاقات المهنية

يكتسي قطاع الوظيفة العمومية أهمية بالغة خاصة بالنسبة للدول النامية نظرا لاستقطابه لفئات عريضة من الموظفين، كما أن المرفق العمومي له أهميته باعتباره يقدم مصلحة عامة ترتبط بحاجيات المجتمع،  وهو ما جعل القانون الدولي يعمل على إقرار حق الموظفين العموميين في التنظيم النقابي وفي ممارسة حق الإضراب، رغم عدم تخصيص أية اتفاقية دولية لموضوع الإضراب كما هو الحال بالنسبة لحق المفاوضة الجماعية والتنظيم النقابي والتمثيلية العمالية.
   وإذا كان دستور فرنسا لسنة 1946 أول دستور يعترف بحق الإضراب كحق دستوري، فإن المغرب هو الآخر قد اعترف بالإضراب للموظفين العموميين من خلال أول دستور له سنة 1962[1]، وأمام غياب طال أمده للقانون التنظيمي للإضراب الذي سيحدد شروط وكيفيات ممارسة هذا الحق، نجد الممارسة العملية لهذا الحق قد أفرزت مجموعة من الإشكالات، فبعد أن تم الانتقال بالنقاش من تجريم الإضراب إلى القول بالمشروعية والحسم فيها، صار النقاش اليوم حول نطاق و حدود هذا الحق بما لا يجعل منه حقا مرهقا يؤثر على استمرارية المرفق العام في أداء خدماته.
  الأمر الذي جعل الإدارة المغربية وبدعم من القضاء الإداري تفرض مجموعة من الضوابط والإجراءات تهدف من خلالها تنظيم ممارسة الإضراب حتى لا يصطدم واستمرارية المرفق العام، وهو ما يطرح السؤال عن مدى دستورية التدخل الإداري في تنظيم الإضراب، وعن مدى دستورية المراسيم والقرارات والمذكرات الوزارية التي صدرت وتصدر لتقييد ممارسة حق الإضراب، ومن بين هذه الإجراءات طبعا الاقتطاع من أجور الموظفين المضربين، فمن أين يستمد هذا الإجراء مصدره خاصة إذا علمنا أن الحق الذي يقابله يجد مصدره من الفصل 29 من الدستور المغربي لسنة 2011 ؟.
  هي إشكالية سنحاول جاهدين مقاربتها من خلال التقسيم التالي : 
المطلب الأول : الاضراب بين الحق الدستوري واستمرارية المرفق العام
المطلب الثاني : أي أساس قانوني للاقتطاع من أجور المضربين


المطلب الأول : الاضراب بين الحق الدستوري واستمرارية المرفق العام
  إن الاعتراف الدستوري بحق الإضراب، يجعل هذا الأخير مكتسبا لمناعة دستورية قوية من أي تدخل للإدارة، يهدف إلى المساس بهذا الحق تحث ذريعة ضمان استمرارية المرفق العام في أداء خدماته، فكيف يمكن القول باتصاف الإضراب في نفس الوقت بوصفي الحق الدستوري (الفصل 29 الدستور المغربي) والتغيب غير المشروع عن العمل (الإدارة المغربية).
الفقرة الأولى: الاضراب حق دستوري
  قبل الاعتراف الدستوري بالحق في الاضراب كان هذا الأخير ممارسة ممنوعة يعاقب عليها القانون، وقد كان أول دستور يقر بهذا الحق هو الدستور الفرنسي لسنة 1946، وغير بعيد عن ذلك تقرر هذا الحق دستوريا بالمغرب مع أول دستور للمملكة المغربية سنة 1962.
  غير أن هذا الحق كان مقررا ولو بشكل ضمني، قبل إقراره من قبل المشرع الدستوري وذلك بموجب ظهير 1946 والذي يشترط ضرورة استنفاد مسطرتي المصالحة والتحكيم قبل اللجوء إلى الإضرب، وظهير 1958 المتعلق بالحريات العامة، الذي لم يمنع ممارسة الإضراب ونفس الشيء بالنسبة للقانون الجنائي، الذي لم يجرم الإضراب رغم تجريمه لبعض الأفعال المصاحبة له كالمس بحرية الشغل[2].
  لقد أقرت جميع الدساتير المتعاقبة بما فيها دستور 2011 الحق في الإضراب كحق دستوري يدخل ضمن الحقوق والحريات الأساسية للأفراد وذلك بموجب الفصل 29 منه، وبعد هذا الاعتراف بالإضراب كحق دستوري أصبح يفترض في كل إضراب أنه مشروع كممارسة لحق دستوري وعلى من يريد اتبات العكس أن يثبت التعسف في استعمال هذا الحق.
  إلا أن الممارسة العملية لهذا الحق الدستوري و في ظل غياب للقانون التنظيمي، أضعفت لحد ما من قيمة هذا الحق مادام أنه حق نظري لم يرقى إلى مصاف باق الحقوق التي تم تنظيم كيفية ممارستها، بل إن الإدارة وأمام هذا الفراغ صارت تبحث عن إجراءات معينة لتنظيم ممارسته بدعوى محاولة خلق توافق بين الحق في الإضراب والسير العادي للمرافق العامة، إلا أن هناك فرقا كبيرا بين إقرار الحق وبين تنظيم ممارسته، فالتنظيم التشريعي لأي حق من الحقوق لا يعني سوى تحديد الشروط والإجراءات اللازمة لممارسته والتي ليس من شأنها بأي حال من الأحوال أن تمس بطبيعة هذا الحق إلى حد تعطيله.
  وإن خير دليل على صعوبة التوفيق بين المصالح المهنية للموظفين المضربين وبين المصلحة العامة التي تقتضي استمرارية المرفق العام في أداء خدماته للجمهور هو عجز السلطة التشريعية ولحد الساعة عن إخراج القانون التنظيمي إلى حيز الوجود.
  الأمر الذي فتح الباب على مصراعيه أمام الإدارة لفرض مجموعة من الشروط و الإجراءات التي تتوخى من خلالها تأمين وضمان السير العادي للمرفق العام، وذلك طبعا تحت مراقبة القضاء الإداري، وهو ما يفرض التساؤل حول مدى اعتبار اقتطاع الادارة من أجور المضربين إجراء لتنظيم ممارسة الإضراب أو أن الأمر فقط ذريعة لغرض الحد من الحق في الإضراب ؟
  إن كل من المجلس الدستوري بفرنسا ومجلس الدولة الفرنسي لما أعطيا إمكانية وضع شروط وإجراءات لتنظيم ممارسة الحق في الإضراب إنما أرادا من ذلك محاولة خلق توازن ما بين متناقضين ممارسة حق مضمون دستوريا و استمرارية المرفق العام[3].
  وإن من بين الشروط والإجراءات التي عمد القضاء الفرنسي إلى الأخذ بها في هذا الإطار ضرورة أن يكون الاضراب مسبوقا بإخطار يقدم للإدارة قبل خمسة أيام كاملة من البدء في الإضراب وهو ما يعطي للإدارة فرصة تدبير شؤونها سواء بالدخول في مفاوضات مع الموظفين بشأن مطالبهم المهنية أو الاستعداد لتدبير المرفق العام أثناء مدة الإضراب، بل فرض كذلك وجوب أن يكون الاضراب قد تمت الدعوة إليه من طرف التنظيم النقابي الأكثر تمثيلا على المستوى الوطني أو المستوى المهني أو المرفق المهني[4].
  إن مجمل القول أن الاقتطاع[5] لا يمكن بأي حال من الأحوال اعتباره إجراء تنظيميا لممارسة الإضراب وإنما هو إجراء تأديبي غايته الضرب على  أيدي الموظفين وحثهم على التراجع عن المكتسبات النضالية للتنظيمات النقابية، بل هو إجراء تمييزي لا زال يستمر العمل به فقد كانت سلطات الحماية أيام الاستعمار تؤيد المضربين الفرنسيين في إضرابهم، ما دام دو طابع مهني وتحرم الموظفين المغاربة من أجورهم عن فترة الاضراب[6].
الفقرة الثانية : هل الاضراب تغيب غير مشروع عن العمل
  غالبا ما تحتج الإدارة لتبرير الاقتطاع من أجور المضربين بأن الإضراب تغيب غير مشروع عن الوظيفة، وذلك بالاستناد إلى القانون رقم 81.12[7] المتعلق بالاقتطاعات من رواتب موظفي وأعوان الدولة والجماعات المحلية المتغيبين عن العمل بصفة غير مشروعة، والمرسوم الصادر بتطبيق هذا القانون[8]، وهو ما يطرح السؤال حول مدى إمكانية اعتبار الإضراب تغيب غير مشروع عن العمل وهل هو فعلا تغيب عن العمل بغض النظر عن مشروعيته من عدمها ؟
  لقد تناول قانون الوظيفة العمومية حالات التغيب القانونية وبطبيعة الحال ليس من بينها الإضراب، لأنه ليس تغيبا[9]، بل هو حق مكفول ومضمون دستوريا، يبقى الهدف منه تطوير الظروف والأوضاع المهنية للموظفين، وعلى اعتبار أن الحق هو مصلحة مشروعة يحميها القانون[10]، فلا يمكن القول باعتباره تغيبا مادام أن هذا الأخير يعد عملا سلبيا.
  فإذا كان الاضراب ليس تغيبا كيف يمكن القول باعتباره تغيبا غير مشروع؟
  جاء في المادة الأولى من مرسوم 10 ماي 2000 المتعلق بتحديد شروط وكيفيات تطبيق القانون رقم 12.81، أن رواتب الموظفين تخضع للاقتطاع متى تبت غيابهم عن العمل بدون ترخيص أو مبرر مقبول، فهل الإضراب كحق دستوري يحتاج إلى ترخيص، إن حق الإضراب كحق أصيل لا يقتضي طلبا من قبل صاحب الشأن ولا يلزم لنشوئه صدور قرار من الإدارة بالترخيص كما هو الشأن لبعض الحقوق السياسية الأخرى[11]، وإذا ما فرضنا ذلك فإن غالبا ما يقوم التنظيم النقابي بإخطار الإدارة بالإضراب ليس باعتباره تغيبا عن العمل وإنما باعتباره حقا دستوريا، فهل يمكن القول بأن الإضراب لا يعتبر مبررا مقبولا للدفع به للإدارة عن فترة ممارسته؟
  إن المبرر مقبولا كان أو غير مقبول لا يكون إلا إذا فرضنا وجود الموظف في حالة تغيب عن العمل، وما دام أن الموظف إنما يمارس حقه النقابي بل هو أساس هذا الحق ألا وهو الإضراب، فهو بذلك بعيد عن أي إجراء تأديبي أو تمييزي، قد يمس وضعيته الإدارية بصفة عامة[12]، وما دام أن الإضراب لا يمكن أن يجمع بين صفتي الحق الدستوري والتغيب عن العمل غير المشروع، فما هو أساس اقتطاع الإدارة من أجور المضربين ؟.


