إشكالية المصادرة في جرائم المخدرات

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
  إشكالية المصادرة في جرائم
 المخدرات
المختار العيادي


 من إعداد : ذ/المختار العيادي
 نائب وكيل الملك لدى المحكمة الإبتدائية  بتازة وباحث في صف الدكتوراه الوطنية في قانون الأعمال بكلية الحقوق بوجدة

  
مقدمة
     تعتبر ظاهرة المخدرات والتعامل فيها من أخطر الظواهر التي تهدد المجتمعات المعاصرة، فهي آخذة في الانتشار ملحقة بها أضرارا اجتماعية وصحية واقتصادية بالغة . والمغرب من بين الدول الحديثة التي اهتمت بموضوع المخدرات وأولته العناية اللازمة سواء على الصعيد الوطني أو الدولي،حيث اتجه إلى مكافحتها بكل الوسائل للحيلولة دون انتشارها سواء من خلال التدابير الوقائية أو الزجرية . وفي هذا الإطار تم تعزيز الترسانة القانونية في هذا المجال بإصدار ظهير 21 مايو 1974 بشأن الإدمان على المخدرات السامة ووقاية المدمنين عليها ومختلف النصوص الأخرى المرافقة كما صادق على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الاتجار غير المشروع في المخدرات والمؤثرات العقلية المعروفة باتفاقية فيينا الصادرة في       20/01/1980. ولما كان سبب حضورنا اليوم هو تخليد الذكرى الخمسينية لتأسيس المجلس الأعلى ، وبهذه المناسبة –والمناسبة شرط كما يقال- فأننا سنقف على مدى مساهمة مؤسسة المجلس الأعلى وانفتاحه على المعاهدات الدولية في تقوية النصوص القانونية الجاري بها العمل في مجال المخدرات وتفسيرها بشكل يتلاءم مع مستجدات العصر، وذلك من خلال دراستنا لنقطة قانونية هامة جاء بها ظهير       21/05/1974 ويتعلق الأمر بإشكالية المصادرة في جرائم المخدرات ، كل هذه الجهود المبذولة من طرف الاجتهاد القضائي للمجلس الأعلى في هذه النقطة القانونية لابد أن تكلل بملء الفراغ التشريعي الحاصل . ذلك أن المصادرة في مجال المخدرات أثارت جدلا واسعا في أوساط الفقه والقضاء سواء من حيث طبيعتها أو من حيث نطاق الأموال المتعين مصادرتها .
          ولتسليط الضوء على هذا الموضوع من مختلف جوانبه سوف نتعرض للطبيعة القانونية للمصادرة في مبحث أول على أن نتعرض في مبحث ثان لنطاق المصادرة وموقف القضاء في هذه المسألة .
                                      المبحث الأول
الطبيعة القانونية للمصادرة في جرائم المخدرات

