تابعونا على الفيسبوك

Disqus

قراءة في بعض الشروط القانونية لمزاولة المهمة التحكيمية بالمغرب

قراءة في بعض الشروط القانونية لمزاولة المهمة التحكيمية بالمغرب



كريم الرود

باحث قانوني و وسيط في حل النزاعات



إذا كانت القاعدة العامة تعطي لمحاكم الدولة صلاحية تولي الوظيفة القضائية فإن اتفاق التحكيم جاء كوسيلة لمنح جزء من هذا الاختصاص للهيئة التحكيمية في مجال محدد للفصل في المنازعات بناء على إرادة الأطراف عوض فرض اختصاص قضاء الدولة للنظر فيها [1]، حيث تعتبر الهيئة التحكيمية العنصر الأساسي في العملية التحكيمية نظرا للمهمة المنوطة بها في إحقاق العدل و تسوية المنازعات بشكل سريع و فعال و عادل، لذا عملت مجموعة من الاتفاقيات الدولية  و التشريعات الحديثة على تدعيم الهيئة التحكيمية بصلاحيات واسعة تمكنها من إدارة الدعوى التحكيمية بنجاح بشكل ينسجم مع متطلبات  الأعمال الحديثة، و في المقابل اشترطت لمزاولة المهمة التحكيمية ضرورة توافر مجموعة من الشروط القانونية منها ما يتشابه مع ضوابط العمل القضائي و منها ما يختلف عنه نظرا لخصوصية قضاء التحكيم باعتباره قضاء خاص بامتياز.
و ترتيبا على ما سبق يمكن تحليل و قراءة بعض الشروط القانونية لمزاولة المهمة التحكيمية بالمغرب وفق المحاور التالية :


·                      الأهلية كشرط أساسي لمزاولة المهمة التحكيمية

تجمع الأنظمة القانونية الخاصة بالتحكيم بصفة عامة على اشتراط أن يكون المحكم كامل الأهلية المدنية و يقصد بها صلاحية الشخص لاكتساب الحقوق و تحكمل الالتزامات، فلا يجوز أن يكون محجورا عليه أو محروما من حقوقه المدنية أو من أهلية ممارسة التجارة و ذلك بسبب حكم نهائي بالادانة من أجل ارتكاب أفعال تخل بالشرف أو الاداب العامة[2].
 وهذا ما أكده المشرع المغربي في الفصل 320 من قانون 05-08 الذي جاء فيه على أنه :
 " لا يمكن إسناد مهمة المحكم إلا إلى شخص ذاتي كامل الأهلية لم يسبق أن صدر عليه حكم بالإدانة من أجل ارتكاب أفعال تخل بالشرف أو صفات الاستقامة أو الآداب العامة أو بالحرمان من أهلية ممارسة التجارة أو من حق من حقوقه المدنية.
إذا عين في الاتفاق شخص معنوي،  فإن هذا الشخص لا يتمتع سوى بصلاحية تنظيم التحكيم و ضمان حسن سيره ".
وهو نفس المقتضى الذي جاءت به المادة 1451 من قانون المرافعات الفرنسي الصادر سنة 1980 حيث نصت هذه المادة على أنه :
" لا تعهد مهمة المحكم إلا لشخص طبيعي له الأهلية الكاملة لممارسة حقوقه المدنية ".
و هو نفس الإتجاه الذي تضمنته مجموعة من التشريعات سواء صراحة أو ضمنا[3] و بالتالي فإذا كانت أغلب التشريعات أكدت على وجوب توفر شرط الأهلية فإن تطبيقاتها تعرف اختلافات، مما ينبغي طرح التساؤل التالي هل يجوز للقاضي و كذا المرأة و كذا الشخص الذي تم رد اعتباره بعد إدانته قضائيا من تولي المهمة التحكيمية ؟
بالنسبة للأهلية المرأة في ممارسة التحكيم فإن الأمر يختلف من نظام دولة لاخرى أما بخصوص المشرع المغربي فلم يورد أي نص صريح يمنع المرأة من تولي مهمة التحكيم وهذا ينسجم مع مبادئ الدستور الجديد مع الاتفاقيات الدولية التي وقع عليها المغرب و التي يلتزم بموجبها بتحقيق المساواة و عدم الميز في تولى الوظائف العامة أو الخاصة.                
أما بخصوص هل يجوز للقاضي تولي مهمة التحكيم فهذه المسألة ثارت جدلا كبيرا فهناك من التشريعات من تسمح و تدافع و لا ترى ما يمنع القاضي من ممارسة التحكيم بينما هناك من يمنع على القاضي ممارسة التحكيم بغير موافقة مجلس القضاء، أما بخصوص المشرع المغربي فلا نجد في قانون المسطرة المدنية القديم أي مقتضى يدل على السماح أو منع القضاة من مماسة التحكيم لكن بعد أن جاء مشروع قانون 05-08 حيث قرر مجلس المستشارين في وقت سابق حدف المادة 322 التي كانت تسمح للقضاة بممارسة التحكيم بعد موافقة المجلس الأعلى للسلطة القضائية على ذلك مع اشتراط أن تمارس هذه المهمة مع التقيد بالمشاركة بالكرامة و استقلالية المهام في حظيرة المحاكم أو حسن سير المرفق العام للعدل[4].
و ما يمكن ملاحظته في هذا الإطار هو الفصل 320 المذكور أعلاه من قانون 05-08  لم يدكر رد الاعتبار كاستثناء من هذا المنع سيما في تلك الحالات التي ترتكب فيها المحكمة خطأ قضائي إد لا يتم تصحيحها إلا في مرحلة عرض القضية على محكمة الأعلى درجة، و بالمقابل هذا ما انتبهت إليه التشريعات المقارنة خلال صاغتها لهذه  المقتضيات مثل المشرع المصري الذي أكد  في المادة 174 من قانون التحكيم على أنه :

