حجية المحاسبة أمام القضاء التجاري وطرق استعمالها

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

حجية المحاسبة أمام القضاء التجاري وطرق استعمالها

انعيمي أحمد
باحث في القانون الخاص (كلية الحقوق أكادير)

كرس المشرع المغربي مع باقي التشريعات المقارنة بحجية الوثائق المحاسبية في الإثبات، وقد تكون هذه الحجية دليلا تاما في بعض الأحيان لصاحبها أو عليه، وكما تعد الوثائق في حالات أخرى حجة على صاحبها ولا تكون حجة لفائدته، وقد تكون أيضا هذه الوثائق في حالة أخيرة مجرد قرينة بسيطة تقبل إثبات العكس بكافة وسائل الإثبات، وبإمكان القاضي أن يذهب أبعد من ذلك، فيقرر صرف النظر عن هذه الوثائق المحاسبية، ويطلب دليلا آخر وذلك تبعا لسلطته التقديرية في هذا المجال وإذا كانت القاعدة العامة في الإثبات أنه لا يسوغ للشخص أن يصنع دليلا لنفسه ويحتج به ضد الغير، كما لا يجبر الشخص مبدئيا على تقديم دليل ضد نفسه لصالح الغير فإنه في القضايا التجارية يجوز الإثبات بواسطة الوثائق المحاسبية سواء كان الإثبات لمصلحة التاجر الذي يمسكها أو ضده
وفي هذا الإطار ينص الفصل 433 من ق.ل.ع  المغربي على أنه "إذا تضمنت دفاتر التاجر تقييدا صادرا من الخصم الآخر أو اعترافا مكتوبا منه أو إذا طابقت نظيرا موجودا في هذا الخصم، فإنها تكون دليلا تاما لصاحبها وعليه.
وجاءت الفقرة الثانية من المادة 19 من القانون رقم 95-15 يتعلق بمدونة التجارة باب القواعد المحاسبية والمحافظة على المراسلات لتنص على أنه إذا كانت تلك المحاسبة ممسوكة بانتظام فإنها تكون مقبولة أمام القضاء كوسيلة إثبات بين التجار في الأعمال المرتبطة بتجاريتهم
إلا أن ذلك مقرون بوجوب أن ترتب وتحفظ أصول المراسلات الواردة ونسخ المراسلات الصادرة مدة عشر سنوات ابتداء من تاريخها 'المادة 26 من مدونة التجارة) كما أن أثر مسك الوثائق المحاسبية وانتظامها والاعتداد بقوتها الثبوتية ليست له أهمية كبيرة.
هذا عن حجية الإثبات بالمحاسبة بالمادة التجارية،أما عن طرق استعمالها أمام القضاء فنظمه المشرع المغربي من المواد 22 إلى 25 من مدونة التجارة الجديدة، وبعد قراءتنا لهذه المواد يتبين أن هناك طريقتين لاستخدام محاسبة التاجر في الإثبات أمام القضاء، وهما: التقديم  la représentation والاطلاع la communication.
بناء على هذا المدخل سنقوم بتحليل هذا الفصل الثاني انطلاقا من مبحثين: حجية المحاسبة أمام القضاء (المبحث الأول)، طرق استعمالها أمام القضاء (المبحث الثاني).



المبحث الأول: حجية المحاسبة أمام القضاء

معلوم أن المعاملات التجارية يحكمها مبدأ حرية الإثبات، ذلك أن السرعة التي تتم بها هذه المعاملات وضيق الوقت لا يسمحان للتاجر بالعمل على الحصول على مستند كتابي لإثبات حقه في كل عملية، لذلك فهو يكتفي بتدوين ما يجري من عمليات في دفاتره[1]، من هنا فان المشرع استجابة لذلك اوجب أن يتم تدوين تلك العمليات بانتظام في الدفاترالمحاسبية, ورتب على ذلك ان اعطى لتلك الدفاتر حجية للإثبات سواء لصالح التاجر أو ضده[2]
فقد جاء في المادة 19 من المدونة الجديدة "إذا كانت تلك المحاسبة ممسوكة بانتظام فإنها تكون أمام القضاء كوسيلة إثبات بين التجار في الأعمال المرتبطة بتجارتهم"
غير أنه لما كان مبدأ الإثبات بواسطة المحاسبة يعتبر استثناء من قواعد الإثبات العامة التي تقضي انه لا يجوز إجبار المدعى عليه على تقديم  دليل ضد نفسه، وأنه لا يجوز (للمدعي) أن يصطنع سندا لنفسه[3] فإن المشرع جعل قبول المحاسبة في الإثبات أمرا جوازيا للقاضي وليس إلزاميا.[4]
تكون المحاسبة حجة أو دليلا بين التجار في معاملاتهم التجارية (المادة 19 ف 1 من مدونة التجارة)وقد تكون حجة او دليلا لصاحبها او عليه( المادة 21   من مدونة التجارة) إلا أن الضرورة و الوضوح يقتضيان التمييز في الإثبات بين حجية المحاسبة  ضد التاجر (المطلب الأول) وحجيتها ضد غير التاجر (المطلب الثاني)، وحجية المحاسبة غير المنظمة والاختيارية وأصول  المراسلات الواردة ونسخ المراسلات الصادرة (المطلب الثالث).