              العقوبات في المادة الجنائية إما أصلية أو إضافية ، فتكون أصلية عندما يسوغ الحكم بها وحدها دون أن تضاف إلى عقوبة أخرى، وتكون إضافية عندما لا يسوغ الحكم بها وحدها أو عندما تكون ناتجة عن الحكم بعقوبة أصلية، فالعقوبة الإضافية هي تلك التي لا تطبق في حق المحكوم عليه إلا إذا نص عليها الحكم صراحة.
وتعرف المصادرة حسب نص المادة 42 من القانون الجنائي بكونها تمليك الدولة جزءا من أملاك المحكوم عليه أو بعض أملاك له ، وقد اعتبر المشرع المغربي المصادرة عقوبة تكميلية عندما عدد العقوبات الإضافية في المادة 36 من القانون الجنائي بقوله : "
1-   ....
2-   ....
3-   ....
4-   ....
5-   المصادرة الجزئية للأشياء المملوكة للمحكوم عليه بصرف النظر عن المصادرة المقررة كتدبير وقائي في الفص 89،
6-   ....
7-   ....                            " .
كما قد تعد المصادرة تدبيرا وقائيا حيث نص الفصل 89 من القانون الجنائي على أنه :   " يِمر بالمصادرة كتدبير وقائي بالنسبة للأدوات والأشياء المحكومة التي يكون صنعها أو استعمالها أو حملها أو حيازتها أو بيعها جريمة ،ولو كانت تلك الأدوات والأشياء على ملك الغير، وحتى ولو لم يصدر حكم بالإدانة .      "
            والمصادرة تختلف أحكامها بحسب الحالات، ففي حالة الحكم بالمؤاخذة عن فعل يعد جناية يجوز للقاضي حسب الفصل 43 من القانون الجنائي أن يحكم بأن يصادر لفائدة الدولة مع حفظ حقوق الغير الأدوات والأشياء التي استعملت أو كانت ستستعمل في ارتكاب الجريمة أو التي تحصلت منها و كذلك المنح وغيرها من الفوائد التي كوفئ بها مرتكب الجريمة أو كانت معدة لمكافئته.
أما في حالة الحكم بالمؤاخذة عن أفعال تعد جنحا أو مخالفات فلا يجوز الحكم بالمصادرة حسب صريح الفصل 44 من القانون الجنائي إلا في الأحوال التي يوجد فيها نص قانوني صريح .وقد تعرض المشرع المغربي للمصادرة في جرائم المخدرات بمقتضى المادة 11 من ظهير 21/05/1974 حيث نصت على أنه :
 " يتعين على المحاكم في جميع الحالات المنصوص عليها في الفصول السابقة أن تصادر المواد أو النباتات المحجوزة طبقا للفصل 89 من القانون الجنائي وكذا جميع المبالغ المالية المحصل عليها من ارتكاب الجريمة وتأمر كذلك بحجز أدوات ومنشآت تحويل المواد أو النباتات أو صنعها والوسائل المستعملة لنقلها.
ويجوز للمحكمة المرفوع إليها القضية في جميع الحالات المنصوص عليها في المقطع الأول من الفصل الثالث أن تأمر بمصادرة جميع الأثاث والأشياء المنقولة أو المزخرفة للأماكن بها والأدوات أو المستعملة لأغراض المخدرات .
وتطبق مقتضيات الفصل87 من القانون الجنائي على الأشخاص الذين يمارسون مهنا ارتكبت الجنح بمناسبتها.    "
فالمشرع المغربي طبقا للمادة 11 من ظهير 21/05/1974 أوجب على المحكمة في جميع الأحوال مصادرة المواد والنباتات المخدرة وكذا جميع المبالغ المالية المحصل عليها من ارتكاب الجريمة ولو لم يصدر حكم بالإدانة ، وفي هذا الصدد استقر عمل المجلس الأعلى على أن المشرع بمقتضى الفصل 11 من ظهير 21/05/1974 جعل المصادرة أمرا إلزاميا للمواد والنباتات المحجوزة تطبيقا للفصل 89 من القانون الجنائي وكذا جميع المبالغ المالية المحصل علها من ارتكاب الجريمة و بحجز أدوات ومنشآت تحويل المواد أو النباتات أو صنعها أو الوسائل المستعملة لنقلها وكذا مصادرة جميع الأثاث والأشياء المنقولة المزينة أو المزخرفة للأماكن بها والأدوات المعدة أو المستعملة في أغراض المخدرات ، وأن هذه المصادرة لا تعتبر من قبيل العقوبة الإضافية المنصوص عليها في الفصل 42 من القانون الجنائي وإنما تكتسي صبغة التدبير الوقائي الوارد النص عليه في الفص 89 من نفس القانون المحال عليه بالفصل 11 المذكور أعلاه ، بحيث يِؤمر بها حتى ولو يصدر حكم بالإدانة متى كانت للأدوات والأشياء المحجوزة صلة بالجريمة .
فالمجلس الأعلى استقر على اعتبار المصادرة تعد عقوبة إضافية بالنسبة للمبالغ المالية المتحصل عليها من ارتكاب الجريمة وتدبيرا وقائيا بالنسبة للمواد والنباتات المخدرة المحجوزة  .وفي هذا الصدد جاء في قرار للمجلس الأعلى ما يلي :  " وحيث يتبين من مقتضيات الفصل 11 المذكور الذي أوجب المصادرة كعقوبة إضافية بالنسبة للمبالغ المالية المحصل عليها من ارتكاب الجريمة ، أنه إنما اشترط بخصوص هذه المصادرة أن تكون تلك المبالغ المالية متحصلة من ارتكاب الجريمة مباشرة، وعليه فإن التطبيق السليم لمقتضيات الفصل 11 المشار إليه بالنسبة لتلك المبالغ أن لا ينصب قرار المصادرة غلا على المبالغ المالية المتحصلة من ارتكاب الجريمة دون غيرها من أموال الفاعل….. لأن المصادرة لا يتأتى تنفيذها إلا على ما هو معلوم …… "