" لا يجوز أن يكون المحكم قاصرا أو محجورا عليه أو محروما من حقوقه المدنية بسبب عقوبة جنائية أو مفلسا لم يلرد إليه اعتباره".[5]


·                      ضرورة أن يكون شخصا طبيعيا

من المستجدات التي بها قانون 05-08 للتحكيم و الوساطة الاتفاقية هو تنصيصه على التحكيم المؤسساتي و تنظيمه تداركا منه للنقص الذي كان يعتري القانون الملغى و استشعارا منه بأهميته  في تطوير و تفعيل العملية التحكيمية و في منح الثقة و الاطمئنان للرؤوس الأموال الوطنية و الاجنبية[6]
حيث قد يتولى مهمة التحكيم شخص طبيعي كما قد تسند المهمة التحكيمية إلى شخص معنوي كمركز للتحكيم مثلا، و بالتالي فالى أي حد ينسجم هذا الشرط القانوني لمزاولة مهمة التحكيم مع إسنادها للشخص معنوي؟
نص المشرع المغربي في الفصل 320 من قانون 05-08 للتحكيم و الوساطة الاتفاقية على أنه
" لا يمكن إسناد مهمة التحكيم إلا لشخص ذاتي .....
إذا عين في الاتفاق شخص معنوي،  فإن هذا الشخص لا يتمتع سوى بصلاحية تنظيم التحكيم و ضمان حسن سيره ".
ويمكن القول أنه هذا الفصل يقوم على مبدأ أساسي مثمثل في أن إبراز الثقة التي يجب توافرها بقدر الامكان بين شخص المحكم و الطرفين وهو ما لا يتوافر عند اختيار شخص اعتباري محكما إذ هو سيباشرالتحكيم حتما بواسطة شخص لم يختاره الطرفان على أنه من المقرر أنه إذا عين اتفاق التحكيم شخصا معنويا محكما فإن هذا لا يؤدي إلى بطلانه و إنما لا يكون للشخص الاعتباري المتفق على اختياره محكما إلا سلطة تنظيم التحكيم [7].  
و بالتالي يظهر لنا أن المشرع المغربي يجيز أن يكون الشخص المعنوي معينا في اتفاق التحكيم مهما كان شكله كمركز قائم للتحكيم مثلا فإدا صدر القرار عن شخص معنوي يقع صحيحا إلا أنه ولتفادي إصدار القرار من شخص معنوي و تعرضه عند إد للإبطال فينبغي الاقتصار على سلطة الاشراف و ليس الحكم و أن تصدر الهيئة التحكيمية الحكم بصفتها الشخصية هذه و ليس باسم الشخص المعنوي و إلا اعتبر كأنه صادر عن هذا الشخص المعنوي[8].
الا أن السؤال يثور في ما مدى الاعتداد بهذا الشرط في التحكيم الدولي خصوصا و أن المشرع المغربي أورده في الشق الخاص بالتحكيم الداخلي ؟
 يستثني الفقه الفرنسي من هذا الشرط التحكيم التجاري الدولي فيمكن أن يختار الأطراف مركز تحكيم كمحكم و يستندون لنص المادة 2 في فقرتها الاولى من اتفاقية نيويورك لسنة 1958 التي تنص على أنه
" 2- أن عبارة (قرارات التحكيم) لا تشمل فقط القرارات التي يصدرها المحكمون المعينون للبت في القضايا الانفرادية بل تشمل أيضا القرارات التي تصدرها هيئات التحكيم الدائمة التي يخضع لها الفرقاء"[9].
