تابعونا على الفيسبوك

Disqus

المحكمة الدستورية ومدى شرعية قرار "تعذر البت"

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
                                                                                                           المحكمة الدستورية  
                                                      ومدى شرعية قرار "تعذر البت"


 

د. حسن دحماني

محامي بهيئة فاس

تحتل المحكمة الدستورية مكانة خاصة في البناء الدستوري المغربي، باعتبارها المؤسسة التي أناط بها الدستور مهمة السهر على احترام سموه، من خلال مراقبة مطابقة القوانين للدستور، والفصل في عدد من المنازعات والاختصاصات التي حددها لها صراحة.

هذه المكانة لا يمكن أن تكون موضع جدل؛ فوجود قضاء دستوري مستقل وقوي يمثل إحدى الضمانات الأساسية لدولة القانون، كما أن قرارات هذه المحكمة، بما لها من حجية وإلزام، تؤدي دورا محوريا في صيانة النظام الدستوري وحماية التوازن بين المؤسسات.

غير أن الاعتراف بهذه المكانة لا يعني في المقابل أن المحكمة الدستورية توجد خارج المنظومة القانونية التي تحكمها، أو أن اجتهادها يصبح بمنأى عن النقاش والنقد، فهذه المحكمة وهي تحرس سمو الدستور، تستمد اختصاصها منه، وتمارس وظائفها في الحدود التي رسمها لها، كما تخضع في تنظيم ممارستها لاختصاصاتها للقانون التنظيمي الذي ينظمها.

 لذلك فإن استقلال هذه المحكمة لا يعني استقلالها عن مبدأ الشرعية، كما أن سلطتها في تفسير النصوص لا يمكن أن تتحول إلى سلطة تشريعية تنشئ من تلقاء نفسها قواعد إجرائية لم يضعها المشرع.

من هذه الزاوية تحديدا يكتسب قرار المحكمة الدستورية عدد 277/26 م.د الصادر في الملف عدد 317/2026 بتاريخ 10/08/2026 المتعلق بالقانون رقم 66.23 المنظم لمهنة المحاماة أهمية تتجاوز القانون ذاته، لأن الإشكال الذي أثاره لا يتعلق فقط بمضمون النص المحال ومدى مطابقته للدستور، وإنما يمتد إلى حدود السلطة الإجرائية للمحكمة نفسها، وإلى مدى قدرتها على ترتيب أثر لم يحدده المشرع صراحة هو "تعذر البت"؟.

إن إثارة هذا الإشكال لا تعني منازعة المحكمة في أصل القاعدة التي انطلقت منها، والمتمثلة في ضرورة أن يكون النص المعروض عليها قد استكمل مساره التشريعي واستقر في صيغته النهائية، ذلك أن النقاش الجاد حول هذا القرار لا ينبغي أن ينطلق من الاعتراض على مبدأ اشتراط نهائية القانون محل الرقابة؛ فهذا المبدأ يجد سنده في طبيعة الرقابة السابقة على دستورية القوانين و في صريح مقتضيات الفصل 132 من الدستور و المادة 23 من القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية، إذ لا يستقيم أن تنصب الرقابة على نص لا تزال الإرادة التشريعية بشأنه قابلة للتغيير، فالمحكمة لا تراقب مشروعا تشريعيا ما زال في طور التكوين، وإنما تباشر رقابتها على قانون استقر في صورته النهائية وأصبح صالحا للإصدار.

لكن التسليم بهذه المقدمة لا يقود بالضرورة إلى النتيجة التي انتهت إليها المحكمة، ذلك أن ثبوت نهائية القانون باعتباره شرطا لممارسة الرقابة شيء، وتحديد الجزاء أو الأثر المترتب على عدم ثبوت هذه النهائية شيء آخر؛ وهو تحديدا ما يجعل عبارة "تعذر البت" محل مساءلة قانونية مستقلة؛ فهل يكفي القول إن القانون النهائي هو وحده محل الرقابة، للقول بصورة تلقائية إن المحكمة إذا لم تجد هذا النص في ملف الإحالة يتعذر عليها البت؟ وهل هناك فرق بين أن يكون القانون النهائي غير موجود أصلا، وبين أن يكون قائما بالفعل ولكن لم ترفق نسخته النهائية بملف الإحالة؟ ثم إذا كان المانع لا يتعلق بانعدام القانون وإنما بنقص إحدى وثائق الملف، فما الذي يمنع قانونا من تدارك هذا النقص قبل إنهاء مسطرة الرقابة؟ وهل "تعذر البت" هذا جزاء إجرائي أم مجرد وصف لحالة قانونية؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة تقتضي التمييز بين مسألتين لا يبدو من السائغ قانونا دمجهما في نتيجة واحدة؛ الأولى تتعلق بتحديد محل الرقابة، وما إذا كان النص قد استكمل مساره التشريعي وأصبح قانونا نهائيا، والثانية تتعلق بالأثر الذي يترتب على عدم ثبوت هذه النهائية أو عدم وجود النص النهائي ضمن وثائق الإحالة، ذلك أن نهائية القانون وإن كانت شرطا لازما لمباشرة الرقابة، لا تتحول بمجرد ذلك إلى جزاء إجرائي، ولا يكفي تقريرها لتأسيس القول بأن البت قد أصبح متعذرا، لكون النص الذي يحدد نطاق الاختصاص لم يحدد الجزاء المترتب على تخلف أحد شروط ممارسته.