 فالمصادرة في جرائم المخدرات تتحد فيها صفة العقوبة الإضافية والتدبير الوقائي طبقا لروح  الفصل 11 من ظهير21/05/1974 وما استقر عليه عمل المجلس الأعلى  .
المبحث الثاني
نطاق المصادرة في جرائم المخدرات
         يتضح من خلال التمعن في مقتضيات المادة 11 من ظهير 21/05/1974 أن المشرع المغربي أوجب على المحاكم في جميع الأحوال مصادرة المواد والنباتات المخدرة أيا كان منطوق الحكم يستوي في  ذلك أن يكون الحكم قد صدر بالإدانة أو البراءة أو سقوط الدعوى العمومية لوفاة المتهم أو التقادم أو لأي سبب آخر . وتبعا لذلك فإنه بمجرد تأكد المحكمة من تحقق الجريمة يتعين عليها أن تأمر بمصادرة المواد والنباتات المخدرة وجميع المبالغ المالية المحصل عليها من ارتكاب الجريمة وكذا جميع الأدوات ومنشآت تحويل المواد أو النباتات أو صنعها أو الوسائل المستعملة لنقلها كيفما كان منطوق الحكم . وعبارة "أدوات" وردت مطلقة تنطبق على كل المواد التي استعان بها المتهم في إنتاج المخدرات أو صنعها أو حفظها أو وزنها . وبهذا المعنى فإن الحكم بمصادرة الأدوات والأشياء المضبوطة المستخدمة في ارتكاب الجريمة وجوبي وليس اختياري يتعين بمجرد أن تتحقق من ذلك أن تأمر المحكمة بمصادرتها كيفما كان منطوق الحكم .
و المصادرة لا يمكن الحكم بها إلا إذا كانت حيازة المواد المخدرة تشكل جريمة بالنسبة للشخص الذي ضبطت بحوزته فقط ، أما إذا كانت حيازتها مباحة قانونا للمالك أو الحائز الأصلي فلا تجوز المصادرة : فسارق مواد مخدرة مرخص بها من إحدى الصيدليات الذي يلقى عليه القبض ويطالب الصيدلي باسترجاعها يتعين على المحكمة الحكم بردها لصاحبها مادام أن حيازته لها مشروعة ومرخصة بها بالنسبة إليه .
كما تجدر الإشارة أن المصادرة في جرائم المخدرات أثارت جدلا حول حقوق الغير المترتبة عليها ومرد ذلك أن نص المادة 89 من القانون الجنائي لم تميز بين الغير سيئ النية ة الغير حسن النية ، ورفعا لهذا الغموض استقر القضاء المغربي على عدم  المصادرة في حالة ثبوت حسن النية مثال ذلك ما قضت به المحكمة الابتدائية بالبيضاء في حكمها الصادر بتاريخ 12/04/1980 في الملف الجنحي عدد 1757/2 الذي جاء فيه  :   "    وحيث إن الاستعمال المعبر به في الفصل 11 من ظهير 21/05/1974 وكذلك الفصل 89 من القانون الجنائي يجب ان يراعى فيه حسن أو سوء نية الغير وأن الاستعمال إذا كان تدليسيا أو إغتصابيا فإنه يجب استبعاده ويعتبر معه الركن الأساس للجرائم على العموم وهو الركن المعنوي  .
وحيث إن مجرد وضع الحشيش في الباخرة التي لا تزال راسية لا يمكن اعتبار هذه العملية نقلا بالفعل فإن المحكمة ترى في ذلك محاولة فقط لنقل المادة المخدرة .
وحيث إنه زيادة على ذلك ، فإن الفصل 89 من القانون الجنائي يشترط في المصادرة هذه أن يكون النقل في حد ذاته جريمة بينما الفصل الأول من ظهير 21/05/1974 يعتبر فقط الاتجار والإمساك والاستعمال جريمة وهذا يتعين على المادة الممنوعة لا الوسائل التي استعملت للنقل  .   "
غير أن أهم ما أثارته مسألة المصادرة هو نطاق الأموال المتعين مصادرتها ، فبالرجوع إلى المادة 11 من ظهير 21/05/1974 نجدها قد نصت على أنه :
" يتعين على المحاكم … أن تصادر … وكذا جميع المبالغ المالية المحصل عليه من ارتكاب الجريمة …" فما المقصود بالمبالغ المالية وكان يقصد المشرع بها مصطلح الأموال ، فإذا كان الجواب بالإيجاب فهذا يعني أن المصادرة تشمل كل ما تحصل من مردود الاتجار في المخدرات سواء كانت نقودا أو قيما أو منقولات أو عقارات . وفي هذا السياق يمكن القول أن القضاء المغربي استقر على وجوب مصادرة المبالغ المالية (المنقولات) قيما كانت أو أموالا سائلة . غير أن الإشكال طرح بالنسبة إلى مدى إمكانية شمول المصادرة للعقارات ولرصد اتجاهات القضاء المغربي بخصوص هذه الإشكالية سوف نتعرض لموقف محاكم الموضوع في مطلب أول على أن نخصص المطلب  الثاني لموقف المجلس الأعلى .

