مبدأ شرعية التجريم والعقاب

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
مبدأ شرعية التجريم والعقاب 





أميـنـــــــــة ركــــــاب
أستاذة بجامعة أبي بكر بلقايد –تلمسان-

مقدمــة
لابد للدولة وهي تقوم بأداء وظائفها الداخلية والخارجية من عنصر تنظيمي سياسي مسؤول عن أداء هذه الوظائف يسمى بالسلطة السياسية، وللسلطة السياسية ثلاث هيئات تتولى كل منها مهمة معينة، فأولها الهيئة التشريعية حيث لها سلطة إصدار القواعد القانونية الملزمة في نطاق الدولة وهيئة تنفيذية تتولى تنفيذ ما يصدر عن السلطة التشريعية من قواعد قانونية وهيئة ثالثة تتولى الفصل في المنازعات التي تنشأ بين الأفراد أو بينهم وبين باقي الهيئات ويطلق عليها الهيئة القضائية، ولغرض تنظيم عمل هذه الهيئات اعتبر القانون هو وسيلة السلطة السياسية لضمان الاستقرار في كافة جوانبه الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ومنها الجنائية.
يعد الجانب الجنائي والمتمثل بتجريم أفعال والمعاقبة عليها من أخطر الوسائل التي تمارسها السلطة السياسية في الدولة وذلك لمساس التجريم والعقاب بحريات الأفراد مساسا ملحوظا، وبغية توضيح أساس التجريم والعقاب والمنطلق الذي يحدد كل منهما، ولتأثير ذلك على حرية الأفراد فسوف يتم تناول مبدأ الشرعية في إطار التجريم والعقاب .
ومن ثم يثير هذا المبدأ التساؤل التالي: ما مدى مساهمة مبدأ شرعية التجريم والعقاب في احترام التوقعات القانونية وتحقيق الأمن القانوني؟
وللإجابة على هذه الإشكالية سوف يتم اعتماد التقسيم التالي:
المطلب الأول: مفهوم مبدأ الشرعية وعلاقته السياسة
المطلب الثاني: نتائج مبدأ شرعية التجريم والعقاب
المطلب الثالث: العوامل المؤثرة في مبدأ الشرعية



