الدفع بعدم الاختصاص النوعي في مشروع قانون المسطرة المدنية

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
الدفع بعدم الاختصاص النوعي  في مشروع قانون المسطرة المدنية

العسري الحسين
 طالب باحث في ماستر" منازعات الأعمال" 
 بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية فاس


مقدمة
عرف المغرب منذ فجر الاستقلال مجموعة من الإصلاحات القضائية التي حاولت أن تتجاوز ما كان معهودا في الاستعمار وهو ما تأتى سنة 1965 بقانون المغربة والتعريب، وكذلك بصدور ظهير 1974 المنظم لتنظيم القاضي للمملكة وكذا المسطرة المدنية.
إلا أنه،  ومواكبة للتطورات الإصلاحية عرف المغرب إحداث قضاء متخصص استهله بقانون إحداث المحاكم الإدارية والمحاكم التجارية وذلك سنة 1993 و 1997 على التوالي
الأمر الذي أثار إشكال على مستوى  الاختصاص بين المحاكم، لذلك عمد المشرع المغربي بتنظيمه الدفع بعدم الاختصاص تنظيما محكما، الذي يعتبر الوسيلة المسطرية لحماية قواعد الاختصاص.
من هنا تظهر أهمية هذا الموضوع خاصة على المستوى النظري بحيث أصبح الدفع بعدم الاختصاص النوعي له أهمية كبرى في ظل التنظيم القضائي المغربي خاصة مع التعديلات الجديدة على مستوى مسودة مشروع قانون  المسطرة المدنية.
أما على مستوى العملي،  نجد جل المحاكم المملكة يثار أمامها هذا الدفع، فهو دفع ليس مكلف ولكن من شأنه  تغيير مجريات كسب الدعوى.
وفي ظل هذه الأهمية التي  يكتسيها الموضوع، فإنه يطرح إشكالية أساسية وهي إلى أي حد استطاع المشرع أن يتجاوز العقم المسطري الذي يشكو منه الدفع بعدم الاختصاص النوعي في قانون المسطرة المدنية؟
للإجابة على هذا الإشكال سنعتمد على المنهج المقارن، والتحليلي النقدي وذلك وفق التصميم التالي :
المبحث الأول : طبيعة الدفع بعدم الاختصاص
 المبحث الثاني : إشكالات البث في الدفع بعدم الاختصاص