ومن هنا فإن المحكمة عندما بنت موقفها على مفهوم المخالفة للمقتضى الذي يقصر رقابتها على القوانين النهائية، فإن أقصى ما يمكن أن يقود إليه هذا الاستدلال، من حيث الأصل، هو استبعاد النص غير النهائي من نطاق الرقابة، أما الانتقال منه إلى تقرير "تعذر البت" باعتباره أثرا إجرائيا يضع حدا لمسطرة النظر في الإحالة، فيظل بحاجة إلى أساس قانوني مستقل يبرره، فثمة فارق بين القول إن المحكمة لا تملك مراقبة نص لم يصبح قانونا نهائيا، وبين القول إنها لا تملك اتخاذ أي إجراء للتحقق من نهائية نص قائم أو استكمال ما قد يكون مجرد نقص في الوثائق المثبتة لهذه النهائية.

وهنا تحديدا تبرز أهمية التمييز بين انعدام محل الرقابة ونقص مستندات ملف الاحالة، فإذا كان النص لم يستكمل مساره التشريعي فعلا، فإن المحكمة لا تكون أمام قانون يمكن أن تمارس عليه رقابتها، ويكون امتناعها عن الفصل في دستوريته نتيجة منطقية لطبيعة اختصاصها، أما إذا كان المسار التشريعي قد استنفد، وكان القانون قد استقر في صيغته النهائية، فإن عدم إرفاق النسخة النهائية بملف الإحالة لا يؤدي بذاته إلى محو وجود القانون أو إلى انعدام محل الرقابة، وإنما يكشف عن نقص في عناصر الملف، وبين الحالتين فارق قانوني لا ينبغي تجاوزه بمجرد استعمال عبارة "تعذر البت فمفهوم المخالفة يمكن أن يساعد في تحديد نطاق القاعدة، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى مصدر لإنشاء الجزاء؛ فإذا كان من الممكن استخلاص قاعدة مفادها أن المحكمة لا تنظر في قانون لم يستقر في صورته النهائية، فلا يمكن أن نستخلص من ذلك، دون حلقة استدلالية إضافية، أن مصير الإحالة عند عدم ثبوت هذه النهائية هو بالضرورة "تعذر البت"، فبين القاعدتين مسافة قانونية كان يتعين على القرار أن يقطعها بتعليل صريح ومقنع.

قد يكون الدفاع عن القرار أن المحكمة لم تستحدث جزاء جديدا، لأنها لم تقض بعدم قبول الإحالة، ولم تفصل في دستورية القانون أو عدم دستوريته، وإنما سجلت أنها لا تستطيع ممارسة اختصاصها في ظل عدم استيفاء الشرط اللازم لذلك، وهذا الدفاع له وجاهته من الناحية النظرية، لكنه لا ينهي الإشكال؛ لأن السؤال ينتقل حينها من طبيعة العبارة إلى مصدرها، فإذا كان "تعذر البت" مجرد وصف لحالة استحالة قانونية، فما الذي يجعل هذا الوصف منطوقا قضائيا مستقلا ينهي المسطرة؟ وإذا كان نتيجة حتمية لطبيعة اختصاص المحكمة، فأين يكمن هذا اللزوم في الدستور أو في القانون التنظيمي؟

صحيح أن المحكمة الدستورية لا يمكن أن تكون ملزمة بالفصل في موضوع لا تتوافر شروطه القانونية، ولا يمكنها أن تصدر حكما بالدستورية أو بعدم الدستورية في نص لم تتأكد من أنه النص النهائي الذي استقرت عليه الإرادة التشريعية، غير أن التسليم بهذه الحقيقة لا يعني بالضرورة أنها تملك، في كل حالة لم ينظمها المشرع صراحة، أن تنشئ حلا إجرائيا خاصا بها، فالسلطة الاجتهادية للمحكمة ضرورية لممارسة وظيفتها، لكنها ليست سلطة مطلقة؛ إذ تستطيع تفسير النصوص، وتحديد شروط اختصاصها، واستنباط ما يكون لازما لممارسته، لكنها تقترب من المجال التشريعي عندما تستحدث أثرا إجرائيا جديدا لا يجد له أساسا واضحا في النصوص المنظمة لاختصاصها.