المطلب الثاني : أي أساس قانوني للاقتطاع من أجور المضربين
  إن الإضراب كحق دستوري لا يمكن بأي حال من الأحوال اعتباره تغيبا عن العمل، كما لا يمكن الاستناد إلى قواعد تنظم العلاقات التعاقدية في تأسيس الإدارة للاقتطاعات من أجور المضربين، وإذا كان الفراغ الذي لا زال يعيشه التنظيم القانوني للحق في الإضراب، خلق توترا في العلاقة ما بين الإدارة والموظفين، فإن على القضاء الإداري أن يحاول التأسيس لقواعد جديدة تناسب الطبيعة القانونية لهذه العلاقة. 

الفقرة الأولى: غياب الأساس القانوني للاقتطاع
  أمام غياب القانون التنظيمي للإضراب، جعل الإدارة تستند على مجموعة من القوانين التي لا ترقى إلى مرتبة القانون التنظيمي لمحاولة تنظيم الحق في الإضراب، معتمدة على قاعدة الأجر مقابل العمل.
أولا : غياب القانون التنظيمي
  إذا كان قد صعب على الفقه إعطاء مجرد تعريف شامل جامع لكل عناصر الاضراب، نظرا لتداخل عدة عوامل اقتصادية واجتماعية وسياسية وحتى نفسية في تفسير هذه الظاهرة الانسانية المعقدة، فما بالك  بمدى سهولة وضع قانون يجمع بين طياته كل هذه التداخلات خاصة إذا كان الأمر يتعلق بقانون تنظيمي، وهو ما جعل البعض[13] يتساءل حول مدى إمكانية إخضاع الإضراب لقبضة القانون.
  لقد أعطى المشرع الدستوري اختصاص تنظيم شروط وإجراءات ممارسة حق الاضراب، إلى القانون التنظيمي، هذا إن كان يدل على شيء فإنما يدل على قيمة هذا الحق نظرا للقيمة التي يحتلها القانون التنظيمي في التسلسل الهرمي للقوانين، والذي يقع في مرتبة وسطى ما بين الدستور والقانون العادي، فهو مكمل للدستور ومنبثق عن أحكامه.
  ومادام أن القانون التنظيمي هو المختص بتحديد الشروط والإجراءات التي يمكن معها ممارسة هذا الحق، وهو بذلك المختص بضمان التوفيق بين ممارسة حق الإضراب ومتطلبات حسن سير المرفق العام[14] ، فإن الأمر يقتضي التساؤل عن مدى مشروعية التدخل الإداري الذي من شأنه التطاول على هذا الاختصاص بدعوى تطبيق فكرة النظام العام والمصلحة العامة ؟.
  إن التهاون التشريعي في إصدار القانون التنظيمي للإضراب، فتح المجال بل صار متسعا للإدارة من خلال أعمالها الإدارية التي تهدف إلى ضمان السير العادي للمرفق العام، وبالتالي انتقل الحديث من حديث عن الحق في الإضراب وضرورة اخراج القانون التنظيمي، إلى حديث عن ضمان استمرارية المرفق العام لخدمة المرتفقين.
  وفي انتظار أن يجد المشرع المغربي الصيغة النهائية لمشروع القانون التنظيمي يبقى أملنا في إعمال المشرع المغربي مقتضيات الفصل 86 من الدستور[15] بعد إهمال طال أمده لمقتضيات الفصل 29 من الدستور (الفصل 14 سابقا).

ثانيا : هل يصلح تطبيق قاعدة الأجر مقابل العمل
  يعد موظفا كل شخص يعين في وظيفة قارة ويرسم في إحدى رتب السلم الخاص بأسلاك الإدارة التابعة للدولة[16]، فعلاقة الموظف بالإدارة هي علاقة نظامية تحكمها القوانين والقواعد التنظيمية، حيث أن الموظف بمجرد تعيينه يكون قد شغل مركزا كان قائما وموجودا، فالتعيين لا يخلق وظيفة بقدر ما يعني فقط التصاق الشخص بوظيفة كانت موجودة سلفا ويمارس اختصاصات ومسؤوليات حددتها القوانين[17]، فهل يمكن القول بإمكانية تطبيق قاعدة الأجر مقابل العمل على علاقة الموظف بالإدارة ؟.
  إن قاعدة العمل مقابل الأجر هي قاعدة تستمد أساسها من المبادئ العامة لنظرية العقد، بمعنى أن العقد إذا كان ملزما لجانبين فإن توقف التزام أحد الطرفين يؤدي بلا شك إلى توقف التزام الآخر[18]، فمثلا في عقد الشغل فإنه عند توقف الأجير عن أداء العمل الملزم به تجاه المشغل يصبح هذا الأخير بدوره في حل من التزاماته ومن ضمنها طبعا دفع الأجر تطبيقا لقاعدة لا أجر مقابل عمل[19].
  وقد استقر القضاء والفقه على إعمال هذه القاعدة في العلاقة الشغلية، في غياب أي نص صريح لهذه القاعدة غير ما أشارت إليه مدونة الشغل من توقف عقد الشغل، الأمر الذي يفيد عدم إمكانية تطبيق قاعدة تنبع من علاقة تعاقدية على علاقة نظامية.
  ونتيجة لتطور مفهوم الأجر من مفهوم مدني إلى مفهوم اجتماعي، مما أدى إلى ظهور اتجاه جديد يدعوا إلى قصر الاقتطاع من الأجر فقط على حالة الإضراب غير المشروع، دون الاستناد إلى قاعدة الأجر مقابل العمل، وقد دافع عن هذا الاتجاه الذي سار فيه القضاء اللبناني البعض باعتماد حجج منها الصفة المعيشية للأجر وما يمثله من أولوية في حياة الأجير والموظف وأفراد أسرهم، كما أن ذلك من شأنه حث المشغل و الإدارة على الإسراع في فض النزاع العالق بينها وبين المضربين، الأمر الذي من شأنه كذلك إعطاء قوة إضافية للإضراب باعتباره السلاح الوحيد للأجراء والموظفين في تحقيق مطالبهم المهنية[20].