المطلب الأول: مفهوم مبدأ الشرعية وعلاقته السياسة
يقتضي الأمر أولا التطرق لمقصود مبدأ الشرعية وعلاقته بالسياسة ومدى تأثيرها عليه .
الفرع الأول: مفهوم مبدأ الشرعية
سوف يتم التطرق في هذا الفرع لتعريف مبدأ الشرعية وأهم الانتقادات الموجهة إليه ورد مؤيديه على هذه الانتقادات.
أولا: تعريف مبدأ الشرعية
يعتبر مبدأ شرعية التجريم والعقاب من المبادئ الدستورية الهامة والتي أدرجها المشرع في المواد 46 و47 و140 و142 من دستور 1996[1]، كما أورد هذا المبدأ في نص المادة 1 من قانون العقوبات "لا جريمة ولا عقوبة أو تدبير أمن بغير قانون"[2] ويفهم من هذه المادة الأخيرة حصر مصادر التجريم والعقاب في نطاق النصوص القانونية المكتوبة، وبالتالي استبعاد مصادر القانون الأخرى من المجال التجريمي والعقابي كالشريعة الإسلامية، العرف، قواعد القانون الطبيعي والعدالة.
بعبارة أخرى الفعل يكون مباحا إذا لم يجرمه القانون ولو كانت نصوص الشريعة تجرمه، لذا كان على المشرع إعادة النظر في نص المادة 1 من قانون العقوبات، والأولى أن يستخدم تعبير "...إلا بنص" بدلا من "...إلا بقانون" فالنص يشمل الجانب الشرعي والجانب القانوني.
ثانيا: حقيقة المبدأ
على الرغم من أن المبدأ قد عد من أهم المبادئ الدستورية إلا أنه كان محلا للنقاش الفقهي حول تقديره باعتباره أحد المبادئ الأساسية في التشريعات الجنائية إذ لم يسلم هذا المبدأ من النقد الذي تمثل بالآتي:
- يؤدي هذا المبدأ بالتشريع الجنائي إلــى العجز عــن مواجهة تطـــور الحيــاة وتغيــر الظــروف الاجتماعية والاقتصادية، لأن المشرع عند صياغة النصوص المتضمنة للتجريم والمقررة للعقاب لا يمكن أن يحيط سلفا بكل ما قد تتمخض عنه ظروف الحياة الاجتماعية وهذا من شأنه الإضرار بالجماعة، وخاصة وأن السلطة التشريعية تجتمع في دورات عادية معلومة لا تتوافق مــع هـــذه المستجدات .
- تعارض المبدأ مع نظام تفريد العقاب إذ يعاب عــلى المبدأ أنــه يفترض الجريمــة كيانا قانونيــا متجردا عن شخص مرتكبها ويحدد العقوبة وفــق الأضرار المادية للجريمة لا وفـــق الخطـــورة الكامنة في شخص مرتكبها، لأن المشرع يضــع نصوصا يحدد فيهـــا العقوبة على قــدر جسامــة الجريمة وليس في وسعه أن يجعل العقوبة ملائمة لظروف مرتكبيها لأنه لا يعرف أشخاصهم ولا يستطيع العلم بظروفهم[3].
ونظرا لهذه الانتقادات فقد رد مؤيدو هذا المبدأ بالحجج التالية:
- إن القول أن هذا المبدأ يؤدي بالتشريع إلى الجمود هذا غير صحيح لأن الدستور يقر لرئيس الجمهورية الاختصاص بالتشريع بين دورتي البرلمان العادية، أو في حالة الشغور، أو في الحالات الاستثنائية فيشرع بأوامر وفق المادة 124 من الدستور، وكذلك متى دعت الضرورة يمكن للبرلمان عقد دورات استثنائية.
- لا تعارض بين مبدأ الشرعية وبين تفريد العقاب لاعتراف المشرع للقاضي بسلطة تقديرية يستطيع من خلالها أن يحدد عقوبة تتلاءم وظروف الجاني، إذ يمكن للقاضي الحكم بعقوبة ذو حدين، والأخذ بالظــروف المخففة والحكم بعقــوبة وقــف التنفيــذ.
- إن هذا المبدأ يحقق العدل والمساواة بين جميع الأفراد حيث يجعلهم سواسية أمام القانون، لأن المشرع قد نص على التجريم والعقاب مسبقا وبطريقة عامة ومجردة دون أن يعلم سلفا على من سوف يطبق هذا النص في المستقبل، وبهذا لا يكون هناك أي اعتبار لمن يخالف النص العقابي سواء من ناحية مركزه الاجتماعي أو صفته[4] .
الفرع الثاني: علاقة مبدأ الشرعية بالسياسة
نشأ مبدأ شرعية التجريم والعقاب على أساس سياسي تمثل في ضرورة مواجهة تعسف القضاء وأصبح من الضروري الإجابة على التساؤل الآتي :