المطلب الأول: حجية المحاسبة في الإثبات لمصلحة التاجر وضده.

لقد وضعت الفقرة الثانية من المادة 19 من المدونة شروط استعمال المحاسبة في الإثبات بين التجار قائلة "إذا كانت المحاسبة ممسوكة بانتظام فإنها تكون مقبولة أمام القضاء كوسيلة إثبات بين التجار في الأعمال المرتبطة بتجارتهم" أما المادة 21 فقد حددت القوة الإثباتية لهذه المحاسبة والتي تشكل دليلا تاما « pleine preuve » لصاحبها التاجر وعليه.
وتأسيسا على ما سبق سنقوم بتقسيم هذا المطلب إلى فقرتين: استعمال  المحاسبة في الإثبات لمصلحة تاجر ضد تاجر آخر (الفقرة1)
استعمال المحاسبة في الإثبات ضد مصلحة التاجر (الفقرة 2)

الفقرة الأولى: استعمال المحاسبة في إثبات المصلحة تاجر ضد تاجر آخر

تكون المحاسبة المنتظمة دليلا تاما لمصلحة لمصلحة التاجر ضد تاجر آخر، فكل من التاجرين ملزم بمسك المحاسبة التجارية، وبمعنى آخر، أن كلا من التاجرين يملك ذات السلاح الذي يستطيع أن يقارع بواسطته حجج الطرف الآخر أو خصمه التاجر وأن القاضي يستطيع أن يخرج الدليل أو الحجة القاطعة من قراءة وفحص محاسبة كل من التاجرين.[5]
ويمكن استخراج ثلاثة شروط من المادة 19 الفقرة الثانية لقبول المحاسبة أما القضاء، وشرطا رابعا من المادة 21 من المدونة لتكون الحجة قاطعة أو تامة وهي التالية:
أولا: الشرط الأول: أن يكون النزاع بين تاجرين أو أكثر والسبب في ذلك أن تخويل الحق للتاجر باستعمال محاسبته لإثبات ما يدعيه يعتبر امتيازا يقرره له القانون.[6]
في هذا الشرط لا يسوغ مبدئيا الدفع بالمحاسبة ضد غير تاجر (أو التاجر الصغير الذي يلتزم بمسك المحاسبة (المادة 19 ف2)[7]
ثانيا: الشرط الثاني: أن تعلق النزاع بأعمال ترتبط بتجارة المتنازعين أو المتنازعين (المادة 19 ف2)[8]، أما إذا كان النزاع مدنيا من الجانبين أي له علاقة بتجارتهما فيخضع لمدونة قانون الالتزامات والعقود، وإن كان عملا مختلطا فيخضع للمادة 4 من مدونة التجارة.[9]
ثالثا" الشرط الثالث: أن تكون هذه المحاسبة منتظمة أي بانتظام المحاسبة يعتبر قرينة على عدم امتداد التلاعب إلى القيود الواردة فيها، فإذا كانت محاسبة احد الخصوم منتظمة ومحاسبة الآخر غير منتظمة، فإن القاضي سيرجع في الغالب إلى المحاسبة المنتظمة، ومع ذلك فإن القاضي حر في تكوين اعتقاده بالطريقة التي يطمئن اليها[10]. اذ يمكنه بالرغم من انتظام محاسبة احد الخصوم ان يهملها,كما يمكن للخصم أن يقيم الدليل على عكس ما هو وارد فيها بكافة طريق الإثبات.
رابعا: الشرط الرابع: أن يكون النزاع تجاريا بالنسبة للخصمين، والسبب في ذلك  أن القانون لا يوجب أن يقيد  في المحاسبة إلا البيانات المتعلقة بالمعاملات التجارية[11] أي أن تكون الوثائق المحاسبية مطابقة مع نظير يوجد بين يدي الخصم[12]
ونظم التشريع المقارن المصري النزاع التجاري بالنسبة للخصمين حيث ورد تنظيمها في كل عام من 2/17  الاثبات و,م 70 تجاري وتجنبا للتكرار فإننا نحيل لما سبق وأن فصلنا في شان الاستثناءات على عدم جواز اصطناع الشخص دليلا لمصلحة نفسه.[13]
إذا كانت الدعوى مرفوعة من تاجر ضد تاجر آخر بصدد منازعة تجارية, فإنه يكون للتاجر أن يعتمد على وثائقه  المحاسبية وذلك لإثبات صحة ما يدعيه، وهذا ما نجده في المادة 19 من مدونة التجارة من خلال قراءة متأنية لهذه المادة يتبين أن المشرع المغربي اشترط شروطا سبق ذكررها سابقا، وفي هذا الصدد ألزم التجار باتباع شكليات وشروط موضوعية في الوثائق المحاسبية، وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على رغبة المشرع في أن تكون هذه المحاسبة تعبيرا صادقا عن معاملاته، حتى يتسنى للأغيار المتعاملين معه معرفة أصول  وخصوم منشأته وبذلك يكونون  مطمئين  على مصيرالمعاملة التجارية,وحتى تكون هذه الدفاتر المحاسبية وسائل إثبات مجدية أمام القضاء.[14]
تنص الفقرة الثانية من المادة الأولى من القانون  رقم 9.88 المنظم للتاجر على أن التاجر يجب عليه أن يسجل في محاسبة جميع الحركات المتعلقة بأصول و خصوم منشاته، مرتبة حسب تسلسلها الزمني، عملية بعملية ويوم بيوم ويجب أن يتضمن المستند الذي يثبتها.
يتبين من خلال ما سبق ان دفاتر التاجر التي يسجل فيها محمل عملياته التجارية بشكل متسلسل، تعتبر حجة عليه، ذلك أن ما هو مدون بهذه الدفاتر أخذا للقيام بهذه العملية تحت مراقبة، ويعتبر حجة له وعليه سواء كان النزاع تجاريا أو مدنيا أو سواء كان خصمه تاجرا وبذلك فالدفاتر  الخاصة بالتاجر يعتبر سلاح ذو حدين.