حيث تؤكد هذه الفقرة  أن أحكام المحكمين يمكن أن تصدر أيضا من هيئات مراكز التحكيم التي يختارها الأطراف و بالتالي يكون الشخص الاعتباري (المركز) هو نفسه المحكم و يعتبر الأشخاص الطبيعيون مصدرو الحكم كأنهم يعملون بأسم المركز و تختلط أشخاصهم به[10].
بالرجوع للتشريع المغربي نجده يقر في الفرع الثاني من قانون 05-08 في الفصل39-327 [11] بالاتزام بالاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب قبل صدور هذا القانون مع العلم أن المغرب صادق على اتفاقية نيويورك بشأن الاعتراف بالاحكام التحكيمية و تنفيذها [12].
 و بالتالي فبموجب الفصل أعلاه يمكن القول أن شرط أن يكون المحكم شخص طبيعي يرد عليه استثناء المادة 2 من الاتفاقية المذكورة في مجال التحكيم التجاري الدولي.
·                      استقلالية المحكم

يلزم لكي يقوم المحكم بالمهمة التحكيمية و يحوز ثقة الأطراف أن يكون – شأنه شأن القاضي – محايدا و مستقلا، و تعتبر حيدة المحكم و استقلاله من الشروط الأساسية لصحة مهمته و هذا الشرط معترف به في كل الأنظمة القانونية للتحكيم دون خلاف.
 و الأصل في المحكم الذي قبل مهمته أنه مستقل و محايد و على من يدعي العكس أن يثبث ذلك و يقصد بهذا الشرط أن يكون المحكم شخصا من غير أطراف النزاع فإن كان طرفا فيه فإنه لا يصلح أن يكون محكما، ذلك أنه ليس لشخص أن يكون طرفا و محكما في نفس الوقت [13].
و نظرا لأهمية هذا الشرط فقد نص عليه المشرع المغربي في الفصل الفصل 323 الذي نص على أنه
 " يمكن تجريح المحكم إذا :
...2- كانت له أو لزوجه أو لأصوله أو لفروعه مصلحة شخصية مباشرة أو غير مباشرة في النزاع ..7- تصرف بوصفه الممثل الشرعي لأحد الأطراف
..9- كانت صداقة أو عداوة بادية بينه و بين أحد الأطراف..".
 إضافة إلى ما سبق أكد الفصل 327-3  من نفس القانون على أنه :
 " إذا ثبت أن المحكم أو المحكمين المعينين في اتفاق التحكيم لا تتوافر فيهم الشروط القانونية لممارسة هذه المهمة أو لأي سبب آخر يحول دون تشكيل الهيئة التحكيمية ، فإن تعيين المحكمين يتم إما باتفاق الأطراف و إما وفقا للفصل 4-327 بعده".
و في الأخير تجدر الإشارة إلى أن قوانين و أنظمة التحكيم تستلزم إلى جانب توافر شروط قانونية لمزاولة المهمة التحكيمية، ضرورة توافر المحكم على شروط اتفاقية مثل شرط الجنسية أو شرط التخصص على اعتبار أن قضاء التحكيم هو قضاء خاص يستلزم لانعقاد اختصاصه و صحة أحكامه التحكيمية أن تصدر وفق القانون الواجب التطبيق و وفق الشروط الاتفاقية المحددة من قبل الأطراف في اتفاق التحكيم.