هل استمر تأثير العامل السياسي على المبدأ حتى بعد أن نصت عليه أغلب التشريعات ؟
تتنوع أهداف السياسة إذ تهدف السياسة الاقتصادية إلى تحقيق المصالح الاقتصادية التي يجدر حمايتها في مجالات الإنتاج والتوزيع وغيرها ، كما تهدف السياسة الاجتماعية إلى حماية المصالح الاجتماعية، ولا يمكن تحقيق هذه الأهداف إلا بواسطة القانون إذ يسترشد المشرع بالأفكار السياسية السائدة ليضع منهجا وأساسا يستند عليها في عملية التشريع. فالقانون عموما والقانون الجنائي خصوصا ليس مجرد أداة لمنع المعاناة والأذى وإنما هو أيضا إجراء وقائي لما يمكن حدوثه مستقبلا .
وهذا ما يعرف بالسياسة التشريعية إذ تعرف هذه السياسة بأنها الأفكار الرئيسية التي توجه القانون في مراحل إنشائه وتطبيقه .
وبذلك إن قواعد القانون أخذت من أرضية سياسية ويبرز تأثير السياسة على مبدأ الشرعية من خلال ضرورة أن يهدف التشريع إلى تحقيق سياسة معينة، وبالمقارنة بين ما ورد في الدستور يمكن إثبات تأثير السياسة العامة على مبدأ الشرعية، فعدم النص في الدستور على اعتبار الشريعة الإسلامية مصدرا للتشريع انعكس هذا الأمر على مبدأ التجريم والعقاب .
وبهذا يكون المشرع قد ضيق من مدى مبدأ الشرعية فحصر مصدر التجريم والعقاب بالنص القانوني دون النص الشرعي، ولابد للتشريع باعتباره وسيله لتحقيق أهداف مبدأ الشرعية من أن يستند إلى سياسة معينة وإلا اعتبر دليلا أعمى لا يهدي إلى سواء السبيل، فالتشريع بهذا الاعتبار يختلف باختلاف السياسة التي ينتهجها المشرع ففي الدول الاشتراكية وانطلاقا من مفهوم الاشتراكية وارتباطها بالملكية العامة لوسائل الإنتاج لغرض توفير ما يشبع حاجات الأفراد نجد أن المشرع يتدخل في أوجه الحياة المختلفة (السياسية، الاجتماعية، الثقافية، الاقتصادية ) فيجرم ويعاقب كل اعتداء عليها متخذا من التشريع وسيلة لذلك فيكون التشريع في هذه الدول أوسع نطاقا من الدول الرأسمالية، ففي هذه الأخيرة وانطلاقا من مفهوم الرأسمالية القائم على الاحترام الشديد لحقوق الأفراد لا يستطيع المشرع أن يمس هذه الحقوق وأن عليه مراعاتها وحمايتها وبذلك فإن نطاق التشريع في هذه الدول باعتباره وسيلة للتجريم والعقاب، يصبح ضيقا ومحددا بمهام الدولة الحارسة[5] .
ومنا هنا يتضح تأثير العامل السياسي على التشريع باعتباره وسيلة تطبيق مبدأ شرعية التجريم والعقاب .
المطلب الثاني: نتائج مبدأ شرعية التجريم والعقاب
يترتب على اعتماد مبدأ الشرعية عدة نتائج، ولذلك سوف يتم التطرق لها تباعا.
الفرع الأول: مدى سلطة القاضي في تحديد الجريمة
إن نشوء مبدأ شرعية التجريم والعقاب كان لمواجهة تعسف القضاة، فكان من بين أهم نتائجه أن تقرر الجريمة والعقاب بموجب نص تشريعي، وعليه دور القاضي لا يتعدى التطبيق، فالواقعة المعروضة عليه لا تأخذ وصف الجريمة ما لم تكن مطابقة في أوصافها وعناصرها للنموذج الذي حدده المشرع في النص، ومن هنا ظهرت فكرة بناء نظرية تهدف إلى بيان العوامل التي تؤدي إلى تحقيق المطابقة بين الواقعة والنص، وقد أطلق على هذه النظرية بالتكييف، فما هو التكييف؟ وماهي شروطه ؟
أولا: آلية التكييف
يقصد به رد واقعة الدعوى إلى النص القانوني الذي يؤثمها.
بعبارة أخرى هو التسمية التي يمنحها القانون أو القاضي للواقعة المكونة للجريمة أو لطبيعة الجريمة التي تشكلها الواقعة كما أنه يعني تحديد العلاقة القانونية بين الواقعة الإجرامية وبين أحكام القانون التي تنطبق عليها[6].