الفقرة الثانية: استعمال المحاسبة في الإثبات ضد مصلحة التاجر.

يجوز لخصم التاجر (أو الغير) سواء كان بدوره تاجرا او غير تاجر، كان تاجرا كبيرا أو متوسطا أو صغيرا، أن يتمسك ضد التاجر بمحتوى محاسبته.[15]
فالقيود الواردة في هذه الحجية هي بمثابة إقرار، والإقرار يعتبر حجة على صاحبه وهذا ما اكدت عليه المادة 20 من مدونة التجارة الجديدة التي نصت على أنه (يجوز للغير أن يحتج ضد التاجر بمحتوى محاسبته، ولو لم تكن ممسوكة بصفة منتظمة). هذا المادة نصت على أنه يجوز للأغيار أن يحتجوا ضد التاجر بمحتوى محاسبته، ولو لم تكن ممسوكة بصفة منتظمة والملاحظ أن عبارة أغيار جاءت عامة إذ يستوي أن يكون هذا الغير تاجرا أو غير تاجر[16]
ويجوز استعمال الوثائق المحاسبتية ف الإثبات لمصلحة تاجر ضد تاجر آخر.
حيث تكون للوثائق في هذه الحالة حجية في الإثبات، باعتبار أن لكل من التاجرين أن يستعمل وثائقه لمصلحته وخاصة أن لهما السلاح الذي يستطيع القاضي بالمقارنة أن يستنتج منه الدليل القطعي، ويشترط في هذه الحالة بالإضافة إلى كون النزاع بين التاجرين، أن يتعلق عمل تجاري وأن تكون له وثائق محاساباتية ممسوكة بانتظام.

المطلب الثاني: حجية الإثبات بالمحاسبة ضد غير التاجر.