المبحث الأول : طبيعة الدفع بعدم الاختصاص النوعي
يعتبر الدفع بعدم الاختصاص من الإجراءات  المسطرية التي خولها المشرع للمتقاضين، وذلك حماية لحقوقهم، لذلك يتعين الإحاطة بالطبيعة المسطرية لهذا الدفع (المطلب الأول) وكذا مدى ارتباط هذا الدفع بالنظام العام (المطلب الثاني).
المطلب الأول : الطبيعة المسطرية للدفع بعدم الاختصاص
بالرجوع إلى المادة 16 من ق.م.م. نجد على أن المشرع جعل الدفع بعدم الاختصاص النوعي من الدفوع التي يجب أن تثار قبل كل دفع أو دفاع على اعتبار   أنه من الدفوع الشكلية.
غير أن المشرع في اطار  المادة 3/26 من المشروع نجد على أنه  يسير في اتجاه اعتبار على أن الدفع بعدم الاختصاص، ليس دفعا شكليا، وهو ما يستشف من الفقرة الثانية التي تنص على أنه "يمكن للأطراف الدفع بعدم الاختصاص  النوعي في جميع مراحل الدعوى ...) بمعنى أن المشرع خول للأطراف إثارته في كل مراحل التقاضي وليس قبل كل دفع أو دفاع. وذلك على اعتبار أنه إذا كان من الدفوع  الشكلية لجعل هذا الدفع يثار  قبل كل دفع أو دفاع، وإذا لم يثره قبل الدخول في الموضوع يعتبر كأنه متنازل عنه.
 لذلك نتساءل عن طبيعة عن هذا الدفع هل هو دفع موضوعي؟، إذا كان المشرع  المسطري  في المشروع اعتبره دفع موضوعي، لما جعل هذا الدفع  يثار في المحاكم أولى درجه، على اعتبار انه الدفوع الموضوعية تثار في الدرجة الأولى والدرجة الثانية، اما محكمة النقض فلا يمكن أن يثار أمامها دفع موضوعي على اعتبار انها  محكمة  قانون وليس واقع.
أم يعتبر دفع بعدم القبول، وإخضاعه لمقتضيات المادة 49 من ق.م.م. التي احتفظ بنفس المقتضيات في المشروع؟
كما سلف القول على أن المشرع جعل الدفع بعدم الاختصاص يثار من طرف المحكمة تلقائيا أو من طرف الأطراف في كل  مراحل الدعوى أمام محكمة  أولى درجة، لذلك نجده يتعارض مع مقتضيات المادة 49 من ق.م.م التي تشترط بأن الدفع بعدم القبول يجب ان يثار قبل  كل دفع  أو دفاع، الأمر الذي يمكن القول معه على أنه ليس دفع بعدم القبول. لذلك يجب على المشرع الحسم في طبيعة هذا الدفع في المشروع ؛ كما فعل في ق.م.م الحالي الذي نص في الفصل 16 على أنه يجب أن يثار الدفع بعدم الاختصاص النوعي قبل كل دفع أو دفاع اي قبل كل دفع هو دفع شكلي أو دفاع هو دفع موضوع ، بذلك يمكن القول معه على أنه هو من الدفوع الشكلية.
المطلب الثاني : مدى ارتباط الدفع بعدم الاختصاص النوعي بالنظام العام
بالرجوع إلى مشروع ق.م.م. نجده لم ينص بشكل صريح على أن الدفع بعدم الاختصاص هو من النظام العام، وذلك بتكريسه نفس التوجه  المعمول به في القانون م.م. على عكس ما فعله المشرع بالنسبة للمادة الإدارية، حيث جاء بمقتضى صريح على أن قواعد الاختصاص النوعي من النظام العام (المادة 12) وقد أكد القضاء ذلك في قرار صادر عن محكمة النقض بتاريخ 17/02/2015. حيث جاء فيه " وحيث ان القواعد المتعلقة بالاختصاص النوعي تعتبر من قبيل النظام العام وعلى الجهة القضائية المعروض عليها القضية ان تثيرها تلقائيا ...)[1].
غير أنه بالقراءة المتأنية للفصل المذكور 3/26 نجد على المشرع يسير في اعتبار على ان الدفع بعدم الاختصاص هو من النظام العام وإن كان في تقديرنا ليس مطلقا، وإنما نسبيا وذلك لمجموعة من الاعتبارات حيث سمح للمحكمة الأولى درجة إثارة عدم الاختصاص من تلقاء نفسها وهذا ما نصت عليه 3/ 26 الفقرة الأولى. "تثير تلقائيا محكمة أول درجة أو القسم المتخصص في القضاء التجاري أو الإداري بالمحكمة الابتدائية عدم الاختصاص النوعي".
وكذلك السماح للأطراف (المدعي والمدعى عليه) بإثارة  هذا الدفع.
بل أكثر من ذلك منح للأطراف إثارة هذا الدفع في جميع مراحل الدعوى  أمام محاكم أول درجة.
بذلك يمكن القول على أن هذا الدفع – الدفع بعدم الاختصاص النوعي – من متعلقات النظام العام النسبي. الأمر الذي يمكن القول معه على أن المشرع في المشروع يسير نحو تكريس هذا المقتضى، وهو من سمات ذلك خاصة مع غياب هذا الأمر في ق.م.م.
المبحث الثاني:  إشكالات البث  في  الدفع بعدم الاختصاص  
لقد  حددت المادة 26 / 3 أجل وشكل البت في الدفع بعدم الاختصاص (المطلب الأول) وكذا الجهة القضائية المختصة (المطلب الثاني).
المطلب الأول :أجل وشكل البت في الدفع بعدم الاختصاص النوعي  
لقد أوجب المشرع في مشروع قانون المسطرة المدنية في الفقرة الثالثة من المادة  3/26  على  المحكمة أن تبت  في الدفع بعدم الاختصاص داخل أجل ثمانية أيام من تاريخ إثارة هذا الدفع.
بذلك فقد ساير التوجه المعمول  به في القانون رقم 53.95 المتعلق بإحداث المحاكم التجارية الذي أوجب هو الآخر على المحكمة البث في الدفع بعدم الاختصاص النوعي  داخل اجل ثمانية أيام وذلك ابتداء من تاريخ رفع هذا الدفع.
الأمر الذي يمكن القول معه على أن المشروع تجاوز القصور الذي يعتري الفصل 16 من ق.م.م وذلك لما لهذا الدفع من اهمية عملية، وتأثير على حقوق المتقاضين.
غير أن الإشكال الذي يثار في هذا الصدد حول الجزاء المترتب في حالة عدم بت المحكمة داخل هذا الأجل.
بالرجوع إلى المشروع نجد على أن المشرع لم ينص على جزاء الاخلال بهذا  الأجل الأمر الذي يؤدي إلى التساؤل في حالة عدم احترام المحكمة لهذا الأجل ألا  يعتبر هذا  الأجل من النظام العام؟. وهل يمكن الطعن في هذه الحالة؟
هذا وبالإضافة إلى ذلك نجد على أن المشروع أوجب أن يتم البت  في هذا الدفع بحكم مستقل، متجاوزا في ذلك مقتضيات الفصل 17 من ق.م.م  الذي ينص على انه يجوز إضافة الطلب العارض إلى الجوهر.
ونعتقد على أن المشروع  أحسن صنعا، خاصة لما يطرحه الفصل 17 من ق.م.م من إشكال، وذلك بضم المحكمة الدفع بعدم الاختصاص إلى الجوهر والبت فيه بشكل واحد من شأنه أن يعرقل أو يعطل إجراءات المسطرة وضياع الوقت على المتقاضين، خاصة في القضايا التي تظل في القضاء مدة زمنية طويلة، بحيث يتم ضم هذا الدفع إلى الجوهر وعند البت في كل الطلبات يتبين للمحكمة على أنها ليست مختصة، وتصدر حكم بعدم الاختصاص. آلا يكون من الأجدر الحسم في الاختصاص النوعي دون مرور كل هذا الوقت؟
وهو نفس المقتضى المنصوص عليه في إطار القانون 53.95 السالف الذكر في المادة 8  منه، بحيث أوجبت  على المحكمة البت في الدفع بعدم الاختصاص بحكم مستقل.
بل الاكثر من ذلك فإن المشروع جعل حكم المحكمة غير قابل لأي طعن سواء العادي منه أو غير العادي.
المطلب الثاني: الجهة القضائية المختصة
بعد بت المحكمة في الدفع بعدم الاختصاص داخل أجل 8 ايام في حكم مستقل لا يقبل الطعن كما سلف الذكر، فإذا قضت المحكمة بعدم الاختصاص النوعي أحيلت القضية إلى المحكمة المختصة، وعلى الجهة القضائية المحال إليها القضية البت فيه. وهذا ما نصت  عليه المادة 26 /3 من المشروع.
غير أن الإشكال الذي يثار في هذا الصدد حول مدى إلزامية قرار الإحالة بالنسبة للمحكمة المحال عليها. ماذا لو قضت هذه  الأخيرة– المحكمة المحالة- بعدم الاختصاص النوعي، خاصة وأن  المشروع أجاز لها إثارة هذا الدفع من تلقاء  نفسها ؟
هل ستكون أمام تنازع الاختصاص النوعي خاصة منه السلبي؟ الأمر الذي يدفعنا إلى التساؤل حول الجهة التي سنحتكم لها لفض هذا التنازع؟
بالرجوع إلى قانون المسطرة المدنية نجد على أن المشرع جعل محكمة النقض هي المختصة في البت في الحالة التي لا تكون محكمة مشتركة بين هذه المحاكم وهو ما تم التنصيص عليه في الفصول  388/389/390 من ق.م.م.
إلا أنه في مسودة مشروع نجد أن المشرع ألغى مقتضيات هذه المواد وذلك لجعلها تتماشى ومقتضيات المادة 3/ 26.
الأمر الذي يقتضي البحث من طرف المشرع في مشروع قانون المسطرة المدنية على حلول لهذا الإشكال.
وتجدر الإشارة إلى أن المشرع في المادة 3/ 26 جعل إحالة القضية إلى الجهة المختصة دون مصاريف.