ومن خلال استقراء هذه التعاريف يمكن تحديد معنى التكييف بأنه تحديد النموذج القانوني للجريمة وفحص الواقعة المرتكبة وحدوث التماثل بينهما ووصف الواقعة المرتكبة بالوصف المحدد في القانون. ومن شروط صحة التكييف:
أ- تحديد النموذج القانوني للجريمة
يعني توفير الشكل القانوني للجريمة الذي يضم كل الأركان اللازمة لقيام الجريمة التي لو تخلف أحدها لامتنع قيامها.
ب- فحص الواقعة المرتكبة
لابد للقاضي أن يتفحص عناصر الواقعة والمتمثلة في الفعل الذي قام به الجاني والنتيجة الذي ترتبت عليه وماهو الباعث الذي دفعه إلى ارتكاب هذا الفعل وهل كان قاصدا ارتكابه أم لا، فكل هذه العناصر يجب مراعاتها في عملية التكييف، لأن الجريمة كحقيقة واقعية سلوك ليس من شأن الرجل العادي أن يتخذه لو وجد في الظرف ذاته.
ج- حدوث التماثل بين مكونات النموذج القانوني للجريمة مع العناصر المكونة للواقعة
بمعنى استحضار العناصر المكونة للنص والعناصر المكونة للواقعة فإذا حدث التطبيق بين الطرفين تحققت صحة التكييف، وإلا لا نكون بصدد تكييف دقيق.
ثانيا: آلية التفسير
ويقصد به تحديد المعنى الذي يقصده الشارع من ألفاظ النص لجعله صالحا للتطبيق على الوقائع المعروضة عليه.
واعتماد القاضي على آلية التفسير وجب عليه الأخذ بذاتية التفسير بمعنى أن تفسير قانون العقوبات يجب أن يكون تفسيرا ضيقا طبقا لما يقرره مبدأ الشرعية، لأن التوسع في تفسير نصوص التجريم والعقاب يؤدي إلى استحداث جرائم وعقوبات لم يرد بشأنها نص.
وإن وجوب التفسير الضيق يكون في نصوص التجريم والعقاب وواسعا في النصوص المقررة لمصلحة المتهم كاستخلاص سبب من أسباب الإباحة أو موانع المسؤولية الجنائية أو موانع العقاب، على اعتبار أن التوسع ليس من شأنه استحداث جرائم أو عقوبات ومن ثم لا يمس مبدأ شرعية التجريم والعقاب[7].
ثالثا: دور القياس في التجريم والعقاب
القياس يطلق على إعطاء حالة لم يرد بها نص في القانون حكم حالة ورد بشأنها نص، وذلك لاتحاد العلة بينهما.
والقياس في النصوص التجريمية والعقابية غير جائز، لأن العمل بالقياس في تفسير النصوص الجنائية المتعلقة بالتجريم والعقاب من شأنه تجريم صور من السلوك لم ينص القانون على تجريمها، أما بالنسبة للنصوص غير المتعلقة بالتجريم والعقاب المذكورة سلفا وكذلك القواعد المتعلقة بالإجراءات الجزائية يجوز فيها القياس وحتى التفسير.
رابعا: استعمال الأدلة
التكييف عملية عقلية لابد للقاضي فيها أن يستند على أدلة تمكنه من تحديد التطابق بين النموذج القانوني للجريمة والعناصر المكونة للواقعة، ويعتمد القاضي على نوعين من الأدلة عقلية وتقوم هذه الأدلة على مبدأ القناعة القضائية، كتقدير قيمة الشهادة أو الاعتراف، وهذا المبدأ منصوص عليه في المادة 212 من قانون الإجراءات الجزائية:"...وللقاضي أن يصدر حكمه تبعا لاقتناعه الخاص"[8].
غير أن مبدأ القناعة الخاص ليس مطلقا بل يقيد بضوابط قانونية لضمان التطبيق السليم للقانون، ولهذا هناك نوع آخر من الأدلة وهي الأدلة النقلية التي تجاوز الأدلة العقلية وتعرف بموجب نص قانوني فيخضع لها القاضي ويلزم بها، إذ يقوم المشرع بتنظيم اليقين القضائي طبقا لقواعد قانونية ينص عليها بهذا الشأن، وذلك إما بتحديد دليلا معينا أو يستلزم شروطا للدليل القابل لإثبات الإدانة، وبهذا المشرع هو الذي يحدد حجية الأدلة النقلية ويحدد القيمة المقنعة لها على وفق معايير خاصة به، مثل: جريمة التزوير تعتبر الوثائق المزورة دليلا قاطعا على ثبوت الجريمة في حق مرتكبها.
الفرع الثاني: مدى سلطة القاضي في تحديد العقوبة
تختلف سلطة القاضي في تحديد العقوبة بحسب ما إذا كانت له سلطة مقيدة أو تقديرية.
أولا: تطور سلطة القاضي في تقدير العقوبة