وتزداد قوة هذا المأخذ على القرار إذا استحضرنا أن المشرع التنظيمي للمحكمة الدستورية لم يكن يجهل مفهوم الجزاء الإجرائي، فعندما أراد ترتيب آثار معينة على عيوب أو طعون محددة، ولا سيما في مجال المنازعات الانتخابية، نظمها بنصوص صريحة، وهذا يدل على أن المشرع كان قادرا على التعبير عن الأثر الذي يريده عندما يرى أن عيبا إجرائيا يستوجب عدم القبول أو غيره من النتائج المحددة، ومن ثم فإن سكوت المشرع عن ترتيب أثر معين في مجال الرقابة السابقة لا يمكن أن يتحول تلقائيا إلى تفويض مفتوح للمحكمة لاستحداث الأثر الذي تراه ملائما.

ولا يتعلق الأمر هنا بالقول إن المحكمة كان ينبغي أن تقضي بعدم قبول إحالة قانون المحاماة؛ فالمجالان مختلفان، إذ لا يصح نقل أحكام المنازعات الانتخابية إلى الرقابة على دستورية القوانين بصورة آلية؛ وإنما تكمن أهمية المقارنة في إبراز مبدأ عام مؤداه أن الجزاءات الإجرائية متى كان من شأنها إنهاء مسطرة أو ترتيب أثر قانوني محدد، لا تفترض بمجرد وجود مخالفة شكلية، وإنما تحتاج إلى أساس قانوني يحددها أو إلى مقتضى لا يترك مجالا للشك في لزومها.

وإذا كان الأمر كذلك، فإن السؤال لا يعود فقط إلى تحديد الجزاء الذي يجوز للمحكمة ترتيبه، وإنما يمتد إلى البحث فيما إذا كان إنهاء المسطرة هو الخيار الوحيد الذي كان القانون يتيحه لها.

 في هذا الصدد يمكن استحضار مقتضيات المادة 43 من القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية، لما تتيحه من عناصر لإضاءة الجانب الإجرائي في هذه المسألة، لا لأنها تلزم المحكمة صراحة بإشعار الجهة المحيلة باستكمال وثائق الإحالة، وإنما لأنها تكشف عن وجود مرحلة تحضيرية مؤسسية تسبق ممارسة المحكمة لاختصاصها، وتنيط بالأمين العام، تحت سلطة رئيسها، تسجيل الإحالات الواردة عليها، واتخاذ التدابير اللازمة لتحضير وتنظيم أعمال المحكمة، فضلا عن مسؤوليته عن مسك ملفاتها ومستنداتها، وهي مقتضيات تؤكد أن الإحالة تدخل، منذ وصولها إلى المحكمة، في مسار مؤسسي يقتضي إعداد الملف وتنظيمه وتجهيزه بما يسمح للمحكمة بممارسة اختصاصها.

ولا ينبغي بطبيعة الحال تحميل المادة 43 أكثر مما تحتمل؛ فليس فيها ما يقرر صراحة أن المحكمة ملزمة بإشعار الجهة المحيلة باستكمال وثائق إحالتها، كما أنها لا تنص على مسطرة خاصة لمعالجة النقص في مستندات الملف، غير أن غياب النص الذي يوجب على المحكمة اتخاذ إجراء معين لا يعني، في المقابل، وجود نص يمنعها من اتخاذه؛ فالمنع شيء، وعدم النص على الإلزام شيء آخر، ذلك أن الأصل في الإجراءات التي لا يحظرها القانون أن تظل ممكنة ما لم يرد نص يستبعدها صراحة أو يتعارض معها مقتضى قانوني آخر.

 ومن ثم فإذا كان الإجراء المفترض لا يتجاوز التحقق من وثيقة رسمية لازمة لتحديد محل الرقابة، ولا ينطوي على إضافة سبب جديد للطعن أو تعديل موضوع الإحالة، فإن مجرد عدم ورود نص صريح يأمر المحكمة بطلب هذه الوثيقة لا يكفي، في حد ذاته، لإثبات أنها ممنوعة قانونا من ذلك.