المطلب الأول
موقف محاكم الموضوع
             لقد تباينت مواقف محاكم الموضوع المغربية في شأن تصديها لقضية المصادرة في جرائم المخدرات لبن اتجاهين اثنين : اتجاه يوسع من دائرة الأموال المشمولة بالمصادرة بحيث تشمل كل ما تحصل من عائد الاتجار في المخدرات سواء كانت نقودا أو منقولات أو عقارات (فقرة أولى) واتجاه يقصر المصادرة على المنقولات وحدها دون أن يتعهداه إلى العقارات (فقرة ثانية ).
الفقرة الأولى
المصادرة في مجال المخدرات تشمل
المنقولات والعقارات
              ذهبت بعض محاكم المملكة إلى أن المصادرة لا تقع إلا على المبالغ المالية (المنقولات) المحصل عليها من ارتكاب جريمة الاتجار في المخدرات، منها محكمة الاستئناف بالبيضاء في قرارها الصادر 27/06/1990 في الملف الجنائي عدد100/90/90 معللة قرارها بما يلي : "   حيث إن الفصل 11 من ظهير 21/05/1974 ينص على مصادرة المبالغ المالية المحصل عليها من ارتكاب جريمة الاتجار في المخدرات ولم ينص على مصادرة العقارات مما يعني رفض طلب النيابة العامة الرامي إلى مصادرة أملاك المتهم لفائدة الدولة .
وحيث إنه تبعا لذلك ينبغي الأمر برفع الأختام عن ممتلكات المتهم (ي) لعدم وجود ما يبررها.
 وحيث ثبت للمحكمة من دراسة وثائق الملف ومن تصريحات المتهم أنه لم تضبط أية سيارة وهي تحمل المخدرات مما يعني رفض طلب النيابة العامة الرامي إلى الحكم بمصادرة السيارة.    "
وهذا الاتجاه عزز موقفه هذا اعتمادا على الأسس التالية :
-      إن مشرع ظهير 21/05/1974 لم ينص بصريح العبارة على مصادرة العقارات.
-      عند مصادرة الموال السائلة والمنقولة يلزم لمصادرتها إثبات تحصلها من مصدر جرمي
    حتى تبقى بمعزل عن أية أموال أخرى مملوكة للمتهم بصورة مشروعة .