يمكن استعراض هذا التطور في ثلاثة نظم هي:
ا- نظام السلطة المطلقة
في المجتمعات البدائية كان لرئيس القبيلة سلطة مطلقة على أفراد قبيلته فهو يحكم عليهم بما يشاء دون الالتزام بأي قاعدة ثابتة، كما أن أغلب الملوك القدماء كانوا يباشرون سلطة القضاء بأنفسهم أو حتى بواسطة أفراد من طبقة خاصة وكانوا يمارسون هذه السلطة بصورة مطلقة لا قيد فيها، غير أن هذه السلطة المطلقة التي استأثر بها القضاة فأساءوا استعمالها تعرضت للانتقادات والدعوات إلى التنديد بالاستبداد القضائي وضرورة تقييد سلطة القاضي في فرض العقوبات فظهر نظام جديد هو نظام السلطة المقيدة.
ب- نظام السلطة المقيدة
وفي هذا النظام فان القاضي يجرد من كل سلطة تقديرية في التجريم وفي العقاب وما على القاضي في هذا النظام إلا أن يطبق نوع ومقدار العقوبة المحددة سلفا للجريمة من قبل المشرع، إلا أن هذا النظام قد تعرض لانتقاد يتحدد بأنه انحرف بعدالة العقاب نحو عدم مساواة بالغة وشديدة، وبالتالي لم يحقق هذا النظام المساواة بين المواطنين أمام القانون وبذلك فقد عرف نظام جديد هو نظام السلطة النسبية في تقدير العقوبة.
ج- نظام تفريد العقوبة
 الذي يقضي بأن يكون الجزاء الجنائي نوعا ومقدارا وتنفيذا يتلاءم مع ظروف كل متهم، وبذلك منح للقاضي سلطة تقديرية واسعة نوعا ما، ولهذا النظام عدة وسائل:
* التدرج الكمي للعقوبة
ويعني تحديد المشرع حدين أدنى وأعلى للعقوبات التي تقبل بطبيعتها التجزئة مثل العقوبات السالبة للحرية والغرامة فترك المشرع للقاضي سلطة تقدير مقدار العقوبة دون تجاوز حديها .
    * الاختيار النوعي للعقوبة
ويتحقق هذا النظام عن طريق:
أ- نظام العقوبات التخييرية: إذ يترك للقاضي في هذا النظام حرية الاختيار في الحكم على المجرم بإحدى عقوبتين مختلفتين في النوع أو يحكم بكليهما.
ب- نظام العقوبات البديلة: فيجوز للقاضي طبقا لهذا النظام أن يحل عقوبة من نوع معين محل عقوبة من نوع آخر مقرر أصلا لجريمة ما وذلك عند تعذر تنفيذ العقوبة الأصلية ولملائمة العقوبة البديلة لحالة المجرم الشخصية.
* التخفيف والتشديد الاسثنائيان للعقوبة
قد يوجه القاضي حالات وأفعال تؤثر في تخفيف أو تشديد العقوبة للجريمة المرتكبة يحددها المشرع أو يترك تحديدها للقاضي فيجيز له عند توافر المخفف منها النزول بالعقوبة إلى ما دون حدها الأدنى المقرر للجريمة أو إحلال عقوبة أخرى من نوع اخف محلها، وهذه تعرف بالظروف المخففة أو الأعذار المعفية أو المخففة للعقوبة .
أما المشدد منها فيجوز للقاضي عند توافرها أن يتجاوز الحد الأعلى المقرر للعقوبة أو إحلال عقوبة أخرى من نوع اشد محلها وهذه تعرف بالظروف المشددة .
* إيقاف تنفيذ العقوبة
يقضي هذا النظام بمنح القاضي سلطة تعليق تنفيذ العقوبة على شرط موقوف خلال مدة تجربة يحددها القانون فإذا ما تبين للقاضي أن شخصية مرتكب الجريمة غير خطرة على امن المجتمع كان له أن يستخدم هذا النظام فيجعل العقوبة ملائمة لشخصية الجاني وبذلك يتحقق تفريد العقاب.
ثانيا: مدى توافق سلطة القاضي التقديرية مع المبدأ
إن سلطة القاضي في تحديد العقاب ليست سلطـة تحكميــة تعطـي للقاضـي إمكانيــة فرض عقوبات لم يرد بشأنها نص إنما هي سلطة تقديرية هدفها تحقيق الملائمة بين العقوبـة وشخصيـة الجاني.
ومن هذا المنطلق فان سلطة القاضي الجنائــي فـي تحديــد العقاب لا تتعارض مــع مبــدأ الشرعية إذ يظل القاضي محددا بقيود معينة حتـى عنـد ممارسته لسلطته التقديرية هذه ويبدو لنا ذلك من خلال الآتي:
أ- سلب السلطة التقديرية للقاضي في تحديد العقاب في بعض الأحيان