وبعبارة أخرى إذا كان استحداث "تعذر البت" يحتاج إلى سند يبرر ترتيب هذا الأثر، فإن استبعاد كل إمكانية لاستكمال عنصر مادي من عناصر الملف يحتاج بدوره إلى أساس قانوني إذا أريد جعله مانعا يحول دون استمرار المسطرة، إذ لا يستقيم قانونا أن يتحول سكوت المشرع عن تنظيم إجراء معين إلى قرينة على حظره، في الوقت الذي يتحول فيه، في المقابل، سكوته عن ترتيب جزاء معين إلى مجال يسمح باستحداثه قضائيا؛ فإذا كان مبدأ الشرعية يقتضي ألا يرتب على الإخلال الإجرائي أثر ينهي المسطرة من دون أساس قانوني، فإن المنطق ذاته يقتضي ألا يفترض وجود حظر إجرائي لم ينص عليه المشرع، ما دام الإجراء المقترح لا يمس جوهر الإحالة ولا يغير موضوعها ولا ينال من استقلال المحكمة أو حيادها.

ومن هنا يصبح السؤال مشروعا حول ماهية المانع القانوني الذي كان يحول دون استكمال المحكمة للوثيقة اللازمة للتحقق من محل الرقابة؟

إن الإجابة عن هذا السؤال لا ينبغي أن تنصرف إلى معرفة النص الذي يأمر المحكمة صراحة بأن تطلب استكمال الوثيقة، وإنما إلى البحث عن النص الذي يمنعها من اتخاذ هذا الإجراء، إذ لا يكفي، في مجال الشرعية الإجرائية، مجرد غياب نص يوجب اتخاذ إجراء معين للقول بوجود حظر يحول دون اتخاذه، خصوصا إذا كان الإجراء المقترح لا يمس موضوع الإحالة ولا يضيف سببا جديدا للطعن، وإنما يقتصر على استكمال عنصر مادي لازم للتحقق من محل الرقابة.

فإذا لم يثبت وجود مثل هذا المنع، وكان الأمر لا يعدو أن يتعلق بتدبير تحضيري غايته التحقق من وجود النص النهائي الذي ستنصب عليه الرقابة، فإن الانتقال مباشرة من مجرد نقص الوثيقة إلى القول "بتعذر البت" يظل بحاجة إلى تبرير قانوني أكثر قوة وإقناعا؛ فكيف يستقيم إنهاء مسطرة الرقابة بسبب نقص في وثيقة، من دون أن يثبت، في المقابل، أن استكمال هذا النقص كان محظورا على المحكمة قانونا؟

وهنا قد يثار دفاع آخر عن موقف المحكمة، مؤداه أن مطالبة الجهة المحيلة باستكمال الوثائق قد تمس حياد المحكمة، إذ من شأنها أن تجعلها طرفا في مسطرة يفترض أن تظل فيها على مسافة واحدة من الجهات المعنية، أو أن توحي بأنها تساعد الجهة المحيلة على استكمال إحالتها، بما قد يخل بمتطلبات التجرد والاستقلال.

إن هذه الحجة رغم وجاهتها إذا استحضرت في إطار الخصومة القضائية التقليدية، لا تستقيم بالقدر نفسه عند إسقاطها على الرقابة الدستورية، ذلك أن الإحالة على المحكمة الدستورية لا تنشئ، في الأصل، خصومة بالمعنى المتداول في الدعاوى القضائية العادية، ولا تجعل من الجهة المحيلة خصما للمحكمة أو خصما بالضرورة لجهة مقابلة تقف في الطرف الآخر من النزاع؛ فالمحكمة الدستورية لا تفصل في الرقابة السابقة على دستورية القوانين بين مدع ومدعى عليه، ولا تبحث عن ترجيح مركز قانوني خاص لفائدة أحد الخصوم في مواجهة آخر، وإنما تمارس اختصاصا مؤسسيا غايته حماية سمو الدستور والتحقق من احترام القواعد الدستورية في المجال التشريعي.