[1]  سوالم سفيان، الطرق البديلة لحل المنازعات في القانون الجزائري، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في الحقوق و العلوم السياسية، قسم حقوق الجزائر، السنة الجامعية، 2011، ص 23.

[2]  معمرو بومكوسي، تشكيل الهيئة التحكيمية الإطار القانوني – الضمانات القانونية، مقال منشور بموقع www.marocdroit.com  تاريخ الزيارة 2016-03-23.

[3]  فالقانون اللبناني نص في المادة 768 من أصول المحاكمات المدنية بأنه لا تولى مهمة المحكم لغير شخص طبيعي، و إذا عين عقد التحكيم شخصا معنويا فتقتصر مهمته على تنظيم التحكيم " و هو نفس الشئ الذي ينطبق على المشرع المصري الدي نص في المادة 174 من قانون التحكيم على أنه " لا يجوز أن يكون المحكم قاصرا أو محجورا عليه أو محروما من حقوقه المدنية بسبب عقوبة جنائية أو مفلسا لم يلرد إليه اعتباره" يراجع في هذا الشأن حازم المرابط، مهمة المحكم، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، جامعة محمد الخامس  السويسي، كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية  سلا، السنة الجامعية 2008-2009، ص 72.
[4]   وكانت مبررات الحذف تتعلق بالقيود المفروضة بمقتضى مبدأ استقلالية القضاة التي تمنع عنهم ممارسة مثل هذه المهام إلا بترخيص خاص و استثنائي و إبعاد التحكيم عن تدخل القضاء حتى يؤدي نظام التحكيم رسالته المتوخاة و يتفرغ القضاة لاكراهات المحاكم
أسماء عبيد، " التحكيم في التشريع المغربي" رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية –سلا، السنة الجامعية 2009 ص 30.

[5] ناصر بلعيد: "وضعية الهيئة التحكيمية في التشريع المغربي-  دراسة تحليلية في ضوء قانون 05/08 - "، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية سلا، السنة الجامعية 2007- 2008، ص 26-27
[6]  حيث يعهد بالتحكيم إلى مؤسسة أو منظمة تحكيم دولية أو اقليمية أو محلية لتولي الاطلاع بمهام التحكيم وفقا لنظامها الأساسي و من أمثلة هذه المؤسسات محكمة التحكيم بلندن و المحكمة الدولية بغرفة التجارة الدولية إلى غير ذلك من النوادي و المنظمات التحكيمية.
يراجع في هذا الشأن ابراهيم العسري " دراسة تحليلية لبعض مقتضيات القانون رقم 08-05 المتعلق بالتحكيم و الوساطة الاتفاقية" مقال منشور بسلسلة دراسات و أبحاث، عنوان العدد الوسائل البديلة لحل المنازعات، الطبعة الاولى، دار الافاق، الرباط، ص 66
[7]  فتحي والي، "قانون التحكيم في النظرية و التطبيق"، منشأة المعارف، الإسكندرية، الطبعة الأولى، 2007، ص 233.
[8]  عيسى بادي سالم الطراونة، دور المحكم في خصومة التحكيم، رسالة الماجستير مقدمة استكمالا لمتطلبات الحصول على درجة الماجستير في القانون الخاص، جامعة الشرق الاوسط، السنة الجامعية، 2011،  ص 36.