قد يقوم المشرع بتحديد عقوبة واحدة للجريمة المرتكبة ليس للقاضي عند توافر شروط نص التجريم أن يحكم بغير هذه العقوبة أو أن ينزل بها أو يرتفع بها، مثل: المادة261 من قانون العقوبات:"يعاقب بالإعدام كل من ارتكب جريمة القتل أو قتل الأصول أو التسميم..."
فبموجب هذه المادة ليس للقاضي أن يحكم بغير الإعدام عند توافر القتل عمدا مع سبق الإصرار أو الترصد وبهذا فلا سلطة تقديرية له في مجال العقاب وان كان له سلطة في تكييف الواقعة المرتكبة.
ب- عدم تعارض التدرج الكمي للعقوبة مع المبدأ
فعلى الرغم من أن المشرع قد ترك للقاضي سلطة تقديرية لتحديد مقدار العقوبة في هذا النظام كما أسلفنا إلا أن القاضي يظل مقيداً بالحد الأعلى أو الحد الأدنى الثابت بنص التجريم والعقاب ومن ثم فان القاضي لم يقض بعقوبة جديدة وإنما قضى بعقوبة قد قررها المشرع سلفا وبهذا فانه لا تعارض بين السلطة الممنوحة للقاضي في حالة التدرج الكمي للعقوبة وبين مبدأ الشرعية مثل: المادة350 من قانون العقوبات التي تنص على جريمة السرقة نص المشرع على عقوبة تتراوح من سنة إلى 5سنوات.
فالظاهر من النص أن القاضي يتقيد بأحد الحدين ولا يجوز له الخروج عن أحدهما.
ج- عدم تعارض نظام العقوبات التخييرية مع المبدأ
على الرغم من أن للقاضي في هذا النظام حرية اختيار العقوبة الملائمة للمجرم إلا أن القاضي لا يستطيع أن يقرر عقوبة جديدة غير تلك المحددة في النص العقابي.
د- عدم تعارض التخفيف أو التشديد الاستثنائيين للعقوبة مع المبدأ
فعلى الرغم من أن للقاضي عند توافر هذه الأسباب أن ينزل بالعقوبة إلى ما دون حدها الأدنى المقرر للجريمة أو أن يتجاوز الحد الأعلى المقرر لها فإن هذا الأمر لا بد أن يكون مقيدا بحدود معينة ينص عليها القانون وفق ما جاءت به المادة 53 من قانون العقوبات.
هـ- عدم تعارض إيقاف تنفيذ العقوبة مع المبدأ
إذ يمنح هذا النظام للقاضي سلطة تعليق تنفيذ العقوبة على شروط معينة يجب على الجاني أن يلتزم بها، ومن هذا المنطلق فإن هذا النظام لا يتعارض مع مبدأ شرعية التجريم والعقاب لأن القاضي ملزم بالشروط المحددة سلفا في التشريع ولا يستطيع أن يحيد عن تطبيقها.
ومن خلال كل ما سبق يظهر أن مبدأ شرعية التجريم والعقاب قد اثر وبشكل واضح على دور القاضي سواء في التجريم أو في العقاب، فأما دوره في التجريم فانحصر في تكييف الواقعة المرتكبة بأنها جريمة ووصف هذه الجريمة بوصف قانوني معين ولم يكن له أي دور في إيجاد نصوص التجريم فضلت هذه الأخيرة مــن اختصــاص المشــرع[9].
وقد أثر أيضا مبدأ الشرعية على سلطة القاضي في تحديد العقاب فظهر أن القاضي مطبق للنص مع إمكانية أن تكون له سلطة تقديرية تنسجم ومبدأ الشرعية، إذ لا يستطيع هذا القاضي أن يفرض عقوبة لم يرد بشأنها نص ولا أن يتنازل عقوبة بغير الطريقة المحددة من قبل المشرع.