لا يصوغ في هذه الحالة 'حجية الوثائق المحاسباتية ضد غير التاجر) الخروج عن القاعدة العامة التي تقتضي بأنه لا يجوز للشخص أن ينشئ دليلا لمصلحته ضد غيره، وذلك لأن الخصم في هذه الحالة غير تاجر ولا يلتزم بمسك وثائق محاسباتية حتى يستطيع أن يقارع بها خصمه التاجر.[17]
وعليه فإنه عند نشوء النزاع بين التاجر وشخص غير تاجر، فإن على التاجر أن يلتزم بمبدأ الإثبات المقيد المنصوص عليه في القانون المدني، بالرجوع إلى المقتضيات المادة 19 من مدونة التجارة المغربية نجدها تؤكد على أن المشرع المغربي أكد للتاجر الغير أن يقوم بمسك محاسبته بانتظام، وأن يستفيد من محالة ويعامل معاملة أحسن من التاجر الذي تقيد بمقتضيات قانون 9.88 المشار إليه سابقا، وفي هذا الإطار يستوي في ذلك أن يكون النزاع تجاريا أو مدنيا، ما دام أن قوة الدليل مستنبطة من اعتراف التاجر على نفسه بواقعه معينة.[18]
الأصل ان دفاتر التاجر لا تكون لها حجية في الإثبات في مواجهة شخص غير تاجرا طبقا  للقاعدة العامة القائلة لا يجوز للشخص أن يصنع لنفسه، غير ان القانون التجاري اليمني[19] أجاز استثناء من القاعدة المذكورة،  للتجار الاحتجاج بدفاترهم ضد خصومهم من غير التجار الذين لا يملكون نفس الأدوات القانونية في الإثبات وللمحكمة في حالة عرض الدفاتر عليها الاستئناس بها لبيان وجه الحق في الدعوى.
وفي ذلك تنص المادة 41 من القانون التجاري اليمن : دفاتر التجار لا تكون حجية على غير التجار على أن البيانات عما أورده التجار تصلح أساسا يجيز للقاضي أن بوجه اليمين المتممة لأي من الطرفين فيما لا يجوز إثباته بالبينة...)
ومن هذا النص يتضح أن دفاتر التجار تعتبر دليلا غير قضائي يجيز للمحكمة الاستئناس بما جاء فيها إذا اطمأنت  إليها, وذلك لإثبات حقوق التجار  قبل خصومهم من غير التجار، وفي هذه الحالة يجب توجيه اليمين على أي طرف في الدعوى لتأييد ما يدعيه وذلك حتى في الدعاوى التي لا يجوز إثباتها بالبينة[20].
إذا كانت المبادئ العامة تقتضي انه لا يجوز لشخص أن ينشئ دليلا بنفسه لمصلحته ضد غيره ما لم يكن هذا الغير تاجرا طبقا لما يستنتج من الفقرة الثانية من المادة 19، فإن هناك استثناء واردا بموجبه يجوز للتاجر أن ينتج بمحاسبته الشخصية ضد غير التاجر اذا كان هناك اتفاق خطي بينهما كما هو الشأن مثلا للعقد الذي يبرم بين الزبون والبنك.[21]
وبالرجوع إلى التشريع المقارن السوري ينص في المادة 140 من قانون البيانات السوري والمادة 397 من القانون المدني المصري الذين يتمسكان بمصطلح الدفاتر التي هي أساس المحاسبة حتى في المغرب، التي جاء فيها: "دفاتر التاجر لا تكون حجة على غير التاجر"
أضافت المادة 24 من مدونة التجارة حالات تكون فيها الوثائق المحاسبية مشتركة بين الأطراف.
وباستثناء هذه الحالات، فلا يمكن للقاضي أن يأمر بالاطلاع على الوثائق المحاسبية وذلك لاعتبارات تتعلق بالكتمان والسرية، إلا أن هذا لا يعني أن القاضي يعد مجردا من أية سلطة في هذا المجال، حيث يكون الاطلاع بالكيفية التي يمكن للمحكمة  ان تنظر في النزاع، كما يمكن للقاضي أن يأمر بأخذ أو تقديم نسخة من المحاسبة مجدية ونافعة لحل النزاع، إلا أنه لا يجوز للخصم الوصول إلى الوثائق المحاسبية ذاتها، وإذا أمر القاضي التاجر بعرض محاسبة ورفض أو صرح بأنه لا يتوفر عليها، جاز له أن يوجه اليمين على الطرف الآخر لتعزيز طلبه وهذا ما يتماشى مع المادة 25 من مدونة التجارة الجديدة.
من الثابت أن الفقه والقضاء أكد على مؤاخذة  يمين التاجر شهادته على نفسه[22] هذه الأخيرة مستجدة من وثائق التاجر المحاسبية باعتبارها إقرارا منه على صحة عملياته التجارية التي تقبل التجزئة وذلك طبقا لمقتضيات الفصل 414 من ق.ل.ع. فمثلا إذا أبرمت صفقة ما بين تاجرين لا يجوز لأحدهما التمسك بما ورد في محاسبة التاجر الآخر عند تسلم البضاعة مثلا واتيمال البيان الخاص بسداد تمنها،وفي هذا الصدد ذهب القضاء المصري إلى أن الخصم لا يستطيع اذا أراد أن يستخلص من الدفاتر دليلا لنفسه وان يجزئ ما ورد فيها فيستبعد ما كان مناقضا لدعواه، ذلك أن الاتبات بالمحاسبة ليس قاطعا.
وبالتالي فان للخصم ان يقيم الدليل العكسي،وذلك بأية وسيلة من وسائل الاتبات، اخدا بعين الاعتبار مبدا حرية الاتبات في المادة التجارية، حيت يجوز نفي ما يتبت بالدفاتر التجارية لمصلحة التمسك بها ضد خصمه بكافة طرق الاتبات.
كما تلعب الوثائق المحاسبية الممسوكة وفقا لمقتضيات القانون رقم 88-9 حجة أمام القضاء،لفض النزاعات التي قد تنشا بين التاجر وبين إدارة الضرائب، ذلك ان المحاسبة المنتظمة الخالية من كل اخلالات او اهمال وفق لما تنص عليه المادة 22 من القانون رقم 88-9 المتعلق بالمحاسبة الواجب على التاجر مسكها ،ونفس المقتضى يستشف من المقتضيات المادة 23 لمفهوم المخالفة،تكون حجة لمصلحة التاجر في مواجهة ادارة الضرائب، وفي حالة ادعاء هذا الأخير  العكس يجب عليه إثبات ذلك.
وعموما ان الدفاتر التجارية منتظمة او غير منتظمة ليست لها حجية مطلقة في الإثبات، تجبر المحاكم على الوقوف عند البيانات الواردة فيها.