الفقرة الثانية
المصادرة تشمل المنقولات والعقارات
          يرى هذا الاتجاه من القضاء المغربي أن المصادرة تشمل جميع المبالغ الملية المحصل عليها من الاتجار في المخدرات سواء كانت أموالا عقارية أو منقولات ، وهذا الاتجاه تبنته محكمة الاستئناف بتطوان  وكذا محكمة الاستئناف بفاس ، ذلك أنه في قرار صادر عن هذه الأخيرة بتاريخ08/01/2001 أكدت ذلك فيما يلي :   
  "     وحيث أن الفقهاء عرفوا المال هو كل ما مال بنفسه أو يِول إلى المال من منقولات أو عقارات،قيم.. وبما أن الفصل 11 من ظهير 21/05/1974 أوجب مصادرة جميع المبالغ المالية المحصل عليها من الاتجار في المخدرات وأن المشرع قصد من خلال مقتضيات الفصل المشار إليه أعلاه مصادرة كل ما تحصل من مردود الاتجار في المخدرات سواء كانت نقودا أو قيما أو منقولات أو عقارات ... وبنا أن المتهم لم يستطع أن يثبت الأصل الحقيقي للموارد التي كانت أساسا لما يملكه فإن الأموال بالمفهوم أعلاه قد حصل عليها عن طريق ترويج المخدرات والاتجار فيها داخليا وخارجيا ويبعد واقعيا أن تكون من مصادر مشروعة لأهميتها وبالتالي فإنه يتعين القول بمصادرة أملاكه تطبيقا لمقتضيات الفصل 11 من ظهير 21/05/1974 حسب التفصيل الوارد في منطوق القرار. "
فهذا الاتجاه قد وسع من دائرة الأموال المشمولة بالمصادرة لتنسحب على جميع المنقولات والعقارات حتى التي لم يستطع المتهم أن يبرر تملكها بطرق مشروعة.
كما ذهبت محكمة الاستئناف بتطوان إلى أبعد من ذلك ينم عن تأثرها بالتشريعات المقارنة في مجال مكافحة الجريمة المنظمة وظاهرة تبييض الأموال القذرة حيث جاء في قرارها الصادر بتاريخ 21/05/1996 في القضية الجنائية عدد 105254/2001 في معرض جوابها عن السؤال المطروح وهو : هل الأمر ينحصر في المبالغ المالية أم يتعداه إلى الاستثمارات التي استثمرت فيها هاته الأموال ، وأكدت بالقول أن المصادرة تشمل الحالة الأولى والثانية مادام أنها أموال قذرة يصطلح عليها بمفهوم العصر بتبييض الأموال التي يتعين تعقبها تمشيا مع المبادئ القانونية التي مفادها أن المعاملة التي محلها بضاعة غير مشروعة لا ترتب أي أثر لأن ما بني على باطل فهو باطل " ثم قضت بمصادرة جميع ممتلكات المتهم العقارية والمنقولة والسائلة باستثناء دار السكنى ومصادرة المبالغ المحجوزة المودعة بكتابة الضبط وذلك لفائدة الدولة .
المطلب الثاني
موقف المجلس الأعلى
            إن تتبع مسار الاجتهاد القضائي للمجلس الأعلى في مسألة نطاق المصادرة يوضح بجلاء أنه اتخذ  موقفين موقف تقليدي (فقرة أولى) و موقف حديث (فقرة ثانية).
الفقرة الأولى
الاتجاه التقـــليــــدي
            وهو الاتجاه الذي سلكه قبل صدور قراره النوعي رقم201 بتاريخ22/01/2003  ذلك أنه كان يتخذ موقفا مقيدا للمصادرة بحث تشمل المنقولات وحدها دون أن يتعداه إلى العقارات يتجلى ذلك من خلال العديد من قراراته من القرار رقم    913/1 الصادر بتاريخ 18/07/2001 في الملف الجنحي عدد : 54/10852/2001 الذي جاء فيه : " وحيث يتجلى من تنصيصات القرار المطعون فيه وكذا منطوقه أنه من جملة ما قضى به مصادرة الممتلكات العقارية للطاعن باستثناء دار سكانه لفائدة الدولة، والحال أن الفصل القانوني المشار إليه لا يتضمن مصادرة العقارات ، وأنه لا يسوغ قانونا ولا يحق للقضاء اعتبار الآثار المالية والعقارية الظاهرة على شخص متهم ارتفع مستواه المالي دليلا على أنه ما سبق أن حصل عليه من أموال مرده إلى فعل جرمي ناتج عن ترويج المخدرات ، فطالما أن  لا وجود لنص قانوني يأمر بمثل ذلك فإن المتعين عند الأمر بمصادرة الأموال السائلة والمنقولة خاصة ،  إثبات تحصلها من مصدر جرمي الذي هو الإتجار في المخدرات حتى تبقى بمعزل عن أية أموال أخرى مملوكة للمتهم بصورة مشروعة ، الشيء الذي حصل عكسه في هذه النازلة حيث صرحت المحكمة بمصادرة أموال الطاعن لمجرد الشك والتخمين بكون ما حصل عليه من أموال يستبعد واقعيا أن تكون تلك الأموال الهامة من مصادر مشروعة ، وعليه فإن القرار المطعون فيه لما صدر على النحو المذكور جاء معيبا لخرقه لأحكام الفصل 11 من ظهير 21/05/1974 والفصل 89 من القانون الجنائي وهو معيب لخرقه الجوهري للقانون الوارد النص عليه في الفقرة الرابعة من الفصل 586 من قانون المسطرة الجنائية و بالتالي فهو منعدم الأساس القانوني وناقص التعليل الذي ينزل منزلة انعدام التعليل ." فالمجلس الأعلى اتخذ موقفه  المشار إليه أعلاه اعتمادا على الأسس التالية :
-         إن الفصل 11 من ظهير 21/05/1974 لم ينص صراحة على مصادرة العقارات .
-         أن المظاهر الخارجية للثروة البادية على شخص ارتفع مستواه المالي لا يقوم دليلا على أن ما حصل عليه مرده ترويج المخدرات .
-         إن مصادرة الأموال السائلة والمنقولة يلزم إثبات تحصلها من مصدر جرمي حتى تبقى بمعزل عن أية أموال أخرى .