المطلب الثالث: العوامل المؤثرة في مبدأ الشرعية
إن نطاق التجريم والعقاب يضيق ويتسع بحسب الظروف ما إذا كانت عادية أو استثنائية.
الفرع الأول: نطاق التجريم والعقاب في الظروف العادية
تتنوع الأهداف التي ينبغي على المشرع تحقيقها عند ممارسة التجريم والعقاب فهي إما أن تكون سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، ودعما للجانب السياسي فقد نص المشرع في المادة 77 من قانون العقوبات "يعاقب بالإعدام الاعتداء الذي يكون الغرض منه إما القضاء على نظام الحكم أو تغييره، وإما تحريض المواطنين أو السكان على حمل السلاح ضد سلطة الدولة أو ضد بعضهم بعضا، وإما المساس بوحدة التراب الوطني".
ومن خلال استقراء النص يتضح دور العامل السياسي في التجريم حيث تمثل فعل الاعتداء على أمن الدولة جريمة، كما يظهر تأثير العامل السياسي في العقاب من خلال العقوبة التي فرضت على مرتكب الفعل وهي عقوبة شديدة تمثلت في الإعدام.
وتحت تأثير العامل الاقتصادي أورد المشرع عددا من النصوص التي تهدف إلى حماية مصالح اقتصادية من ذلك نص المادة 65 من قانون العقوبات "يعاقب بالسجن المؤبد كل من يجمع معلومات أو أشياء أو وثائق أو تصميمات بغرض تسليمها إلى دولة أجنبية والذي يؤدي جمعها واستغلالها إلى الإضرار بمصالح الدفاع الوطني أو الاقتصاد الوطني".
كما يظهر تأثير السياسية الاقتصادية على نطاق التجريم والعقاب من خلال تقرير مسؤولية الأشخاص المعنوية  الجزائية لما تمارسه هذه الأشخاص من دور فعال في المجال الاقتصادي المادة 51مكرر من قانون العقوبات "باستثناء الدولة والجماعات المحلية والأشخاص المعنوية الخاضعة للقانون العام، يكون الشخص المعنوي مسؤولا جزائيا عن الجرائم التي ترتكب لحسابه من طرف أجهزته أو ممثليه الشرعيين عندما ينص القانون على ذلك".
وقد مارس العامل الاجتماعي تأثيره كسابقيه على نطاق التجريم والعقاب فقد نصت المادة 339ق.ع "يقضى بالحبس من سنة إلى سنتين على كل امرأة متزوجة ثبت ارتكابها جريمة الزنا".
الفرع الثاني: نطاق التجريم والعقاب في الظروف الاستثنائية
قد تمر الدول بأزمات تؤثر على سياستها الداخلية والخارجية، فكان لابد للهيئات في الدولة أن تمنح الوسائل الكافية لمواجهة هذه الأزمة، إذ قد تجد الدولة نفسها عاجزة عن مواجهة خطر الأزمة إذا ما لجأت إلى استخدام الوسائل العادية لحفظ الأمن، فتظهر الحاجة إلى وسائل جديدة تستطيع من خلالها الدولة تلافي الأثر السلبي للأزمة ومن هنا ظهرت فكرة المشروعية الاستثنائية، وإعمال مبدأ المشروعية الاستثنائية لا يعتبر حيلة قانونية لإضفاء صفة المشروعية على أعمال هيئات الدولة، لأن المشروعية الاستثنائية ترتكز على مبدأ قانوني هو حق الدفاع الشرعي، وعليه ماهو أثر المشروعية الاستثنائية عل التجريم والعقاب بوصفهما محوري مبدأ الشرعية ؟
أولا: حالة الحرب
أورد المشرع مواد عديدة في قانون العقوبات ميزت في التجريم والعقاب بين ارتكاب فعل العصيان في زمن الحرب وبين ارتكابه في زمن السلم ومنها نص المادة 254 من قانون القضاء العسكري[10]، وما جاءت به المادتين  256 م271 من قانون القضاء العسكري التي جرمتا فعل الفرار وفعل التحريض على الفرار على التوالي كذلك في وقت السلم والحرب.
ثانيا: الكوارث
انطلاقا من ضرورة حماية وجود الدولة وضرورة مواجهة الكوارث، فقد اهتم قانون العقوبات بتحقيق حماية المجتمع والأفراد عن طريق تثبيت الأمن خصوصا عند حدوث الكوارث فقد اعتبر الكوارث ظرفا مشددا لجريمة السرقة على وفق ما قررته المادة 351مكرر من قانون العقوبات.
كما قرر المشرع في المادة 182 و451/8 من قانون العقوبات قيام جريمة الامتناع عن تقديم المساعدة لشخص في حالة خطر.
كما قررت المادة 87مكرر و87مكرر1 من قانون العقوبات الأفعال التي تعتبر جرائم تخريبية والعقوبات المقررة لها.
كما أن المشرع قد جرم الأفعال التي من شأنها أن تؤدي إلى حدوث كارثة من ذلك ما قررته المادة 399 من قانون العقوبات والتي قررت عقوبة الإعدام إذا أدى الحريق العمد إلى موت شخص أو عدة أشخاص.
وبعد هذا الاستعراض للعوامل المؤثرة على نطاق التجريم والعقاب يتبين لنا كيف يتأثر نطاقهما اتساعا وتشديدا بحسب العوامل المؤثرة العادية والاستثنائية، مما يعني تأثر مبدأ الشرعية بها.
خاتمـــــة
يستنتج أنه على الرغم من الانتقادات الموجهة لمبدأ الشرعية إلا أنها لم تقلل من أهميته، بل أنها عديمة القيمة مقابل ما يحققه هذا المبدأ من ضمانات للأفراد وحرياتهم أدت إلى صيرورته مبدأ عالميا تنص عليه معظم القوانين.
وكذلك لما يترتب على هذا المبدأ من نتائج سواء بالنسبة للأفراد أو للقضاء فأما بالنسبة للأفراد يمثل هذا المبدأ إنذار مسبق للعلم بالأفعال المجرمة والعقوبة المقررة لها وبالتالي ترك الحرية للأفراد بإتيان الأفعال الغير منصوص عليها . أما بالنسبة للقضاء فإنهم يجدون في مبدأ الشرعية الأساس القانوني لتجريم الأفعال وتحديد العقوبات، فضلاً على أنه أفضل حل لمنع تسلط القضاة في الأحكام .
لكن هذا لا يعني اعتماده بصفة مطلقة وإنما يجب إعطاء سلطة تقديرية واسعة للقاضي دون أن تصل لحد خلق جرائم وعقوبات لم ينص عليها المشرع، وبذلك الخروج من مبدأ العقوبات المحددة إلى مبدأ تفريد العقوبة.