هذه الخصوصية في طبيعة الرقابة الدستورية تقتضي قدرا من الحذر في استحضار مفاهيم الخصومة التقليدية، فالجهة التي تحيل القانون على المحكمة لا تقدم، من حيث الأصل، دعوى شخصية ترمي إلى الحصول على منفعة خاصة، وإنما تفعل ذلك في إطار اختصاص دستوري محدد، بينما لا تكون المحكمة بصدد الانتصار لموقف الجهة المحيلة أو معارضته، وإنما بصدد التحقق من توافر الشروط التي تسمح لها بممارسة وظيفتها الدستورية، مما يجعل طلب استكمال وثيقة رسمية تتعلق بمحل الرقابة لا يساوي بالضرورة مساعدة طرف في دعواه، فثمة فرق بين أن تستدعي المحكمة الجهة المحيلة إلى تعديل أسباب إحالتها أو إضافة أوجه جديدة لم تكن قد أثارتها، وبين أن تتحقق من أن الوثيقة التي يفترض أن تنصب عليها الرقابة هي بالفعل الوثيقة النهائية التي استقر عليها المسار التشريعي، ففي الحالة الأولى قد يكون ثمة مجال مشروع للقول إن المحكمة تجاوزت موقعها المحايد، أما في الحالة الثانية فإنها لا تضيف إلى الإحالة شيئا من عندها، وإنما تتحقق من موضوعها.

بل إن طبيعة المحكمة الدستورية ومهامها قد تدفع إلى نتيجة عكسية؛ فإذا كانت المحكمة هي الجهة التي يقع عليها عبء التحقق من توافر شروط ممارستها لاختصاصها، فإن تمكينها من التثبت من الوثيقة التي يفترض أن تكون محلا لرقابتها لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره انحيازا إلى الجهة المحيلة، وإنما باعتباره جزءا من التحقق المؤسسي من اكتمال شروط ممارسة الاختصاص، فالحياد لا يعني أن تتعامل المحكمة مع ملف الإحالة كما لو كانت أمام خصمين يتربص كل منهما بخطأ الآخر، وإنما يعني ألا تنحاز إلى موقف أو مصلحة، وأن تظل غايتها الوحيدة هي تطبيق الدستور والقانون.

من هذه الزاوية يصبح من الصعب التسليم بأن مجرد مطالبة الجهة المحيلة باستكمال وثيقة تتعلق بالقانون المحال من شأنها أن تفقد المحكمة حيادها، فالوثيقة لا تنشئ سببا جديدا للطعن، ولا تغير مضمون القانون، ولا تعدل موضوع الإحالة، ولا تمنح المحكمة سلطة لم تكن تملكها، إنها في أقصى تقدير تمكنها من التحقق من أن النص الذي يفترض أن تمارس عليه رقابتها هو النص الذي استقر عليه المسار التشريعي بالفعل.

بل إن القول بأن المحكمة لا تستطيع، تحت أي ظرف، أن تطلب استكمال وثائق ملف الإحالة خشية المساس بحيادها قد يقود إلى نتيجة أكثر إشكالا؛ إذ سيصبح النقص في الوثائق وسيلة كافية لإنهاء مسطرة الرقابة دون أن يكون هذا الأثر منصوصا عليه صراحة، حتى عندما يكون النقص قابلا للاستدراك ولا يمس جوهر الإحالة، وهنا تتحول المحافظة على الحياد من ضمانة لموضوعية القضاء الدستوري إلى قيد قد يحول دون تمكينه من ممارسة اختصاصه على الوجه الأكمل.

ثم إن القول بضرورة إبقاء المحكمة على مسافة مطلقة من ملف الإحالة لا ينبغي أن يحجب حقيقة أن المحكمة نفسها، بموجب المادة 43 تتوفر على جهاز إداري مكلف بتسجيل الإحالات واتخاذ التدابير اللازمة لتحضير وتنظيم أعمالها ومسك ملفاتها ومستنداتها، ولا يعني ذلك مرة أخرى، أن المادة المذكورة تمنح المحكمة سلطة مطلقة في استكمال الإحالات، وإنما يعني أن المشرع نفسه تصور عمل المحكمة باعتباره يمر بمرحلة تحضيرية يتم فيها تنظيم الملفات والتأكد من عناصرها، ولم يتعامل مع الإحالة باعتبارها وثيقة جامدة يستحيل التعامل معها إلا بالقبول أو الإنهاء.

والأهم من ذلك كله أن خصوصية الرقابة الدستورية لا تنحصر في مجرد الفصل في نزاع بين إرادتين متعارضتين، وإنما بحماية موضوعية للنظام الدستوري، بما يجعل التثبت من العناصر اللازمة لممارسة هذه الوظيفة ينبغي أن يقاس بمدى اتصاله بحماية الاختصاص الدستوري، لا بمفاهيم الخصومة التقليدية وحدها.

وبناء عليه فإن القول بأن طلب استكمال الوثائق يفقد المحكمة حيادها يبدو بحاجة إلى تدقيق أكبر؛ لأن المسألة لا تتعلق بمجرد "طلب وثيقة" في حد ذاته، وإنما بطبيعة الوثيقة والغرض من طلبها، فإذا كان الغرض هو إنشاء حجة جديدة لصالح الجهة المحيلة، فإن الاعتراض يكون له أساس، أما إذا كان الغرض هو التأكد من وجود النص النهائي الذي يفترض أن يكون محل الإحالة أصلا، فإن الأمر يتعلق بمحل الاختصاص ذاته، لا بمساعدة الجهة المحيلة.