الفقرة الثانية
الاتـــجـــاه الحـــديــــث

             إن المجلس الأعلى باعتباره محكمة قانون مهمته السهر على حسن تطبيق القانون وتوحيد الاجتهاد القضائي المغربي  حاول أن يضع حدا للجدل القانوني الذي ساد داخل محاكم المملكة حول مسألة المصادرة في جرائم المخدرات وذلك من خلال قراره رقم201/9 الصادر بتاريخ 22/01/2003 في الملف الجنحي عدد96/23593 والذي شكل حقيقة قفزة نوعية يعكس تأثره باتفاقية فيينا التي صادقت عليها المملكة المغربية و بالتشريعات الجنائية المقارنة التي لائمت تشريعاتها مع هذه الاتفاقية كالقانون الإنجليزي والقانون المصري .ونظرا للأهمية القرار المذكور نورد ما جاء فيه :
" وحيث أنه بالرجوع إلى القرار المطعون فيه يتبين أنه قضى بمصادرة جميع ممتلكات الطاعن العقارية والمنقولة والسائلة باستثناء دار السكنى ومصادرة المبالغ المحجوزة المودعة بكتابة الضبط وذلك لفائدة الدولة ، وقد علل ذلك بالقول أن السند في هذه المصادرة هو القانون خاصة القصل 11 من الظهير المؤرخ في 21مايو 1974 ...
لكن، حيث إنه باستقراء الفصل 11 من المشار إليه يتبين أن لا ينص على مصادرة كل العقارات والمتقولات التي هي ملك الفاعل وإنما ينص على وجوب مصادرة المبالغ المالية المحصل عليها من ارتكاب الجريمة ، وإنه من القواعد القانونية الثابتة أنه إذا كانت عبارة النص واضحة الدلالة فلا يجوز التزيد فيها وعلى القاضي إعمال النص في حدود عباراته الواضحة ، ولا يجوز تحميل النصوص ما لا تتضمنه أو إضافة ما لا تقصده ، وإن قيامه بذلك يجعله يتقمص دور المشرع وهو ما يمتنع عليه القيام به احتراما لمبدأ فصل السلطات، كما أن عليه أن يلتزم قواعد التفسير فلا يتوسع في تفسيره أو تأويله وإنما يلتزم في ذلك أضيق نطاق إعمالا لمبدأ التفسير الموضوعي ، علما أن التفسير لا ينبغي أن يكون منشأ لعقوبات لا يقرها النص المفسر وإلا اختلطت الحدود بين وظيفة التشريع ووظيفة التفسير ، وأن ما لم يرد بالألفاظ الصريحة يفيد عدم اتجاه إرادة المشرع إليه في باب العقوبات ....
وحيث إنه طالما أن عبارات الفصل 11 المشار إليه والسابق بيانها هي عبارات واضحة الدلالة خصوصا عبارة مصادرة... جميع المبالغ المالية المحصل علها من ارتكاب الجريمة ، وهي عبارة قاطعة الدلالة تنطق بالمراد منها،ولا سبيل لتحميل كلمة(مبالغ مالية) غير مضمونها الجلي بالقول كما ذهبت على ذلك المحكمة مصدرة القرار المطعون فيه بأنها تعني كذلك الاستثمارات التي وظفت فيها تلك الموال ، إذ لا محل للتوسع في تفسير هذه العقوبة الإضافية لوضوح النص ودقة عباراته ولا لإقحام ما لا تعنيه دلالاته، علما أن المشرع عندما استعمل كلمة(مبالغ مالية) انصرفت إرادته إلى المدلول المباشر اللغوي والعلمي والقانوني لتلك الكلمة التي بطبيعة الحال لا تتضمن كلمة عقار، وانه لو كان يقصد تطبيق المصادرة على العقار أيضا ما استعمل كلمة(مبالغ) ولا اكتفى بالقول بمصادرة الأموال المتحصلة من الجريمة ... أو لنص صراحة على مصادرة العقارات كما فعل في الفصل147 من قانون العدل العسكري....
وحيث يتبين من مقتضيات الفصل11 المذكور الذي أوجب المصادرة كعقوبة إضافية بالنسبة للمبالغ المالية المحصل عليها من ارتكاب الجريمة مباشرة، وعليه فإن التطبيق السليم لمقتضيات الفصل 11 المشار إليه بالنسبة لتلك المبالغ أن لا ينصب قرار المصادرة إلا على المبالغ المالية المتحصلة من ارتكاب الجريمة دون غيرها من أموال الفاعل وأن تبرر المحكمة في حكمها بصفة دقيقة العمليات الإجرامية التي تحصلت منها تلك المبالغ ، والمبالغ المحصل عليها من كل جريمة مع بيان مجموع تلك المبالغ ، وأن تكون المحكمة قد حصلت قبل البت في القضية على كل البيانات الكافية المتعلقة بالمبالغ المالية التي بحوزة الفاعل لأن المصادرة لا يتأتى تنفيذها إلا على ما هو معلوم ... ويبقى للجهة الموكول إليها التنفيذ أن تستخلص تلك المبالغ من الأموال المحجوزة ، وأن تعمل في حالة عدم كفايتها إلى سلوك الإجراءات القانونية الكفيلة باستخلاص ما بقي ناقصا وذلك من عائد بيع المنقولات أو العقارات المملوكة للفاعل في حدود ما بقي بذمته فقط ...
 وحيث حيث لا يصح في تبرير ما قضت به في هذا الخصوص قولها أن المصادرة تشمل المبالغ المحصل عليها وكذلك الاستثمارات التي استثمرت فيها هذه الأموال لأنها أموال قذرة يصطلح عليها بمفهوم العصر بتبييض الأموال .... طالما أن هذا التبرير لم يعزز بأي سند قانوني.. وذلك أن ما يسمى بتبييض الأموال يعوزه حاليا النص القانوني ، ومن المقرر قانونا لأنه لا عقوبة بدون نص . وكان عليها أن تبرز في قرارها كل عمليات ترويج المخدرات التي ثبت لها ارتكابها من طرف الطاعن، وان تحدد المبالغ المالية التي حصل عليها منها وأن تحصرها وتشملها وحدها بالمصدرة ، وأنها لما لم تقم بذلك يكون قرارها المطعون فيه والحالة هاته فيما قضى به من مصادرة جميع ممتلكات الطاعن العقارية والمنقولة والسائلة باستثناء دار السكنى لفائدة الدولة قد خرق مقتضيات الفصل 11 من الظهير المؤرخ في 21 مايو 1974 ومنعدم الأساس القانوني الأمر الذي يعرضه للنقض بهذا الخصوص .    "