الفقرة الثانية : موقف القضاء المغربي من الاقتطاع
  بالرجوع إلى الاجتهاد القضائي المغربي فيما يخص الإضراب، نجد ندرة في الأحكام القضائية في هذا الشأن سواء في القطاع الخاص الذي له مبرراته على اعتبار أن تسوية النزاعات الجماعية ليس من اختصاص القضاء بل له مساطر خاصة تناولتها مدونة الشغل في الكتاب السادس منها، بخلاف الأمر بالنسبة للقطاع العام، وقد تضاربت القرارات القضائية حول مسألة مشروعية الاقتطاع من أجر الموظفين بين اتجاهين نعرضهما كالتالي :
أولا : اتجاه يربط مشروعية الاقتطاع بمدى مشروعية الاضراب
  يؤسس هذا الاتجاه قراراته بالربط ما بين مشروعية الاضراب والاقتطاع من أجور الموظفين المضربين، وذلك من خلال بحته عن مدى احترام المضربين للإجراءات والشروط التي استقر عليها القضاء المقارن والمغربي، بمعنى احترام أجل الإخطار ودعوة التنظيم النقابي الأكثر تمثيلا للإضراب، وذلك طبعا حتى لا يتأثر السير العادي واستمرارية المرفق العام في أداء خدماته للمرتفقين.
  وهو ما صرحت به المحكمة الإدارية بمكناس في أحد أحكامها حيث جاء فيه ما يلي " حق الإضراب حق دستوري أكدته جميع الدساتير المتعاقبة .... عدم صدور تشريع تنظيمي يحدد كيفية ممارسة حق الاضراب، لا يعني إطلاق هذا الحق بلا قيود بل لابد من ممارسته في إطار ضوابط تمنع من إساءة استعماله مع مقتضيات النظام العام والسير العادي للمرافق العامة.... وعدم ثبوت كون الاضراب الذي خاضه الطاعن فيه خروج عن الضوابط المذكورة لذلك لا يمكن اعتباره تقصيرا في الواجب المهني وبالتالي تكون عقوبة الانذار على هذه الواقعة لاغية "[21] .   

ثانيا : اتجاه يراقب مدى توفر الشروط الشكلية للاقتطاع
  ينصب اهتمام هذا الاتجاه على مجرد مراقبة مدى قيام الادارة باحترام الشروط الشكلية للاقتطاع من أجور المضربين، المنصوص عليها في المرسوم رقم 2.91.1216 الصادر بتاريخ 10 ماي 2000 المتعلق بتحديد شروط وكيفيات تطبيق القانون رقم 12.81، وهو بذلك لا يجادل في مدى مشروعية الاقتطاع من أجور الموظفين المضربين، بل يؤسسه على قاعدة الأجر مقابل العمل ذات الأصل التعاقدي.
  و هو ما سارت عليه المحكمة الإدارية بالرباط في قرار لها سنة 2013، الذي جاء فيه ".... ما دامت هذه الشكلية مقررة لصالح الموظف لتفادي عنصر المفاجأة في الاقتطاع وتخويل المعني به فرصة التحضير لنتائج النقص الذي تتعرض له أجرته الشهرية تبعا لالتزاماته المالية المترتبة عليه، فتكون شكلية جوهرية تمس بشرعية القرار المخالف لها، وحيث إنه في ظل نفي الطاعن سبق توجيه أي استفسار إليه قبل مباشرة الاقتطاع مع منازعته الجدية في الاخلال بهذا الإجراء الشكلي الجوهري .... مما يكون معه ما أثاره الطاعن بخصوص مخالفة الادارة لعيب الشكل صحيحا من هذه الناحية، ويتعين إلغاء قرار الاقتطاع المطعون فيه لهذه العلة مع ترتيب الآثار القانونية على ذلك"[22].   

خاتمة :
  إن خير ما يمكن أن نختم به هذه الدراسة المتواضعة لموضوع هم ويهم فئة عريضة من الموظفين العموميين الذين حجر عليهم في ممارسة حقهم الدستوري في الإضراب، من خلال الاقتطاع من أجورهم ليس كإجراء تنظيمي للإضراب وإنما تأديبي يهدف إلى تعطيل هذا الحق، هو مطالبة المشرع المغربي بإعمال مقتضيات الفصل 86 من الدستور، بالعمل على إخراج القانون التنظيمي للإضراب قبل انتهاء الولاية التشريعية الأولى التي لم يتبقى لها الكثير، وقد لا يكون لهذا القانون طبعا أن يستجيب لكل الطموحات سواء التي تنشدها الشغيلة أو الموظفين أو حتى الإدارة والقضاء كذلك، لكن يبقى خروجه أفيد من بقاء الحال على ما عليه.