خاتمة

وفي الأخير يمكن إبداء بعض التوصيات  بخصوص هذا الموضوع:

·       ضرورة تحديد طبيعة الدفع بعدم الاختصاص خاصة وأن القانون الساري المفعول حدده بشكل واضح.

·       ضرورة وضع جزاء فيما يتعلق بعدم احترام أجل البت في الدفع.


·       ضرورة تحديد ما إذا كانت الإحالة هي أمر لا يمكن مناقشة أم أنه يجوز للمحكمة المحال إليها هي الاخرى إثارة الدفع.




1 قرار صادر عن محكمة  النقص عدد 118 بتاريخ 17/02/2015 ملف مدني عدد 4209/1/8/2014 منشور في قضاء محكمة النقص عدد 79 سنة  2015 ، ص24.
التصنيف :
هام : هذا الموضوع ضمن تصنيفات المدونة زووم العربية نشكرك للمتابعة . يمكنك نقل الموضوع من المدونة لكن بشرط يجب ذكر المصدر و ذكر رابط الموضوع الاصلي قبل نقل أي موضوعالمرجوا زيارة صفحة الخصوصية
نسخ الرابط
نسخ للمواقع

0 التعليقات:

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

المساهمات

المساهمات

شركاؤونا

شركاؤونا
شركة المنهل

اشترك في القائمة البريدية

contentieux des affaires ( ISSN ) 2508-9293 © 2014-2016