ومن هنا يعود النقاش إلى المادة 43 أعلاه التي لا تفرض على المحكمة أن تستكمل الملف، لكنها تجعل من الصعب اعتبار كل تدخل في تنظيم ملف الإحالة منافيا بطبيعته للاستقلال والحياد، فالمشرع لم ينشئ الأمانة العامة للمحكمة لتكون مجرد جهاز استقبال سلبي للإحالات، وإنما أسند إليها مهمة اتخاذ التدابير اللازمة لتحضير وتنظيم أعمال المحكمة، وهذا على الأقل، يجعل سؤال إمكان الاستدراك سؤالا مشروعا، ويجعل من الضروري أن يبين القرار، عندما استبعد هذا الخيار، الأساس القانوني الذي يمنع المحكمة من سلوكه؛ فلو كان النص النهائي غير موجود أصلا لأن البرلمان لم يستنفد مساره التشريعي، فإن المانع واضح، ويكون القول بتعذر البت منسجما مع طبيعة الرقابة السابقة، أما و الحال أن القانون قد أقر نهائيا، و أن الأمر يتعلق فقط بعدم وجود النسخة النهائية ضمن ملف الإحالة، فإن الوضع يختلف، لأننا ليس أمام انعدام لمحل الرقابة، وإنما أمام نقص في الوثيقة المثبتة لهذا المحل فقط.

إن هذا التمييز ليس شكليا فحسب لكون القول بأن المحكمة لا تستطيع مراقبة قانون غير موجود في صورته النهائية شيء، والقول إنها لا تستطيع التحقق من وجود النسخة النهائية أو استكمالها شيء آخر، ففي الحالة الأولى ينعدم محل الاختصاص، أما في الحالة الثانية يكون محل الاختصاص قائما، بينما يكون الملف غير مستوف لبعض عناصره، الأمر الذي يجعل قرار "تعذر البت" بحاجة إلى تعليل أكثر قوة؛ لأن التعذر لا ينبغي أن يفترض بمجرد وجود نقص في الوثائق، بل ينبغي أن يثبت أن النقص غير قابل للاستدراك، وأن أي محاولة لمعالجته تتعارض مع القانون أو مع طبيعة اختصاص المحكمة، فإذا كان ثمة مانع قانوني يحول دون الاستكمال، كان الأولى أن يظهر هذا المانع بوضوح في التعليل، حتى يتبين أن المحكمة لم تستحدث "تعذر البت" باعتباره حلا سهلا، وإنما انتهت إليه باعتباره نتيجة يفرضها القانون.

و لعل هذا بالضبط ما يجعل قرار "تعذر البت" قابلا للنقاش من زاوية الشرعية الإجرائية، فالمشكلة ليست في أن المحكمة امتنعت عن الفصل في دستورية القانون؛ فقد يكون امتناعها عن ذلك أمرا مفروضا عليها إذا لم تتأكد من محل الرقابة، وإنما المشكلة في الطريق الذي سلكته للوصول إلى هذا الامتناع، وفي مدى كفاية الأساس القانوني الذي استندت إليه لترتيب "تعذر البت" كمنطوق ينهي المسطرة، خصوصا و أن خطورة قرارها لا تتوقف عند هذه الحدود الإجرائية، وإنما تمتد إلى مآلاته العملية والمؤسساتية.

 فإذا كان "تعذر البت" قد أوقف المسطرة فعليا دون أن تفصل المحكمة في دستورية القانون أو عدم دستوريته، فإن استمرار الرقابة عليه يصبح رهينا بإعادة إحالته من جديد من طرف الجهة التي تملك قانونا تحريك هذه الرقابة، وهنا تبرز فرضية لا يجوز التقليل من شأنها مفادها، ماذا لو عدلت الجهة المحيلة عن إعادة الإحالة؟

في هذه الحالة قد لا يبقى "تعذر البت" مجرد توقف مؤقت لمسار رقابي قابل للاستئناف، وإنما قد يتحول من الناحية العملية، إلى نهاية فعلية للرقابة السابقة على القانون المعني، فالقانون يكون قد استوفى مساره التشريعي، ولم تقل المحكمة كلمتها بشأن مطابقته للدستور، ثم لم يعد مطروحا عليها من جديد بسبب عدم تجدد الإحالة، وبذلك قد ينتهي الأمر إلى وضع قانوني غير مألوف؛ قانون لم تحكم المحكمة بدستوريته، ولم تحكم بعدم دستوريته، ومع ذلك قد يستمر في النظام القانوني دون أن تستكمل الرقابة التي كانت قد فتحت بشأنه.