فمن جملة المبادئ التي يمكن استخلاصها من فحوى هذا القرار مايلي :
-         القرار الجديد وضع حدا للجدل القانوني للمقصود بعبارة (مصادرة المبالغ المالية) الوارد في الفص 11 من ظهير 21/05/1974 إذ المقصود منه  المبالغ المالية وهي عبارة قاطعة الدلالة حسب تفسير قضاء النقض.
-         لأول مرة ورد في وسيلة النقض عبارة تبييض الأموال في مجال المخدرات وفي هذا الصدد أكد المجلس الأعلى أن تبييض الأموال يعوزه النص القانوني وان التطبيق السليم لمقتضيات الفصل 11 المشار إليه أعلاه بالنسبة لتلك المبالغ لا ينصب قرار المصادرة إلا على المبالغ المتحصلة من ارتكاب الجريمة دون غيرها من أموال الفاعل وأن تبرز المحكمة في حكمها بصفة دقيقة العمليات الإجرامية التي تحصلت منها تلك المبالغ ، والمبالغ المحصل عليها من كل عملية مع بيان مجموع تلك المبالغ  حصر مختلف العمليات الحسابية وتتبع الحسابات البنكية  وكل هذه العمليات تجر بالطبع إلى ما عبرت عنه معاهدة فيينا عن المسائل التي تستوجب مصادرتها .
-         إن تفسير المجلس الأعلى في هذه النقطة القانونية(المصادرة)أصبح ملزما لمحاكم الموضوع .مما يستوجب مسطرة جديدة في التعامل مع الأموال الناشئة عن الاتجار في المخدرات إذ أصبح لزوما أولا تحديدها (والتحديد يعني قيام الضابطة القضائية بإشراف النيابة العامة أثناء سريان البحث التمهيدي تتبع مختلف العمليات المالية و البنكية للمتجرين وإحصاؤها بصفة دقيقة عن طريق خبراء مختصين واستخلاصها ) وبذلك تتحول العقارات التي وأن لم ينص القانون على مصادرتها بشكل صريح إلى مصادرة فعلية وقانونية لها..
-         المجلس الأعلى في قراره هذا لم يتعرض لحالة كون المبالغ المالية الناتجة عن ترويج المخدرات تتعدى الممتلكات العقارية والأسهم والقيم المنقولة الأخرى التي تكون في ملك المتهم ، وهو ما يستدعي تدخل النيابة العامة في إطار سلطة  التحري  البحث عن المبالغ التي يمكن أن تكون قد تم تهريبها خارج التراب الوطني وتكثيف التعاون الدولي الذي تتيحه اتفاقية فيينا.
خــاتـــمـــــة :
             لا شك أنه من خلال دراسة هذا الموضوع يتضح بجلاء الجهود المبذولة من طرف الاجتهاد القضائي للمجلس الأعلى في مسألة المصادرة في جرائم المخدرات والتي لا بد لها أن تساهم في ملء الفراغ التشريعي الحاصل و تقوية وتعزيز النصوص القانونية الجاري بها العمل ونفخ روح العصرنة فيها وهو ما ينسجم والمتغيرات الدولية وملائمة التشريعات الوطنية مع الأوفاق الدولية التي صادقت عليها المملكة المغربية  . هذا المجهود هو ما دفع المشرع المغربي إلى إعداد مشروع القانون الجنائي حسب الصيغة المطروحة بتناريخ 31/03/2015 والذي نسخ المواد من 1 إلى 5 الظهير الشريف رقم 1.73.282 بتاريخ 28 ربيع الثاني 1394 (21 مايو 1974) يتعلق بزجر الإدمان على المخدرات السامة ووقاية المدمنين من هذه المخدرات حيث نظم جرائم المخدرات في المواد :من 1-440 إلى 16-440 من مسودة مشروع القانون الجنائي.
هذا وتجدر الإشارة أن المادة 42 من مسودة مشروع القانون الجنائي ( وفق صيغة :31/03/2015) سوف تنهي الجدل القائم بشأن مصادرة الأموال المتحصل عليها من جرائم المخدرات حيث نصت على أنه:
" المصادرة هي تمليك الدولة جزء من الأموال والممتلكات والأدوات والأشياء المملوكة للمحكوم عليه التي استعملت أو كانت ستستعمل في ارتكاب الجريمة، والعائدات المتحصلة منها أو القيمة المعادلة لتلك الأدوات أو الأشياء أو الممتلكات أو العائدات، وكذا المنح والمنافع التي كوفئ بها أو كانت معدة لمكافأة مرتكب الجريمة وشركائه.".
كما أن ظهير شريف رقم 79-07-1 صادر في 28 من ربيع الأول 1428 (17 أبريل 2007) بتنفيذ القانون رقم 05-43 المتعلق بمكافحة غسل الأموال حيث نص  الفصل 1 – 574 منه على أنه:
"
 - تكون الأفعال التالية جريمة غسل الأموال عندما ترتكب عمدا:
-
 اكتساب أو حيازة أو استعمال أو استبدال أو تحويل الممتلكات بهدف إخفاء أو تمويه مصدرها ، لفائدة الفاعل أو لفائدة الغير ، عندما تــكــــون متحصلة من إحـــدى الجرائم المنصوص عليها في الفصل 2 - 574 بعده ؛
-
  مساعدة أي شخص متورط في ارتكاب إحدى الجرائم المنصوص عليها في الفصل 2 - 574 بعده على الإفلات من الآثار التي يرتبها القانون على أفعاله ؛
-
 تسهيل التبرير الكاذب ، بأيه وسيلة من الوسائل ، لمصدر ممتلكات أو عائدات مرتكب إحدى الجرائم المشار إليها في الفصل 2 - 574 بعده ، التي حصل بواسطتها على ربـــح مباشر أو غير مباشر ؛
 -  تــقــــديم المساعدة أو المشورة في عملية حراسة أو توظيف أو إخفاء أو استبدال أو تحويل العائدات المتحصل عليها بطريقة مباشرة أو غـــيــــر مـــباشرة من ارتكاب إحدى الجرائم المذكورة في الفصل 2 - 574 بعده. "
كما أن الفصل 2 – 574 نص على أنه :