[9]  انظر اتفاقية نيويورك لعام 1958 بشأن الاعتراف و تنفيذ أحكام المحكمين الأجنبية منشورة بالموقع http://qadaya.net/?p=5272 تاريخ الزيارة 2017/02/26.
[10]  د فتحي والي، م. س، ص 233-234.
[11]  الذي ينص على أنه " تطبق مقتضيات هذا الفرع على التحكيم الدولي دون الإخلال بما ورد في الاتفاقيات الدولية المصادق عليها من لدن المملكة المغربية و المنشورة بالجريدة الرسمية".
[12]  بموجب ظهير شريف رقم 1.59.266 بشأن المصادقة على اتفاقية نيويورك الخاصة بالاعتراف بأحكام المحكمين الأجنبية و تنفيدها و المنشورة بالجريدة الرسمية عدد 2473 بتاريخ 18 مارس1960 ص 956
[13]  فتحي والي، م.س، ص 241
اقرأ المزيد

صور إثبات قبول المحكم للمهمة المسندة إليه في القانون المغربي

صور إثبات قبول المحكم للمهمة المسندة إليه في القانون المغربي




كريم الرود

باحث قانوني و وسيط في حل النزاعات



اشترطت القوانين و أنظمة التحكيم من بينها القانون المغربي ضرورة أن يكون قبول المحكم لمهمة التحكيم كتابة لكن اختلفت الآراء بين اعتبار هذه الشكلية إما شكلية إثبات أو شكلية انعقاد مهمة المحكم في النزاع المعروض عليه.
حيث يعتبر قبول المحكم للمهمة المسندة إليه الخطوة الأخيرة في تشكيل الهيئة التحكيمية، فهذه الأخيرة لا توجد قانونا قبل هذا الإجراء، فإذا تعدد المحكمون فيجب أن يتم القبول من كل واحد منهم حيث لا يكفي قبول بعضهم ولو كانوا أغلبية [1].
 لكن يلاحظ أن المشرع المغربي اشترط أن يتم هذا القبول في شكل إما إبرام عقد الشروع في القيام بالمهمة أو بالتوقيع على اتفاق التحكيم،  و ذلك بموجب الفقرة الثالثة من الفصل 6-327 من قانون 05-08 للتحكيم و الوساطة الاتفاقية الذي جاء فيها :
 " يثبت قبول المهمة كتابة بالتوقيع على اتفاق التحكيم أو بتحرير عقد ينص على الشروع في القيام بالمهمة ".
فطبقا لهذا الفصل يجب أن  يثبت القبول بالموافقة الخطية و ذلك بتوقيع المحكم على محرر يسمى اصطلاحا (محرر أو مستند المهمة) أو (وثيقة مستند التفويض) و لا يكفي تضمين اتفاق التحكيم اسم المحكم أو المحكمين الذين وافقوا على المهمة لأن الموافقة المكتوبة ترتب التزاما خطيا على المحكم يصعب الرجوع عنه دون عدر مقبول تحث طائلة المسؤولية[2].
لكن و إن اشترط المشرع الكتابة فيثور تساؤل جوهري يتجلي في ما مدى اعتبار الكتابة المذكورة شكلية انعقاد مهمة المحكم أم شكلية إثباث فقط، حيث تضاربت الآراء في هذا الإطار و يمكن تحليل و تناول هذا الأمر وفق المستويات التالية :