الهوامش :
ü  [1]  بعض الدول منعت الإضراب على الموظفين العموميين باعتباره من الأمور التي تمس أمن الدولة ومصلحة المواطنين، هذا المنع الذي قصرته دول أخرى على بعض الفئات من الموظفين فقط.
ü  2 محمد الشرقاني، مدى مشروعية الإضراب العمالي بالمغرب، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون الخاص، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية الرباط، 1990/1991، ص 96.
ü  3 بلال العشيري، مدى مشروعية إضراب الموظفين العموميين بالمغرب، سلسلة الندوات والأيام الدراسية العدد 29، المطبعة والوراقة الوطنية مراكش، 2009، ص 344.
ü  4  حيت جاء في أحد قرارات القضاء الفرنسي أن الإضراب الذي تمت الدعوة إليه على المستوى الوطني والذي اشتركت فيه السيدة poinsard المعاونة المؤقتة في المستشفى قد سبقه تقديم إخطار وعليه فإن السيدة المذكورة لا تعتبر محلا لتوقيع عقوبة تأديبية
ü  5  كان الأجدر أن تعمد الإدارة المغربية إلى الاقتطاع من أجور الموظفين ليس الذين يمارسون حقهم الدستوري، وإنما الذين تجدهم في المرفق العام دون طائل، منهمكين في تبادل الكلام عن أمور منزلية أو رياضية أو سياسية أو فنية دون الاهتمام بخدمة المرتفقين، فاستمرارية المرفق العام لا تعني فتح أبوابه مدار الأسبوع فقط، وإنما أداء الوظيفة الموكولة له بالشكل المطلوب
ü  6 بلال العشيري، مرجع سابق، ص 349.
ü  7 الظهير الشريف رقم 1.83.230 صادر بتاريخ 9 محرم 1405 (5 أكتوبر 1984) بتنفيذ القانون رقم 12.81 بشأن الاقتطاعات من رواتب موظفي وأعوان الدولة والجماعات المحلية المتغيبين عن العمل بصفة غير مشروعة، الجريدة الرسمية عدد 3764 بتاريخ 19/12/1984، ص 1189.
ü  8 مرسوم رقم 2.99.1216 صادر في 6 صفر 1421 (10 ماي 2000) بتحديد شروط وكيفيات تطبيق القانون رقم 12.81  بشأن الاقتطاعات من رواتب موظفي وأعوان الدولة والجماعات المحلية المتغيبين عن العمل بصفة غير مشروعة، الجريدة الرسمية عدد 4801 بتاريخ 05/06/2000، ص 1333.
ü  9   عبد العزيز العتيقي، الإضراب والاقتطاعات من الأجرة سؤال المشروعية، منشورات المرشد التضامني، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء، 2008/2009، ص 38.
ü  10 ادريس العلوي العبدلاوي، المدخل لدراسة القانون، نظرية الحق، الجزء الثاني،الطبعة الثانية، 1975، ص 35
ü  11 حكم المحكمة الإدارية بالرباط عدد 148 الصادر بتاريخ 2/7/2006، منشور بمنشورات المرشد التضامني، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء، 2008/2009، ص 38.
ü  12  ينص الفصل الرابع عشر من النظام الأساسي للوظيفة العمومية على أنه " يمارس الموظف الحق النقابي ضمن الشروط المنصوص عليها في التشريع الجاري به العمل. ولا ينتج عن الانتماء أو عدم الانتماء إلى نقابة ما أية تبعة فيما يرجع لتوظيف المستخدمين الخاضعين لهذا القانون الأساسي العام وترقيتهم وتعينهم، أو فيما يخص وضعيتهم الإدارية بصفة عامة".
ü  13   محمد الشرقاني، مرجع سابق، ص 20.
ü  14حسن صحيب، بعض إشكالات ممارسة الإضراب في القطاع العام بالمغرب، سلسلة الندوات والأيام الدراسية العدد 29، المطبعة والوراقة الوطنية مراكش، 2009، ص 370
ü  15  ينص هذا الفصل على أنه "تعرض مشاريع القوانين التنظيمية المنصوص عليها في هذا الدستور وجوبا قصد المصادقة عليها من قبل البرلمان، في أجل لا يتعدى مدة الولاية التشريعية الأولى التي تلي صدور الأمر بتنفيذ هذا الدستور".
ü  16  الفصل الثاني من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية.
ü  17  ابراهيم كومغار، القانون الإداري،مطبعة آنفو، فاس،الطبعة الثانية، 2010، ص 27.
ü  18  محمد الشرقاني، مرجع سابق، ص 230.
ü  19  جعلت مدونة الشغل من فترة الإضراب سببا لتوقف عقد الشغل من خلال المادة 32، وهو ما يجعل المدونة قد تناولت أثر الاضراب على عقد الشغل، ما يفرض التساؤل عن دستورية هذا المقتضى ما دام الدستور أعطى الاختصاص بهذا التنظيم للقانون التنظيمي لا القانون العادي.
ü  20 محمد رياض دغمان، النظام العام في علاقات العمل، المؤسسة الحديثة للكتاب، لبنان، الطبعة الاولى، 2014، 258/259.
ü  21 حكم صادر عن المحكمة الادارية بمكناس بتاريخ 12/07/2001، عدد 63/2003غ، منشور بالمجلة المغربية للإدارة والتنمية عدد 42، ص 170.
ü  22 حكم المحكمة الإدارية بالربط رقم 3372 بتاريخ 27/11/2013 ملف رقم 2013/5/262 غير منشور.

اقرأ المزيد

0 التعليقات:

مقاربة حول علاقة الأملاك العمومية بحقوق الإنسان والحريات العامة

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
مقاربة حول علاقة الأملاك العمومية بحقوق الإنسان والحريات العامة





الاستاذ  : الزكراوي محمد
اطار متصرف وزارة الداخلية
باحث في العلوم القانونية والإدارية


مقدمة :

الأملاك الوطنية هي كل الأموال العقارية و المنقولة و الحقوق المتعلقة بها و التي تحوزها الدولة و الجماعات المحلية لتديرها بما يحقق المنفعة العامة للمجتمع كما تساعدها على أداء المهام المنوطة به،
فكما أن المشرع قد منع الشخص الإداري المالك للملك العام من المساس بتخصيصه طالما كان قائما فإن الأفراد يجب عليهم كذلك الانتفاع بالملك العام في حدود الغرض الذي خصص من أجله .فإذا كان انتفاع الأفراد بالملك العام لا يتفق مع تخصيص للنفع العام، كان للإدارة منعه دون حاجة إلي نص خاص كمنع وقوف السيارات في الطريق العام مدة طويلة، أو سحب تراخيص للمخالفين شروط الانتفاع بالملك العام
ذلك أن مسار التقدم و وتيرة الازدهار تقاس بالتحكم العقلاني و العلمي في تنظيم و تسيير هذه الأملاك لذا فان الحلول القانونية السديدة و النجاح أو الإخفاق في مختلف المجالات لأي مذهب أو توجه ، يجد انعكاساته في السياسة القانونية لهذا التنظيم .
بما يتوافق وما كفله المشرع  من حقوق وحريات عامة للأفراد في سبيل تحقيق حكامة رشيدة في تدبير. هده الأملاك  والانتفاع بها بشكل أفضل.
وتكمن أهمية دراسة موضوع الأملاك العمومية في علاقتها بحقوق الإنسان و الحريات العامة. في  الدور الكبير الذي تلعبه في بناء سياسة اقتصادية و اجتماعية ناجعة بالنظر إلى طبيعتها القانونية المتمثلة في عدم  قابليتها للتملك و التصرف و نظرا لكونها عنصرا أساسيا في تسيير وتنظيم مختلف المرافق العامة التي تهدف بدورها إلى إشباع حاجة المجتمع في جميع المجالات .
إن دراسة هذا الموضوع تفرض علينا إتباع طريقة معالجة و تحليل النصوص للوصول إلى معرفة حقيقة و نوعية  الترابط بين تدبير الممتلكات العمومية وحقوق الانسان.
و عليه فقد ارتأينا طرح الإشكال التالي : اين تتجلى مظاهر علاقة الممتلكات العامة في علاقتها بحقوق الإنسان والحريات العامة ؟
و لتحقيق هذه التجليات  لزم الأمر تقسيم مقالنا  إلى مبحثين يسبقهما مبحث تمهيدي نتعرض فيه إلى القوانين التي جاءت تعرف الأملاك العمومية  ا والتحديد القانوني لقائمة الأملاك العامة
لنتناول في المبحث الثاني علاقة الأملاك العامة بحقوق الإنسان والحريات العامة
بحيث سنبرز من خلاله أهمية هده العلاقة وتجلياتها ومدى دورها في تحقيق تنمية مستدامة وحكامة مثلى في حسن تدبير واستغلال الأملاك العامة
وسنتطرق في المبحث الثاني الى دور القضاء الإداري في رقابة و حماية. علاقة الممتلكات بحقوق الإنسان والحريات العامة، فممارسة الأفراد لحقوقهم وحرياتهم لا يمكن حملها بمفهومها الواسع، دون قيد او رقابة، وإنما جعل القضاء لتأمين هده الحقوق وعقلنتها،



التصميم :

المبحث التمهيدي

المبحث الأول ؛ علاقة الأملاك العامة بحقوق الإنسان والحريات العامة

المطلب الأول : تجلياتها علاقة الأملاك العمومية بحقوق الإنسان والحريات العامة

المطلب الثاني : حقوق وواجبات الأفراد اتجاه الأملاك العامة

المبحث الثاني : دور القضاء الإداري في رقابة و حماية. علاقة الممتلكات بحقوق الإنسان والحريات العامة

المطلب الأول : رقابة القضاء الإداري على تصرفات الإدارة والأفراد بخصوص الأملاك العامة

المطلب الثاني : رقابة القضاء على اعمال الضبط الاداري على الاملاك العامة

 خاتمة:

المبحث التمهيدي :