قد يقال إن الجهة المحيلة تستطيع دائما إعادة إحالة القانون، وبالتالي فلا مشكلة في اعتبار "تعذر البت" مجرد إجراء مؤقت، غير أن هذا القول يفترض استمرار الإرادة التي دفعت إلى الإحالة الأولى، وهو أمر لا يمكن ضمانه؛ فقد تتغير الظروف السياسية أو المؤسساتية، أو تتبدل الأولويات، أو تنتهي ولاية بعض الجهات أو أعضائها، أو ترى الجهة المحيلة نفسها لأي سبب أن لا موجب لإعادة الإحالة، وفي جميع هذه الحالات يمكن أن يتحول التعذر الذي كان يبدو مؤقتا إلى نهاية فعلية لمسار الرقابة السابقة.

ولا ينبغي التقليل من أهمية هذه النتيجة بالنظر إلى أن الرقابة السابقة على دستورية القوانين لا تنشأ، في الأصل، بمبادرة من المحكمة ذاتها، وإنما تتوقف ممارستها على إحالة من الجهات التي حددها الدستور، فإذا انتهت الإحالة بقرار "تعذر البت" ثم لم تتجدد الإحالة، فإن المحكمة لا تملك من تلقاء نفسها إعادة فتح المسطرة أو استدعاء القانون من جديد لمراقبته، ومن ثم فإن قرارا إجرائيا ظاهره إنهاء مسطرة لم تستوف شروطها قد يؤدي عمليا إلى إفلات القانون من الرقابة السابقة نهائيا إذا لم تتجدد المبادرة بالإحالة.

وليس المقصود من ذلك القول إن المحكمة كان يتعين عليها أن تفصل في دستورية قانون لم تتوافر بشأنه شروط الرقابة، فهذا أمر لا يستقيم مع طبيعة اختصاصها، وإنما المقصود أن إنهاء المسطرة بعبارة "تعذر البت" يختلف في آثاره عن معالجة النقص الذي حال دون البت، ففي الحالة الأولى تتحمل الجهة المحيلة عبء إعادة تشغيل آلية الرقابة، بينما في الحالة الثانية تظل المسطرة مفتوحة إلى أن تستكمل عناصرها الضرورية، ومن هنا تتأكد أهمية السؤال السابق، إذا كان النقص قابلا للاستدراك، فلماذا كان الخيار هو إنهاء المسطرة بدلا من تمكينها من استيفاء ما يلزم لممارسة الرقابة؟

وتزداد المسألة حساسية إذا استحضرنا نشر قرار "تعذر البت" في الجريدة الرسمية، فالنشر لا يمثل مجرد إجراء مادي لإيصال القرار إلى علم العموم، وإنما يضفي عليه حضورا رسميا في المنظومة القانونية، ويجعل موقف المحكمة من الإحالة واقعة معلنة للكافة، غير أن هذا الحضور الرسمي لا ينبغي أن يخلط بين وجود القرار وآثاره، ولا أن يؤدي إلى منحه، بمجرد نشره، آثارا لم يرتبها عليه الدستور أو القانون التنظيمي.

فإذا كانت النصوص ترتب آثارا محددة على قرارات المحكمة القاضية بدستورية القانون أو بعدم دستوريته، فإن "تعذر البت" يظل مختلفا عنها من حيث طبيعته ومضمونه، فنشره في الجريدة الرسمية لا يجعله حكما بالدستورية، كما لا يجعله حكما بعدم الدستورية؛ ولا يمكن أن يتحول، بمجرد النشر، إلى شهادة ضمنية بأن القانون مطابق للدستور، فغياب الحكم بعدم الدستورية لا يساوي حكما بالدستورية، كما أن انتهاء مسطرة الرقابة لا يعني أن المحكمة مارست رقابتها الموضوعية على القانون.

غير أن المفارقة تكمن في أن القرار، رغم عدم حسمه في دستورية القانون، يصبح بفضل النشر موقفا قضائيا رسميا معلنا بشأن المسطرة التي فتحت لمراقبته، وإذا لم تعد الجهة المحيلة إلى المحكمة، فإن هذا القرار قد يظل الأثر الوحيد المنشور لمسار الرقابة، في الوقت الذي يظل فيه القانون دون موقف موضوعي من المحكمة بشأن مدى مطابقته للدستور.