أولا : التنظيم القانوني لإثبات قبول المحكم للمهمة المسندة إليه

استعمل المشرع المغربي في الفصل 6-327 أعلاه كلمة "يثبت" قبول المهمة، بما يحيل على اعتبارها شكلية إثبات، حيث يبدو واضحا أن القبول إما أن يكون صريحا أو ضمنيا، و عمليا غالبا ما يثبث القبول الصريح في شكل محرر بين المحكم و الأطراف، أما إذا تعلق الأمر باتفاق التحكيم فيكفي إمضائه من المحكم لإثبات قبوله للمهمة.
 بينما يتبث القبول الضمني بقيام المحكم بأي عمل يدل على قبوله للمهمة كالاجتماع بالأطراف وكذا ضبط الإجراءات مثلا [3] لكن ما يلاحظ أن المشرع المغربي في الفصل 6-327 أعلاه أنه لم ينص على القبول الضمني بشكل صريح، عكس المشرع التونسي الذي أكده في الفصل 11 من مجلة التحكيم في فقرته الأولى الذي جاء فيه :
" يثبت قبول المحكم لمهمته كتابة أو بتوقيعه على الاتفاق على التحكيم أو بقيامه بعمل يدل على شروعه في المهمة".
و هو ما يجعل من البحث ما مدى إعتبار إثبات المحكم لقبوله للمهمة من خلال القبول الضمني و الغير الكتابي أهمية كبرى خصوصا و أن ابتداء احتساب مدة التحكيم تبتدأ من تاريخ قبول آخر محكم لمهمة التحكيم حسب الفصل 10-327 في فقرته الأخيرة التي جاء فيها :
 ".. تبدأ إجراءات التحكيم من اليوم الذي يكتمل فيه تشكيل هيئة التحكيم مالم تتفق الأطراف على غير ذلك".
كما أن صدور الحكم التحكيمي خارج آجال التحكيم يترتب عليه بطلانه طبقا للفصل 36-327، و نظرا لأهمية تاريخ قبول المحكم للمهمة المسندة إليه و إثباته في مسار العملية التحكيمية قد تثور عدة إشكالات في تحديده خصوصا إذا كان قبول المحكم للمهمة بشكل ضمني أو صريح و بدون إفراغ هذا القبول في شكل عقد مكتوب، مما يثور معه التساؤل حول مدى اعتبار الكتابة المتطلبة في قبول المحكم للمهمة الواردة في الفصل 6-327 هي فعلا شكلية انعقاد و إثبات؟ أم هي شكلية إثبات فقط ؟ و هو ما سنحاول التطرق له في المحور الثاني.