تملك الدولة مجموعة من الاملاك و الحقوق العقارية و المنقولة التي تستغلها اما لحاجياتها الخاصة او تضعها تحت تصرف الجمهور اما بطريقة مباشرة او بواسطة المرافق العمومية يصطلح عليها الاملاك العامة او املاك الدومين العام .ونظرا للخصوصية التي تتميز بها الاملاك العامة و كذالك اههمية الوظائف التي تلعبها .فقد خصها المشرع بنظام حمائي خاص يكفل لها حماية اكبر من تلك المقررة للأصناف الاخرى من الملكية وذالك من خلال تكريس بعض المبادئ  و الاحكام الحمائية التي لا نجد لها مثيلا في نظام الحماية المقرر لباقي أصناف الملكية.
.
وهذا ماذهب إليه الظهير الشريف ( 1 يوليه لسنة 1914 في شأن الأملاك العمومية بالايالة الشريفة بنصه على أنه توجد بايالتنا الشريفة أملاك لايسوغ لأحد ان بتملكلها كما هو جار به العمل في باقي الممالك لأنها على الشياع بين الجميع وتدخل ضمن الأملاك العمومية بحسب الفصل الأول من الظهير كل من :
1 شاطئ البحر الذي يمتد الى الحد الأقصى من مد البحر عند ارتفاعه مع منطقة مساحتها ستة أمتار تقاس من الحد المذكور
2 الاخلجة والمراسي والاموان وملحقاتها
3 المنارات و الفنارات والعلامات التي توضع للإنذار بالخطر وكافة الأعمدة المعدة للاضاءة والانذار بالمخاطر في الشواطئ وملحقاتها
4 مجاري المياه مهما كان نوعها مع منابعها
5 -الآبار المعروفة بالارتوازية والتي يفجر منها الماء وأيضا الآبار والموارد العمومية
6 -البحيرات الكبيرة و الصغيرة والمستنقعات والسياج
7 -الترع التي تسير فيها المراكب والتي تستعمل للري او التي تجفف وتعتبر اشغالا عمومية
8 -الحواجز والسدود والقنوات واشغال التنقية وغيرها مما يحدث بصفة أشغال عمومية وذالك لوقاية الأراضي من طغيان المياه او لحاجيات
المدن او لاستخدام قوة الماء
9 -الطرق والأزقة والسبل و السكك الحديدية الخارجية و الكهربائية و الجسور وعلى العموم طرق المواصلات ايا كان نوعها والتي يستخدمها العموم
10- الأسلاك التلغرافية والتلفونية والأبنية الحديدية المعدة للتلغراف. اللاسلكي
11- كل الاستحكامات والتحصينات المتعلقة بالمواقع الحربية والمراكز
العسكرية. وتوابعها وعلى العموم كل الأراضي والأعمال التي لا يمكن للأفراد أن يمتلكوها لأنها مشاعة
 ومن مميزات هده الأملاك كما سبق بيانه انها لا تقبل التفويت ولا تسقط حقوق الملكية فيها بالتقادم،  ولا يمكن بأي حال الحجز عليها فهي أملاك عمومية على الشياع بين الجميع ومن شأن الحكومة ان تتكلف بتدبير امرها لأنها وكيلة العموم في ذلك
 إلا أنه لماكانت الأملاك العمومية بمقتضى ظهير فاتح يوليو.لسنة 1914 غير قابلة للتفويت ولا يمكن امتلاكها من الغير بطول المدة. فذلك لا يعني عدم قابلية الترخيص بخصوصها
 اذ يمكن الترخيص للجماعات او الأفراد في إشغال بعض الأملاك المذكورة مؤقتاً اذا كان ذالك لايضر بالمنفعة العامة وذالك بموجب مطلب يضمن فيه تصريحا بالغرض من إشغالها والتغيرات المزمع إحداثها بهيئتها.، وهدا ما تم التنصيص عليه في الظهير الشريف ل 24 دجنبر لسنة 1918 المتعلق بإشغال الأملاك العمومية مؤقتا.
وبعد هده التوطئة لمقالنا هذا، نعرج لدراسة المبحثين التاليين ؛

المبحث  الأول : علاقة الأملاك العامة بحقوق الإنسان والحريات العامة

 لاشك ان المشرع أعطى للأفراد حقوقا وحريات، هده الحقوق والحريات تختلف مضامينها بحسب المواضيع المتصلة بها،  لأجل عمل المشرع المغربي على ضمان حمايتها بموجب الوثيقة الدستورية بشكل عام وبموجب قوانين تنظيمية بشكل خاص،
و لأجل استبيان علاقة الأملاك العامة بحقوق الإنسان والحريات العامة، أمكن لنا القول بأن كفالة الدستور لحقوق وحريات الأفراد حق الإنتفاع والاستغلال على قدم المساواة للأملاك والمرافق العامة وبكل حرية شريطة ان  لا يشكل ذالك  ضرار  لما تقتضيه دواعي المصلحة والمنفعة العامة.
 المطلب الأول : تجلياتها علاقة الأملاك العمومية بحقوق الإنسان والحريات العامة
 إذا كانت الأملاك العامة ملك لجميع الناس، فإن كل فرد من أفراد المجتمع حق الانتفاع من مفردات تلك الأملاك، لا فرق بين رجل و مرأة.
و احترام الأفراد عند استعمالهم الملك العام بضرورة احترام تخصيصه للمنفعة العامة، يعتبر التزاما مطلقا يشمل كل من رخص له بالانتفاع بالملك العام
 كما يستمد الانتفاع من تخصيص المال العام، من كونه مقرر للجمهور: للقواعد والشر وط العامة
  المنظمة لشروط الانتفاع القانوني و التي ينبغي معها حماية النظام العام، فضلا عن حماية و ضمان أن أفضل استخدام الملك العام دون الإضرار به
  فحق الانتفاع  من الملك العام  يعتبر من الحقوق العامة التي تكلفها الدساتير عادة للأفراد و بالرغم من أن الانتفاع العام يعتبر مظهر للحقوق الشخصية، و أن الأصل فيه المساواة  بين المنتفعين، وحرية ومجانية الاستغلال إلا أن ذلك لا يعني تقييد حق و سلطة الإدارة في التدخل من خلال  الأوامر و القرارات التنظيمية اللازمة لرعاية النظام العام و الحفاظ على الأملاك العمومية
وتتجلى مظاهر وصور علاقة الأملاك العامة بحقوق الإنسان والحريات العامة، في ما يحكم طبيعية الانتفاع المشترك او الفردي للأملاك العامة من مبادئ عامة تقوم على أساس
المساواة والحرية والمجانية، ومع ذالك فقد توجد اعتبارات خاصة تدعو السلطات العامة إلى الحد من هده المبادئ كلما دعت الضرورة إلى ذلك.
 فمبادئ الاستغلال التي يقوم عليها الملك العمومي في علاقته بالأفراد هي التي تشكل الاساس في علاقة الملك العام بحقوق الإنسان والحريات العامة،  اذ لا يمكن ان نتصور
 تدخل الإدارة للتضيق على هده الحريات والحقوق، فالمشرع المغربي كفل وإلى حد ما هده الحريات للأفراد بموجب الدستور بصفة عامة ومن جهة أخرى بموجب نصوص خاصة كقانون الحريات العامة لسنة 1958.
وهكذا فحرية استعمال الطرق العمومية حق لجميع الأفراد على حد سواء إلى حانب كل حقو
 كل من حرية التجول وركن السيارات بشكل مؤقت في للطرق العمومية،  وحرية دخول الحدائق والمنتزهات والمساحات الخضراء هى حق للجميع، لا يمكن الحد منها إلا بمقتضى القوانين، ويمارسها الأفراد في نطاق من المساواة والمجانية وبكل حرية، كلما تعلق الأمر بالانتفاع والاستغلال المشترك للأملاك العامة من طرف الأفراد.
بقي لنا ان نشير في مقالنا هذا إلى بعض الحالات التي يؤدى عن الانتفاع بهده الأملاك العمومية بعض الرسوم او الاثاواة، والحقيقة أن الأمر لا يتعلق بتكليف او قيد للمبدا العام الذي يقوم على أساس مجانية الانتفاع من الملك العام، كما انه وفي بعض الأحيان ينصب استغلال بعض هده الأملاك على أساس عقود إدارية او رخص بشأنها، والإدارة
نظراً لما تستوجبه العملية من تنظيم وعقلنة. حكامة تلك الأملاك العامة، 
ان استغلال الأملاك العامة. وكما سبقت الاشارة إلى ذالك يجب ان يراعى فيه الاختلاف القائم على أساس طبيعية ونوعية الاستغلال فقد يكون ارتفاعا مشتركا كالاستفادة