وهنا تظهر أهمية التمييز بين الأثر القانوني للنشر والأثر العملي للقرار، فالنشر لا يستطيع أن يخلق أثرا موضوعيا لم يقرره القانون، لكنه يجعل القرار معلوما للكافة، ويثبته بوصفه عملا صادرا عن المحكمة الدستورية، ومن ثم فإن "تعذر البت" لا يبقى شأنا داخليا يتعلق بكيفية تدبير ملف إحالة معين، بل يتحول، بمجرد صدوره ونشره، إلى موقف قضائي يمكن أن يستند إليه مستقبلا في فهم حدود اختصاص المحكمة وشروط ممارسته.

بل أن الأخطر من ذلك كله أن هذا الوضع قد يفضي إلى فراغ بين قرارين دستوريين؛ فلا نحن أمام قرار يقرر دستورية القانون، ولا نحن أمام قرار يقضي بعدم دستوريته، وإنما أمام قانون قد يستمر في مساره القانوني دون أن يكون قد خضع للرقابة السابقة، في حين لا توجد آلية تلقائية تتيح للمحكمة استكمال الرقابة إذا لم تتجدد الإحالة، وهنا لا يعود "تعذر البت" مجرد تعبير عن صعوبة إجرائية عابرة، وإنما قد يصبح نقطة النهاية الرسمية لمسار رقابي لم يبلغ غايته الموضوعية.

وتزداد خطورة هذا الأمر إذا تحول القرار إلى سابقة إجرائية متكررة، فإذا استقر الفهم على أن المحكمة تستطيع، استنادا إلى مفهوم المخالفة، إنهاء مسطرة الرقابة بقرار "تعذر البت" كلما لم تجد في الملف ما يثبت نهائية القانون، فقد تتسع هذه الآلية تدريجيا، وقد تنتقل من حل استثنائي إلى ممارسة إجرائية مستقرة، وعندئذ لا يعود النقاش منصبا فقط على القرار محل الدراسة، وإنما على احتمال تشكل منظومة إجرائية موازية عبر الاجتهاد القضائي، في مجال كان الأصل فيه أن يحدد المشرع شروطه وآثاره.

ومن ثم فإن السؤال الذي يظل مطروحا بعد هذا القرار ليس ما إذا كانت المحكمة قد أخطأت لمجرد أنها لم تفصل في دستورية قانون المحاماة، وإنما ما إذا كانت قد أثبتت بما يكفي أن "تعذر البت" كان نتيجة قانونية حتمية، وليس مجرد حل إجرائي اختارته لمعالجة نقص كان يمكن، من حيث المبدأ تداركه؛ وأن هذا الاختيار لم يكن من شأنه أن يجعل الرقابة الدستورية رهينة بإرادة الجهة المحيلة في إعادة الإحالة، ثم يحول، بعد نشر القرار في الجريدة الرسمية، هذا التعذر المؤقت إلى نهاية فعلية لمسار الرقابة.

إن المحكمة الدستورية هي بالفعل حارسة سمو الدستور، وهذه مهمتها الكبرى ومصدر مشروعيتها وهيبتها، لكنها في الوقت نفسه، ليست فوق الدستور، ولا فوق القانون الذي ينظم اختصاصها، ولا فوق مبدأ الشرعية الذي يفترض أن يكون أساس كل ممارسة للسلطة العامة.

ولذلك فإن أفضل حماية للمحكمة الدستورية ليست في تحصين قراراتها من النقد، وإنما في ضمان أن تكون هذه القرارات قوية بما يكفي لتحمل النقد؛ وأن يكون كل قيد تضعه على ممارسة اختصاصها مستندا إلى نص أو إلى ضرورة دستورية واضحة؛ وأن يكون كل أثر إجرائي ترتبه مبررا باعتباره نتيجة قانونية لازمة، لا مجرد اختيار قضائي، فالمحكمة التي تحرس سمو الدستور لا تحتاج إلى أن تكون فوقه حتى تؤدي وظيفتها؛ بل إن قوتها الحقيقية تبدأ من خضوعها هي نفسها للقاعدة التي تحرسها.

التصنيف :
هام : هذا الموضوع ضمن تصنيفات المدونة زووم العربية نشكرك للمتابعة . يمكنك نقل الموضوع من المدونة لكن بشرط يجب ذكر المصدر و ذكر رابط الموضوع الاصلي قبل نقل أي موضوعالمرجوا زيارة صفحة الخصوصية
نسخ الرابط
نسخ للمواقع

0 التعليقات:

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

المساهمات

المساهمات
contentieux des affaires ( ISSN ) 2508-9293 © 2014-2016