المطلب الثاني: حجية المحاسبة غير المنظمة والاختيارية وأصول المراسلات الواردة ونسخ المراسلات الصادرة.

إذا كانت المدونة الجديدة تشترط في الأصل لقبول محاسبة التاجر في الإثبات ضد تاجر آخر أو تجار  آخرين أن تكون ممسوكة بانتظام (المادة 19 ف2)، فان المادة 20 من المادة ذاتها تجيز للأغيار أن يحتجوا ضد التاجر، بمحتوى محاسبته ولو لم تكن ممسوكة بصفة منتظمة[23] (même irrégulièrement tenue) بمعنى ولو كانت غير مستوفية للشروط الموضوعية  والشكلية، التي يتطلبها القانون والتي سبقت دراستها، وإذا كان من حق الأغيار أن يحتجوا  ضد التاجر ولو لم تكن ممسوكة بصفة منظمة، فان من حق القضاة أن يركنوا إلى هذا المحاسبة غير المنتظمة استخراج الدليل ضد التاجر صاحبها من طياتها لأن ما يكتبه أو يسطره او يقيده التاجر في محاسبته يعد بمثابة الإقرار- خاصة إذا أيدته أدلة أخرى، وكانت خالية من الكشط والمسح.
وتجري هذه القاعدة حتى على المحاسبة الاختيارية التي قد ينظمها التاجر على جانب المحاسبة الإلزامية، وبعبارة أوسع تشمل القاعدة سائر الدفاتر الاختيارية المكونة لهذه المحاسبة الأخيرة، والتي لا تقع تحت حصر: كدفتر الصندوق ودفتر البيع والشراء، دفتر الوراق التجارية، دفتر التسوية ودفتر المقاصة وغيرها من الدفاتر الاختيارية التي يمكن للتاجر أن يحدثها إلى جانب الدفاتر الإلزامية الثلاثة (دفتر اليومية ودفتر الأستاذ أو الدفتر الكبير ودفتر الجرد، وكذا الدليل والقوائم التركيبية).
وتكون لبيانات الأصول الموجودة بين يدي أحد الأطراف نسخ ممسوكة من طرف الآخر نفس قوة الإثبات في حالة تطابقها  (المادة 26 ف2 من المدونة) وهي الأسباب التي جعلت المشرع يوجب على التاجر أن يرتب ويحفظ أصول المراسلات الواردة ونسخ المراسلات الصادرة عشر سنوات ابتداء من تاريخها (المادة 26 ف 1 من مدونة التجارة)
وعموما فإن أهم خصوصيات المنازعات التجارية أمام المحاكم التجارية هو حرية أطراف الدعوى، في إثبات حقوقهم بجميع وسائل الإثبات لاسيما أن المشرع المغربي اكد على هذا المبدا في المادة 334 من مدونة التجارة،  وخول لأصحاب المصلحة إقامة الدليل بكل وسائل الإثبات بما في ذلك الإقرار، القرائن وشهادة الشهود واليمين إلخ.



المبحث الثاني: طرق استعمال المحاسبة أمام القضاء.