  من حرية التجول في الطرقات العامة اوالاصطياف بالأنهار والشواطئ وحرية النزول والاستمتاع بالمناطق الخضراء
 وبين الإنتفاع الفردي او الشخصي بالمك العام، اذ في هده الحالة. يمكن للمعني بالأمر تغيير الاستعمال المخصص له الملك العام شريطة الترخيص له في ذالك.
مادام ذالك الانتفاع الخاص لا يتعارض مع المنفعة العامة الذي خصص من أجلها.
والحقيقة ان علاقة الممتلكات العامة بحقوق الإنسان والحريات العامة لا يمكننا ان تصورها خارج علاقة الحق بالواجب وهذا ما سنتطرق إليه في مطلبنا الثاني
 المطلب الثاني : حقوق وواجبات الأفراد اتجاه الأملاك العامة
 كما سبق وان اشرنا ستلفا
فعلاقة الأملاك العمومية بحقوق الانسان والحريات العامة والفردية. هي علاقة احترام الأفراد والجماعات للحقوق والواجبات التي كفلها المشرع لهم أثناء ممارستهم لحق الانتفاع واستغلال الملك العمومي سواء تعلق الأمر بالاستغلال المشترك او الاستغلال الفردي لها،
وهكذا فاذا تعلق الأمر بالانتفاع الشخصي
 فان استعماله يعتبر  استعمال عارض، يكسب صاحبه حقوقا مؤقتة قابلة للتعديل أو الإلغاء في أي وقت بمعرفة الإدارة إذا دعت إلى ذلك الضرورة، و بذلك تكون سلطة الإدارة تقديرية، و إن كان التقدير المتروك للإدارة يختلف حسب نوعه و طبيعة الترخيص الذي يقرره الانتفاع.
- يكون متوقف على إذن سابق من الإدارة التي لا تسمح به إلا إذا تأكدت من أنه لا يعوق الاقتطاع العام.
- أنه يتعلق باستعمال فردي و غير عادي، و يعطي للمستفيد ميزة لا توفر لغيره من المواطنين، فإن الأصل فيه أن يتم بالمقابل، لأنه ينطوي على حرمان الغير من التمتع بهذا الانتفاع كما أنه يستعمل الملك العام في غير الغرض الذي خصص له، و غالبا يكون هدف صاحبه الربح
نفس الشيء يقال في حالة الانتفاع المشترك باستعمال الملك العام، اذ ان الاستغلال الجماعي لها من طرف الجمهور مباشرة ودونما شرط للحصول على اذن مسبق لا يعني ان طبيعية الحق المخول لهم يكتسي طابعا مطلقا وإنما ممارسته ينبغي ان يتم وفق ضوابط قانونية وتنظيميه ذالك ان حق الولوج إلى الأسواق والشواطئ والمرافق العمومية لا يمكن ان نتصوره خارج احترام تام لمقتضيات التنظيمية والقانون المنظمة لها، ونفس الشيء يقال بالنسبة لحرية استعمال الطرقات العمومية، وحرية التجول بها، فهده الحقوق تتسع وتضيق بحسب احترام. والتزام  الجماعات والأفراد. بالضوابط الإدارية التنظيمية ذالك ان حرية والجماعات
في الانتفاع بالملك العام الجماعي ترد عليها بعض القيود، كون أن استعمال الحقوق و الحريات يتخذ أشكالا مختلفة و يترتب على ممارستها آثار خطيرة في شتى المجالات حيث تغدو الإدارة مطالبة بالتدخل و إلا أدى ذالك إلى إزالة ذات الملك من الناحية القانونية.
و هنا يبرز الدور الذي تقوم به السلطات العمومية عبر مراعاة ما تمثله ضرورات المصلحة العامة و حاجيات ألأفراد و من هذا المنطلق تتدخل سلطات الضبط الإداري عبر قرارات تنظيمية أو فردية لتنظيم حرية الاستعمال و تبيان كيفية و أشكال الاستعمال و حدوده هذه التدابير التي بدورها لا يجب أن تحيد عن الأهداف التي تتوخاها ألا و هي : حفظ النظام العام. بالإضافة إلى حماية الملك العام و الإبقاء على غاياته المرجوة والمتمثلة في اشباع متطلبات الجمهور وتحقيق المنفعة العامة
 ولا ريب في أن موضوع الأملاك. العامة يحتل مكانة هامة فهي عماد النشاط ألاقتصادي حيث كان للتطور الحديث لمهام الدولة وتوسع نشاطاتها أثر كبير في إزدياد أهمية الأملاك  العامة, لذلك فإنها تبقى  في حاجة إلى حماية, سواء جنائيا أو مدنيا, وذلك لصيانتها من الاعتداءات حتى لا تخرج أو تحيد عن الإطار المرسوم لها, المتمثل في تحقيق النفع العام, ذلك
لأن التعدي على الممتلكات العامة   أكثر خطورة من الاعتداء على المال الخاص.وظاهرة الاعتداء على الملك العام تنتشر في المجتمعات بدرجات متفاوتة, ولا يكاد يخلو منها مجتمع واحد, ولهذا فإن مشكلة الاعتداء على الأملاك  العمومية  مشكلة تستدعي توعية شاملة للأفراد والجماعات بأهميتها من جهة، وترتيب الجزاءات في حق كل متطاول ومعتد عليها،
ولن يتأتى ذالك الا بالمحافظة عليها وحمايتها، وهذا ما سنتطرق إليه من خلال مبحثنا الثاني بعنوان

المبحث الثاني: دور القضاء الإداري في رقابة و حماية علاقة الممتلكات العامة بحقوق الإنسان والحريات العامة
 ان دور السلطة القضائية في الحفاظ على الحقوق والحريات والممتلكات العامة والخاصة بمقتضى الدستور والقانون لن يتأتى إلا  من خلال سلطة قضائية مستقلة كفاءة وفعالة في اطار التعاون والتكامل مع سلطات الدولة، ويسعى القضاء الإداري  من خلال القيم التي اخذ على عاتقه في احترام قيمة وكرامة الانسان لتحقيق رؤية السلطة القضائية من خلال التميز في تطبيق سيادة القانون باستقلالية وعدالة تعزز ثقة المجتمع في كفاءة ونزاهة السلطة القضائية

.
المطلب الأول : رقابة القضاء الإداري على تصرفات الإدارة والأفراد بخصوص الأملاك العامة

لقد لعب القضاء الإداري المغربي دورا هاما في مد رقابته على تصرفات الإدارة بمناسبة تدبير الأملاك العامة التي تشرف على تدبيرها وذالك من خلال العمل القضائي ومجموع الاجتهادات القضائية الفاصلة في الموضوع، بل ان الممارسة القضائية لم تقف عند الحد فقط وانما امتدت كذالك إلى صيانة واستئمان حقوق الأفراد والجماعات وحرياتهم في الانتفاع من الاملاك العمومية حفاظا على حقوقهم وحرياتهم من تعسف الإدارة من خلال تصرفاتها التي تكون في بعض الأحيان مشوبة بالشطط في تجاوز السلطة،
بل تم تكريس امتداد رقابة القضاء في الحفاظ على الأموال العامة بإدخال قضاء متخصص في هذا الشأن كالمحاكم المالية والمجلس الأعلى للحسابات والمجالس الجهوية للحسابات، بحيث