" - يسري التعريف الوارد في الفصل 1 - 574 أعلاه على الجرائم التالية : -  الاتجار في المخدرات والمؤثرات العقلية ؛
-
 المتاجرة بالبشر ؛
-
 تهريب المهاجرين ؛
-
 الاتجار غير المشروع في الأسلحة والذخيرة ؛
-
 الرشوة والغدر واستغلال النفوذ واختلاس الأموال العامة والخاصة ؛
-
  الجرائم الإرهابية ؛
-
  تزوير النقود وسندات القروض العمومية أو وسائل الأداء الأخرى.
الفصل 3 - 574. - يعاقب على غسل الأموال :
-
  فيما يخص الأشخاص الطبيعيين بالحبس من سنتين إلى خمس سنوات وبغرامة من 20.000 إلى 100.000 درهم ؛
-
  فيما يخص الأشخاص المعنوية بغرامة من 500.000 إلى 3.000.000 درهم ، دون الإخلال بالعقوبات التي يمكن إصدارها على مسيريها أو المستخدمين العاملين بها المتورطين في الجرائم.
تطبق نفس العقوبات على محاولة غسل الأموال.
التصنيف :
هام : هذا الموضوع ضمن تصنيفات المدونة زووم العربية نشكرك للمتابعة . يمكنك نقل الموضوع من المدونة لكن بشرط يجب ذكر المصدر و ذكر رابط الموضوع الاصلي قبل نقل أي موضوعالمرجوا زيارة صفحة الخصوصية
نسخ الرابط
نسخ للمواقع

0 التعليقات:

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

المساهمات

المساهمات

شركاؤونا

شركاؤونا
شركة المنهل

اشترك في القائمة البريدية

contentieux des affaires ( ISSN ) 2508-9293 © 2014-2016