انطلاقا من المادة 22 إلى 25 من مدونة التجارة الجديدة، يتبين لنا ان هناك طريقتين، لاستخدام محاسبة التاجر في الإثبات أمام القضاء وهما التقديم والاطلاع.
إذن فما المقصود بالتقديم؟ وماذا عن الاطلاع؟

المطلب الأول: التقديم

 يقصد به وضع محاسبة التاجر تحت تصرف المحكمة للاطلاع على البيانات الواردة بها والمتعلقة بالنزاع، وذلك سواء تلقائيا من التاجر أو بناء على طلب من الخصم او بطلب من المحكمة من تلقاء نفسها.[24]
أي وضعها رهن إشارة القاضي أو الخبير[25] الذي يعينه لاستخراج البيانات والمحررات التي تهم النزاع المعروض على المحكمة (المادة 23 من مدونة التجارة)[26]
ويقصد بالتقديم أيضا استخراج من المحاسبة المحررات فقط التي تهم النزاع المعروض[27]
وفي حالة رفض التاجر تقديم محاسبته فإن للمحكمة أن تجبره على ذلك عن طريق فرض غرامة تهديدية، كما انه يجوز لها أن توجه اليمين للطرف الآخر لتعزيز طلبه بحيث يعتبر كل من رفض التاجر محاسبته وأداء اليمين من قبل خصمه قرينة على صفة ادعاء هذا الأخير.

المطلب الثاني: الاطلاع

يقصد به وضع المحاسبة تحت تصرف أو إشارة الخصم (الخصوم) ليسخرج منها البينات والمحررات المتعلقة بالنزاع المعروض على المحكمة وكذا العرض الكامل للوثائق المحاسبية (المادة 24 ف 1 من المدونة)[28]

ويرى الأستاذ فؤاد معلال على أنه في تعريف الاطلاع وضع المحاسبة رهن إشارة الخصم ليطلع على كافة بياناته، وهذا الاطلاع إما أن يتم بكيفية يتفق عليها الطرفان.  أو أن يتم بأمر من المحكمة عن طريق إيداع الدفاتر لدى كتابة الضبط حتى يتسنى للخصم الاطلاع عليها. ولا يشترط أن يكون هناك نزاع إمكانية حصول اطلاع شريطة أن تكون هناك ظروف تقتضيه[29]وهو أيضا العرض الكامل للوثائق المحاسبية ووضعها تحت تصرف الخصم، ليستخرج منها البيانات المتعلقة بالنزاع، وهو إجراء خطير قد يترتب عنه إفشاء أسرار التاجر المتعلقة بأعماله التجارية كأرباحه وخسائره وأسماء زبنائه، وهذا عكس التقديم المشار إليه سابقا الذي يسمح للقاضي أو الخبير فقط بالاطلاع[30].
فنرى ما هي الاعتبارات التي كانت وراء السماح بالاطلاع في الحالات التي نص عليها المشرع:



-      قضايا التركة أو الإرث:
حسب المادة 289 من مدونة الأحوال الشخصية، نستخلص على أنه يتم نقل أموال الشخص بعد وفاته إلى ورثته لذلك أباح التشريع في هذه الحالة للورثة أو لمن يهمه الأمر بالاطلاع على الدفاتر لمعرفة مركزه الحقيقي ونصيبه في التركة. ويذهب أغلب الفقه إلى أن حق الاطلاع في هذه الحالة مقتصر على الورثة والموصي لهم دون غيرهم من الدائنين ما دام لهؤلاء حق طلب تقديم هذه الوثائق أمام المحكمة إذا ما عرض عليها النزاع[31] بمعنى أن الحالة المشار إليها أعلاه يعتبر ورثتها مالكين على الشيوع لدفاتر المتوفي وبالتالي، يجوز لهم الاطلاع عليها لمعرفة حصتهم من التركة، بعد طلب (وارث أو الموصي له) إذن من المحكمة التجارية[32]
-      القسمة:
والمقصود بها هنا عندما تكون هناك تجارة مشتركة بين شخصين أو أكثر مثلا الملكية المشتركة للأصل التجاري، حيث يجوز لكل واحد من الشركاء أو ورثتهم الاطلاع على الدفاتر والوثائق المتعلقة بهذه التجارة، وكذلك الشأن إذا انحلت الشركة ودخلت مرحلة التصفية أموالها، فإن لكل شريك الحق في أن يطلع على محاسبتها للتعرف على وضعيتها المالية، وعلى النصيب الذي سيؤول إليه نتيجة التصفية[33]
ويرى الدكتور أحمد شكري السباعي أنه كي تكون القسمة عادلة يجب على المتقاسمين معرفة وعاء القسمة.
وفي هذا الصدد ينص الفصل 1088 من ق.ل.ع على أنه يجب على المصفي أن يقدم للمالكين على الشياع او الشركاء بناء على طلب أي منهم البيانات الكاملة في حالة التصفية، وأن يضع بين أيدهم الدفاتر والمستندات المتعلقة بأعمال الشركة.
-      حالة التسوية أو التصفية القضائية:
تعد التسوية القضائية أو التصفية القضائية من مساطر معالجة صعوبات التي تعترض المقاولة، ومساطر جماعية يشترط فيها سائر الدائنين على اختلاف أصنافهم وأنواعهم ولا يمكن لأي دائن من الدائنين أن يعرف مركزه وحقوقه إلا بالاطلاع على المحاسبة[34].
ويلعب السنديك في هذه المرحلة دورا مهما، بحيث يقوم بإعداد تقرير عن الموازنة الاقتصادية والاجتماعية للمقاولة بمشاركة رئيسها مع الاستعانة بخبير أو أكثر إذا اقتضى الأمر[35]
ويحق للمراقبين وممثلي الدائنين إذا تم تعيينهم أن يطلعوا على الوثائق المحاسبية  الخاصة بالمقاولة الموجودة في حالة صعوبة وفقا لمقتضيات المادة 645 من مدونة التجارة[36]
-      حالة اشتراك الوثائق المحاسبية بين الأطراف:
هذه الحالات متعددة لا يمكن حصرها، فهي تشمل الشركات أو الملكية المشتركة للأصل التجاري، ونشير إلى أن المشرع منح حق الاطلاع على الوثائق المشتركة ولو دون نزاع معروض على المحكمة، فمن حق كل مساهم أو شريك ابتداء من دعوة الجمعية العامة العادية السنوية وعلى الأقل خلال 15 يوما السابقة لتاريخ الاجتماع الاطلاع بنفسه، في المقر الاجتماعي للشركة على الجرد والقوائم التركيبية للسنة المالية المنصرمة[37]
ويرى  الدكتور أحمد شكري السباعي على أن هذه الحالة تتميز بالشياع والعمومية، لتشمل الشركات والشياع أو (الملكية المشتركة) كملكية مقهى او فندق أو مقهى أو مطبعة أو مكتبة على الشياع.
ومن خلال تحليل المادة 24 من مدونة التجارة المغربية نستنتج أن حالة اشتراك الوثائق المحاسبة بين الأطراف جاءت مبهمة ولم توضح المقصود بها، ذلك أن المشرع المغربي استقى هذه القاعدة عن المشرع الفرنسي، فإن هذا الأخير يعتمد على نظام اختلاط أموال الزوجين، أما بالنسبة للمغرب فقد ورد في المادة 49 من مدونة التجارة أن لكل واحد من الزوجين ذمة مالية مستقلة عن ذمة الآخر، غير أنه يجوز لهما في إطار تدبير الأموال التي تكتسب أثنا قيام الزوجين والاتفاق على  استثمارها ويوزيعها دون تحديد إطار واضح المعالم في طريقة تدبير هذه الأموال خصوصا إذا كان كل من الزوجين تاجر[38]
ونعتقد ان هذه الحالة من باب الحسق إذ كان على المشرع الاكتفاء بالحالات المشار إليها سابقا.



خاتمة:

نود في هذه الخاتمة طرح تقييم عام لما استخلصناه من خلال هذا البحث المتواضع والذي حاولنا من خلال القدر المتيسر استجلاء بعض ما يثيره الإثبات بالمحاسبة على إشكالات خاصة أمام المحاكم التجارية، وهكذا فقد عملنا في هذا الإطار على تبني مقاربة منهجية لمعالجة هذا الموضوع، فاعتمدنا فيه على الخصوص التشريع والكتابات الفقهية، وبناء على هذا لا يسعنا إلى أن نعترف بأن الوثائق المحاسبية بققدر ما هي التزام على عاتق طائفة من التجار، بما هي حامية لهم.
إذ ألقينا نظرة على قانون التجارة الملغاة نلاحظ أن تنظيمه كان لا يلقي إلى حماية مصالح المقاولة أو الدولة او الأغيار، لكن بمجيء  قانون 1992 رقم 9.88 متعلق بالقواعد المحاسبية الواجب على التجار العمل بها، والذي تحيل إليه مدونة التجارة في المادة 19، أصبحنا أمام نص تقني متكامل مطبقا لأحدث ما توصلت إليه نظريات المحاسبة