فقد عرف المغرب تطورا نسبيا بالنسبة لعملية مراقبة المال العام و كذلك على مستوى توسيع نطاق الرقابة المالية من خلال تخصيص حيز هام لأجهزة القضاء المالي ضمن فصول الدساتير لاسيما دستور المملكة الحالي 2011 الفصل 147 الذي اعتبر بأن المجلس الأعلى للحسابات هيئة عليا مستقل يتولى ممارسة اختصاصات ذات طبيعة رقابية قضائية حقيقية . كما تم تخصيص غرف بمحاكم الاستئناف متخصصة في الجرايم المرتبطة بالمال العمومي في مدن فاس ومراكش والرباط والدار للنظر في الجنايات المنصوص عليها في الفصلين 241 و256 من القانون الجنائي والمتعلقة بالغدر والرشوة والاختلاس والقضايا المرتبطة بها . و قد تلقى القضاة تكوينا في التحقيق حول الجرائم المالية والاقتصادية،
 وعلى اعتبار الأملاك العامة هي أملاك لا تقبل الحجز عليها ولا تفويتها وتخضع للتقادم، فإن القضاء كرس هذا الاتجاه في كثير من المناسبات
حيث ان القضاء الإداري المغربي  أسبغ حمايته على أملاك الدولة الخاصة والعامة  وحظر تملكها بالتقادم أو كسب أى حق عينى عليها بالتقادم أو التعدى عليها
 فالطرق والشوارع والترع والقناطر والجسور وغيرها من الأموال المخصصة للمنفعة العامة، أي المخصصة لاستعمال الجمهور تعتبر أملاكاً عامة - تكون هذه الأشياء مخصصة للمنفعة العامة إما بموجب أداة قانونية مما أورده النص وهذا هو التخصيص الرسمي للمنفعة العامة بأداة قانونية من السلطة المختصة.
وهكذا جاء في -قرار الغرفة الإدارية عدد 794 بتاريخ 30-10-2003 ملف إداري عدد 1070/4/03 قضية محمد بلقاضي ضد حماعة سيدي حرازم
رفض إيقاع الحجز التحفظي على العقارات المملوكة ملكية خاصة للشخص المعنوي العام بعلة أنه يعرض فيه ملاءمة الذمة ولا يخشى عليه العسر ويؤدي ديونه وفق قواعد المحاسبة العامة وهو ما جاء في قرارات أخرى للغرفة الإدارية

ومن  بين  هده الاجتهادات. قرار عدد 120 بتاريخ 2- 11- 2000 ملف إداري 1313 4/1/ 2000 قضية منانة لحلو ضد الجماعة القروية لزواغة حيث قضت المحكمة الإدارية بوجدة برفض  المصادقة على الحجز لدى الغير الذي يجري على الأملاك العامة معللة حكمها بأنه من شأن الحجز أن يعرقل عمل الإدارة في تحقيق النفع العام ويؤدي بالتالي إلى المساس بمبدأ أسير المرافق العامة بانتظام واطراد إضافة إلى الاحتجاج بفكرة أن الإدارة لا يفترض عسرها . وجاء في امر المحكمة

الإدارية بوجدة **أمر استعجالي عدد 02/95 بتاريخ 10 مارس 1995** بين ورثة صالح حمزة ضد المجموعة الحضرية لوجدة وهي تأمر بإجراء حجز تحفظي إلى الاعتماد في قرارها
 على أن المشرع المغربي لم يمنع صراحة حجز الأموال الخاصة للأشخاص المعنوية كما فعل بالنسبة للأموال العمومية كما اعتمدت على منشور لوزير الداخلية عدد 182 بتاريخ 11/05/1991 الدي ينص على ان ممتلكات الجماعات العمومية التي لا تقبل أن تكون محلا للحجز هي الأموال العمومية وحدها دون الأملاك الخاصة التي ليس هناك من الناحية القانونية والقضائية ما يمنع إيقاع الحجز عليها

 بل ان رقابة القضاء لتصرفات الإدارة لم يقتصر على القضاء الإداري المغربي فقط وهكذا دهبت محكمة النقض المصرية في المادة 87 مدنى )
( الطعن رقم 1648 لسنة 56ق جلسة 1996/4/11 س47ج1ص647 ) ان

(المقرر - فى قضاء محكمة النقض - ان للدولة على الاموال العامة حق استعمالها او استثمارها ويجرى ذلك وفقا لاوضاع واجراءات القانون العام وان تصرف السلطة الادارية فى الاموال العامة لانتفاع الافراد بها لا يكون الا على سبيل الترخيص وهذا يعتبر بذاته وبطبيعته مؤقتا وغير ملزم للسلطة العامة التى لها دائما لداعى المصلحة العامة الحق فى الغائه والرجوع فيه قبل حلول اجله ثم هو - عدا ذلك - خاضع لحكم الشروط والقيود الواردة فيه واعطاء الترخيص ورفضه والرجوع فيه كل ذلك من الاعمال الادارية التى يحكمها القانون العام ولا تخضع للقانون الخاص ، وكون الترخيص يصرف بمقابل رسم يدفع لا يخرجة من طبيعته تلك ولا يجعله عقد ايجار)

 وهكدا جاء في شان التعرف علي صفة المال العام . معياره . التخصيص للمنفعة العامة . التخصيص يكون بموجب قانون أو قرار أو بالفعل .

القاعدة:

النص في المادة 87 من القانون المدني من أنه تعتبر أموالا عامة العقارات والمنقولات التي للدولة أو الأشخاص الإعتبارية العامة والتي تكون مخصصة لمنفعة عامة بالفعل أو بمقتضي قانون أو رسم أو قرار من الوزير المختص يدل ـ وعلي ما جري به قضاء هذه المحكمة ، علي أن المعيار في التعرف علي صفة المال العام هو التخصيص للمنفعة العامة ، وأن هذا التخصيص كما يكون بموجب قانون أو قرار يجوز أن يكون تخصيصا فعليا .
( المادة 87 مدنى )
( الطعن رقم 263 لسنة 58 ق جلسة 1989/9/25 س 40 ع 2 ص 829 )

 وبخصوص الأسواق التي تخصصها الدولة أو الأشخاص العامة الأخري للنفع العام ، اعتبارها من الأموال العامة تصرف السلطة الادارية فيها لا يكون الا علي سبيل الترخيص المؤقت ومقابل رسم لا أجرة أثره اعتبارها من الأعمال الادارية وخروجها عن ولاية المحاكم العادية . علة ذلك.

القاعدة:

الأسواق التي تقيمها الدولة أو الأشخاص العامة الأخري تعتبر ـ وعلي ما جري به قضاء هذه المحكمة ـ من الأموال العامة بحكم تخصيصها للمنفعة العامة ، وأن الترخيص بالانتفاع بها يكون مقابل رسم لا أجرة ويعتبر من الأعمال الادارية ولا ولاية للمحاكم العادية عليها في هذا الشأن ، ومن المقرر أيضا أن الأصل في المرافق العامة أن تتولاها الدولة ، الا أنه ليس هناك مانع من أن تعهد الدولة بادارتها واستغلالها الي فرد أو شركة ولا يخرج الملتزم في ادارتها أن يكون معاونا للدولة ونائبا عنها ، وهذه الطريقة غير المباشرة لادارة المرفق العام لا تعتبر تنازلا أو تخليا من الدولة عن المرفق العام ، بل تظل ضامنة ومسئولة عن ادارته واستقلاله قبل الشعب ، ولها في سبيل القيام بهذا الواجب أن تتدخل في شئون المرافق العامة كلما اقتضت المصلحة العامة هذا التدخل ولو كان ذلك قبل انتهاء مدة الترخيص ، ويعتبر الترخيص الصادر من الملتزم لأحد الأشخاص لاستغلال ذا المرفق أو أي جزء منه يعتبر عقدا اداريا .
( المادة 87 مدنى)
( الطعن رقم 152 لسنة 51 ق جلسة 1989/5/25 س 40 ع 2 ص434





المطلب الثاني : رقابة القضاء على اعمال الضبط الاداري على الاملاك العامة

لقد سبق للمجلس الأعلى للحاساب، في تقاريره الأخيرة أن نبه لتداعيات هذا الأمر. وفي سياق مهامه الرقابية، التي أجراها في سنة  2014  حيث لاحظ تهاون السلطات المعنية في حماية الملك العمومي من الاحتلال غير المرخص أو تحصيل الجبايات المحلية المفروضة على شغل الأملاك العمومية بشكل مؤقت. وتوقف  المجلس الأعلى، كذلك، عند عدم احترام بعض الجماعات لمبدأ المنافسة عند اللجوء إلى كراء العقارات التي تدخل ضمن الملك العمومي الجماعي، سواء تعلق الأمر بالمحلات المعدة للسكن أو للأنشطة التجارية أو استغلال الملك الجماعي العام عن طريق اللوحات الإشهارية. وجاء في التقرير المذكور أن استغلال الملك العمومي الجماعي يعرف عدة نقائص، كضعف المراقبة الداخلية والتتبع والتنسيق بين المصالح المعنية.لقد توقف المجلس الأعلى على أن العديد من المحتلين للملك العمومي يقومون بإشهار أنشطتهم التجارية والصناعية والمهنية دون توفرهم على الترخيص الضروري