[1] - الدستور لسنة 1996، ج.ر.ج.ج، ع.76 مؤرخة في 8 ديسمبر 1996 معدل بالقانون رقم 02-03 المؤرخ في 10 أبريل 2002، ج.ر.ج.ج، ع.25 مؤرخة في 14 أبريل 2002، والقانون رقم08-19 المؤرخ في 15 نوفمبر 2008، ج.ر.ج.ج، ع.63 مؤرخة في 16 نوفمبر 2008.
[2] - الأمر رقم 66-156 مؤرخ في 8 يونيو 1966 يتضمن قانون العقوبات، ج.ر.ج.ج، ع.49 مؤرخة في 11 يونيو 1966، المعدل والمتمم بالقانون رقم 14-01 مؤرخ في 4 فبراير 2014، ج.ر.ج.ج، ع.7 مؤرخة في 16 فبراير 2014.
[3] - عبد الله أوهايبية، شرح قانون العقوبات الجزائري –القسم العام-، دار موفم للنشر، الجزائر، 2009، ص96.
[4] - أحسن بوسقيعة، الوجيز في القانون الجزائي العام، ط.12، دار هومه، الجزائر، 2012-2013، ص.102.
[5] - الموقع الالكتروني: www.droit-dz.com
[6] - عبد الله أوهايبية، المرجع السابق، ص97.
[7] - سمير عاليه، هيثم سمير عاليه، الوسيط في شرح قانون العقوبات –القسم العام-، ط.1، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، لبنان، 2010.
[8] - سمير عاليه، هيثم سمير عاليه، الوسيط في شرح قانون العقوبات –القسم العام-، ط.1، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، لبنان، 2010.
[9] - الموقع الالكتروني: www.droit-dz.com
[10] - الأمر رقم 71-28 مؤرخ في 22 أبريل 1971 يتضمن قانون القضاء العسكري، ج.ر.ج.ج، ع.38 مؤرخة في 11 ماي 1971، المعدل والمتمم بموجب أمر رقم 73-4 مؤرخ في 5 يناير 1973، ج.ر.ج.ج، ع.5 مؤرخة في 16 يناير 1973.
التصنيف :
هام : هذا الموضوع ضمن تصنيفات المدونة زووم العربية نشكرك للمتابعة . يمكنك نقل الموضوع من المدونة لكن بشرط يجب ذكر المصدر و ذكر رابط الموضوع الاصلي قبل نقل أي موضوعالمرجوا زيارة صفحة الخصوصية
نسخ الرابط
نسخ للمواقع

0 التعليقات:

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

المساهمات

المساهمات

شركاؤونا

شركاؤونا
شركة المنهل

اشترك في القائمة البريدية

contentieux des affaires ( ISSN ) 2508-9293 © 2014-2016