ثانيا : صور إثبات قبول المحكم للمهمة المسندة إليه

بداية ينبغي الإشارة إلى كون قبول المحكم لمهمة التحكيم )طبقا للفصل 6-327( سواء ثبت بالتوقيع على اتفاق التحكيم أو بتحرير عقد ينص على الشروع في القيام بالمهمة قد يحيل على الإعتقاد بكونها شكلية انعقاد مهمة المحكم، لكن بملاحظة الفقرة الثانية من نفس الفصل التي جاء فيها :
"يثبت قبول المهمة كتابة بالتوقيع على اتفاق التحكيم أو بتحرير عقد ينص على الشروع في القيام بالمهمة .. ".
نستخلص من هذه الفقرة أن استعمال المشرع المغربي لمصطلح "يثبت" يفيد بشكل لا لبس فيه أن الكتابة المتطلبة في هذا المقام هي شكلية إثبات قبول المحكم للمهمة و ليس شكلية انعقاد مهمته،
و بالتالي جعل المشرع المغربي الكتابة وسيلة لإثبات قبول المحكم و ليس شرطا لصحة التحكيم أو صحة إجراءاته و القصد منها مجرد تفادي كل نزاع قد ينشأ في المستقبل بصدد تحديد تاريخ القبول المحكم للمهمة نظرا لأهميته في احتساب بدأ إجراءات التحكيم و مدته [4] نظرا لالتزام الملقى على عاتق المحكم بعد قبوله للمهمة في إصدار الحكم التحكيمي داخل الأجل القانوني أو الاتفاقي.
و قد سار القضاء المقارن في اعتبار أن الكتابة شكلية إثبات قبول المحكم لمهمة التحكيم و هذا تبنته محكمة النقض المصرية و قضت في حكم لها بتاريخ 24/2/1973 بأن :
 "الكتابة شرط لإثبات قبول المحكم مهمة التحكيم و ليست شرط لانعقاد مشارطة التحكيم و أن القضاء ببطلان المشارطة استنادا إلى عدم توقيع أحد المحكمين عليها خطأ "[5].
و على هذا النحو فلا توجد صيغة معينة لقبول المحكم للمهمة سواء كان بشكل صريح أو بشكل ضمني، و هذا ما دفع محكمة بيروت تستعرض هذا الأمر في قرار لها صدر بتاريخ 19/12/1985 جاء فيه[6]:
"و تعتبر هيئة التحكيم واضعة يدها على النزاع من يوم قبول المحكم أو المحكمين لمهمتهم و لا يوجد صيغة معينة لقبول المحكم لمهمته بحيث يثبت ذلك بكافة الطرق إما بتوجيه رسائل إلى الأطراف يعلن فيها قبوله للمهمة أو بوضع يده على النزاع باتخاذه إجراءات قانونية مفيدة بشأنه كما يتبين من محاضر المحكمة و أوراق الدعوى أو بتوقيع المحكم على أي قرار تمهيدي أو فاصل في نقطة من نقاط النزاع المعروض على المحكم".
و في الأخير تجدر الإشارة إلى أهمية إثبات قبول المحكم للمهمة المسندة إليه كتابة نظرا لما لتاريخ بداية إجراءات التحكيم و المرتبط بتاريخ تشكيل الهيئة التحكيمية طبقا لفقرة الأخيرة من الفصل 10-327 من أهمية بالغة في بداية احتساب أجل التحكيم و الذي بتجاوزه يعرض الحكم التحكيمي للبطلان و عدم التنفيد.




[1]  فتحي والي : "قانون التحكيم في النظرية و التطبيق"، منشأة المعارف، الإسكندرية، الطبعة الأولى، 2007، ص 226
[2]  رضوان عبيدات : "تشكيل هيئة التحكيم التجاري وفق أحكام قانون التحكيم الأردني و المقارن". مقال منشور بمجلة دراسات: علوم الشريعة و القانون، المجلد 35، العدد 1، 2008، ص 113
[3]  نور الدين قارة، قانون التحكيم  (مقدمة عامة -  التحكيم الداخلي)، المطبعة الرسمية للجمهورية التونسية، ، تونس، دون ذكر الطبعة، ص113
[4] تنص الفقرة الأخيرة  من الفصل 10- 327 من قانون 05- 08 على أنه  "تبدأ إجراءات التحكيم من اليوم الذي يكتمل فيه تشكيل هيئة التحكيم ما لم يتفق الأطراف على غير ذلك".
[5] الطعن رقم 489 لسنة 37 ق، جلسة 24/2/1973 س24 ص321 مدني مشار إليه : رضوان عبيدات، م . س، ص 113.
[6] القرار أشار إليه : جعفر مشيش : "التحكيم في العقود الإدارية و المدنية و التجارية و أسباب بطلان القرار التحكيمي و آثاره"، منشورات زين الحقوقية، دون ذكر مكان الطبع، الطبعة الأولى، 2009، ص 148.
اقرأ المزيد
يتم التشغيل بواسطة Blogger.

المساهمات

المساهمات
contentieux des affaires ( ISSN ) 2508-9293 © 2014-2016