فكما  سبقنا الإشارة إليه .ان القاعدة في استغلال الأملاك العامة للدولة هي حرية الانتفاع بها وان الاستثناء فيها، هو القيد المشروط بخصوص

كيفية وطرق استغلال الملك العام،  إلا ان ذلك لا يعني خرقا وتقيدا لحريات الجمهور والأفراد في الولوج والاستفادة منها، بل ان المشرع المغربي بوضعه ضوابط عملية وقانونية تحكمها، إنما قصد بذالك تنظيمها وعقلنة تدبيرها وفق مايتطلبه القانون ومقتضيات النظام والسلامة والأمن العمومي، حتى تؤدي إلى النتيجة المرجوة.منها الا

 وهي الانتفاع العام بها على قدر من المساواة وتكافؤ الفرص بين الجماعات والأفراد

ولأجل ذالك جعل من أمانة الحفاظ عليها من اختصاص أعمال الإدارة في إطار ممارسة الإدارة لوظيفة الظبط الاداري

الانه يجب أن يراعي فيها حقوق الأفراد الأساسية وحرياتهم الدستورية لان أعمال الضبط الإداري تتضمن تقييد الحقوق والحريات لفائدة المصلحة العامة ولايمكن أبدا أن تتضمن المنع المطلق لممارستها. ويعتبر القضاء هيئة لها صلاحية المراقبة،يمكنها إلغاء أعمال الضبطية الإدارية غير المشروعة التي لا تستند إلى نص قانوني وذلك لتحقيق الحماية اللازمة للأفراد من تعسف الإدارة

لذا فان المنازعات والدعاوي القضائية المتعلقة بأنشطة وأعمال الشرطة الإدارية تختص بها جهات القضاء الإداري

باعتباره الجهاز المكلف بمراقبة مشروعية القرارات الإدارية المتحدة في إطار ممارستها لأعمال الضبط الإداري،

فقرارات الهدم الصادرة عنه بمناسبة الترخيص فوق الملك العام وإن شكل مخالفة يعاقب عليها القانون، يجب ان يستوفي الشروط والإجراءات القانونية الشكلية والموضوعية، حتى لا يكون معيبا من حيث الشكل هذا بالإضافة إلى كونه يجب ان يصدر عن الجهاز المختص في ذالك وإلا كان مشوبا بعيب عدم الاختصاص

وهكذا جاء في حكم محكمة الرباط الإدارية

في قرارها عدد 1450 المؤرخ في 03/04/2012 ملف عدد 20/12/6 بأن اختصاصات الشرطة الإدارية العامة الجماعية لما لها علاقة وطيدة بالمحافظة على الأمن العام لايمكن

تفويضها حتى في وجود عقد الامتياز، وهكذا لما ذهب المجلس البلدي للرباط بتفويض ممارسة اعمال الشرطة الإدارية في نطاق التفويض بوضع افخاخ للسيارات التي تركن الطرق العمومية فانه بذالك يكون قد خرق احد البنود الرئيسية التي تجعل من هذا الاختصاص. اختصاصا اصيلا لرئيس المجلس بحيث لا يجوز تفويضه لجهة ما،

فالقضاء الاداري كرس رقابته على اعمال الضبط الإداري بمناسبة مباشرتها منظرف الأجهزة المختصة سواء على المستوى المحلي او الوطني، فالقرارات التنظيمية

تعتبر قرارات ذات صبغة عامة ومجردة تفرض أمرا أو منعا على سكان الجماعة أو بعض العناصر دون تعيينهم بذاتهم . كما قد تكون في شكل

تدابير فردية تتضمن أمرا أو منعا أو إذنا يصدر عن رئيس المجلس الجماعي والتي غالبا ما تهم حالات خاصة ولا تطبق الى مرة واحدة . كما يمك ان تأتي في صورة تدابير تلقائية

يقصد بها أن يقوم رئيس المجلس الجماعي ومن تلقاء نفسه بتنفيذ قرار عندما يمتنع الأشخاص المعنيون عن تنفيذ الإجراءات المتضمنة فيها.

فجل هده التدابير الضبطية لا يمكن ممارستها خارج القوانين المنظمة لها، حتى لا تكون موضوعا لدعاوى الالغاء.

وخلاصة القول فظهير 1914 أعتبر الأملاك العامة هي تلك التي تملكها الدولة ملكية قانونية تامة، وهي مفتوحة للاسغلال والولوج إلى الانتفاع بها لسائر الجمهور.، إلا ان ذالك لايعني، عدم تدخل الإدارة في تنظيمها و اتخاذ الإجراءات اللازمة للحفاظ عليها وتثمين الاغراض المخصصة، بل ان تدخل الإدارة لضبظهاو تأمين  حسن سيرها، لا يشكل اي قيد لحريات وحقوق الأفراد والجماعات في مجال الانتفاع بها.

خاتمة :

جاء في فتوى رقم 215 بتاريخ 24/4/2010 – ملف رقم 7/2/256 – جلسة 24/3/2010 – مجلة هيئة قضايا الدولة العدد الثاني 2013 – ص 310 وما بعدها

ما يلي ؛


"  ولما كان المال العام خارج عن إطار التعامل بموجب تخصيصه للنفع العام ، فإن ملكية الدولة لا تكون بذات السلطات التي تملكها الدولة أو الأفراد بالنسبة لما يملكونه ملكية خاصة ، و على ذلك فيد الدولة عليه أقرب إلى يد الأمانة و الرعاية منها إلى يد التصرف و الاستغلال فالحق عليه يقترب من الإشراف و الرقابة  والحراسة له و يبتعد عن حق الملكية المدنية و المشتملة على الانتفاع و الاستغلال و التصرف ، و هذه المزايا الثلاثة التي يتمتع بها المالك في ملكه  لا تتمتع بها الحكومة بالنسبة للأموال العامة لأن الانتفاع بتلك الأموال من حق الجمهور، و قد غل القانون يد الحكومة عن التصرف في الأملاك العامة بالبيع أونحوه ، و من قال بأن حق الدولة على الدومين العام يقترب من حق الملكية قيد ذلك الحق بالتخصيص للمنفعة العامة ، و يتميز المال العام بأنه لا يجوز بيعه و لا تقرير حق ذاتي خاص عليه و لا امتلاكه بوضع اليد المدة الطويلة أو تقرير حق عيني عليه ، و هذا لا يرجع إلى شئ في طبيعة هذا المال بل إلى تخصيصه للمنفعة العامة ، و حظر البيع معناه عدم جواز التصرف في مفردات الأملاك العامة إلا إذا تقرر تحويلها إلى ملك خاص و رفع الصفة العامة عنها ، كما لا يجوز الحجز عليه ، و لما كانت الأموال تصبح عامة بتخصيصها للمنفعة العامة بالفعل أو بمقتضى قانون أو مرسوم أو قرار من الوزير المختص فإنها تفقد صفتها العامة بطريقة قانونية إما بصدور قانون أو مرسوم أو قرار من الوزير المختص بإخراجها من الدومين العام ، أو بطريقة عملية إذا لم تعد مخصصة للمنافع العامة فعلاً .  و الأصل أن المال العام لا يفقد صفته العامة بقرار أو تصرف إداري إلا إذا كان المال ذاته يقبل التحول بهذه الطريقة القانونية و بتوافر دواع و أسباب إنهاء التخصيص للمنفعة العامة لأهداف و أغراض يتحقق بها الصالح العام على نحو أفضل ، و ذلك في إطاراحترام القانون
اقرأ المزيد

0 التعليقات:

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

المساهمات

المساهمات
contentieux des affaires ( ISSN ) 2508-9293 © 2014-2016