[1]- فؤاد معلال مرجع سابق,ص:152
[2]- فؤاد معلال . مرجع سابق,ص:152
[3]-  livre :le droit de la preuve et les nouveaux moyens REV, Mar, de au et de d’eca, de développement N° 16-1988, p : 109.
[4]- فؤاد معلال مرجع سابق، ص: 152.
[5]- أحمد شكري السباعي .مرجع سابق,ص:349
[6]- فؤاد معلال، مرجع سابقٌ، ص: 153.
[7]- أحمد شكري السباعي، مرجع سابق، ص350
[8]- رسالة جامعية تحت عنوان 'الالتزام المحاسبي" تخصص ماستر قانون الأعمال والمقاولة، جامعة محمد الخامس السويسي، الطبعة 2013/2012.
[9]- أحمد شكري السباعي، مرجع سابق، ص350.
[10]- L.Ruel quelques remarques sur l’article au juge et la preuve en avait commercial RTd.com
[11]- فؤاد معلال، مرجع سابق، صفحة: 153.
[12]- عرض  "الالتزام المحاسبي" مرجع سابق (الصفحة 35)
[13]- الدكتور هشام محمد و محمود زيدرات "الوجيز في الإثبات في المواد المدنية والتجارية تشريع مقارن، كلية الحقوق، جامعة الاسكندرية، دار الجامعة الجديدة.
[14]-
[15]- احمد شكر يالسباعي، "مرجع سابق، ص: 335.
[16]- الصباري معين: الالتزام المحاسباتي"، ص: 35.
[17] - عز الدين بنستي ، مرجع سابق، ص: 243.
[18]- رسالة جامعية، لطالب سيدي عمر أمين العلمي" مسك المحاسبة رجعيتها في الإثبات بحث نهاية التدريب المعهد الوطنية للدراسات القضائية الفوج 28.
[19]- التشريع المقارن، القانون التجاري اليمني، المادة 41 منه.
[20]- رسالة جامعية حجية الدفاتر المحاسبية في الإثبات" تخصص ماستر قانون الأعمال والمقاولات لطالب الصباري معين، السنة الجامعية 2013/2011، جامعة محمد الخامس السويس، الرباط.
[21]- رسالة جامعية للطالب رضا الكتامي "الالتزام المحاسبتي ماستر قانون الأعمال والمقاولة 2013/2012
[22]- رسالة جامعية، سيدي عمر أمين ***، مرجع سابق، صفحة: 73.
[23]- أحمد شكري السباعي، المرجع السابق، ص:352.
[24]- الدكتور عز الدين بنستمرجع سابق، ص: 243.
[25]- القانون رقم 15.89 المتعلق بتنظيم مهنة الخبرة المحاسبية ينص في مادته الأولى على أن الخبير المحاسب هو ما تكون مهنته اعتيادية، مراجعة وتقدير وتنظيم محاسبات المنشآت والهيئات التي لا يرتبط معها بعقد عمل...
[26]- أحمد شكري السباعي ، مرجع سابق، ص: 353.
[27]- فؤاد معلال: ، مرجع سابق، ص: 155.
[28]- أحمد شكري السباعي، مرجع سابق، ص: 354.
[29]- فؤاد معلال، مرجع سابق، ص: 155.
[30]- الطالب رضا الكتامي: عرض حول الالتزام المحاسبي 2012-2013 كلية السويسي الرباط
[31]-  مرجع سابق.
[32]- الصفحة الالكترونية -جروب معرفة المحاسبة: تحت عنوان مسك الدفاتر التجارة وحاجياتها في الإثبات
[33]- فؤاد معلال: شرح القانون التجاري المغربي، مرجع سابق، ص: 156.
[34]- أحمدج شكري السباعي، مرجع سابق، ص: 355.
[35]- فؤاد معلال، مرجع سابق: 157.
[36]- الموقع الالكتروني،www.startimes2.com  مقال تحت عنوان الإثبات في المادة التجارية.
[37]- الطالب رضا الكتامي: مرجع سابق.
[38]- الموقع الالكتروني :   www.startimes2.com  مقال تحت عنوان الإثبات في المادة التجارية.
التصنيف : |
هام : هذا الموضوع ضمن تصنيفات المدونة زووم العربية نشكرك للمتابعة . يمكنك نقل الموضوع من المدونة لكن بشرط يجب ذكر المصدر و ذكر رابط الموضوع الاصلي قبل نقل أي موضوعالمرجوا زيارة صفحة الخصوصية
نسخ الرابط
نسخ للمواقع
يتم التشغيل بواسطة Blogger.

المساهمات

المساهمات

شركاؤونا

شركاؤونا
شركة المنهل

اشترك في القائمة البريدية

contentieux des affaires ( ISSN ) 2508-9293 © 2014-2016