تابعونا على الفيسبوك

Disqus

الوقف وأثره في تحقيق التنمية

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

الوقف وأثره في تحقيق التنمية


 عمر أبو دهب
 تقديم :  
    لقد عرفت البشرية قبل الإسلام شيئاً عن الوقف، وقد ورد أن الوقف قد عرف عند الفراعنة في مصر إذ ذكر بعض المؤرخين أنه قد عثر على صورة وثيقة تبين أن والداً وهب ولده الأكبر أعياناً وأمره بصرف غلالها على إخوانه على أن تكون تلك الأعيان غير قابلة للتصرف فيه.
كما عرف الرومان الوقف إذ ينسب لأحد أباطرة الرومان أنه قال: "إن الأشياء المقدسة كالمعابد، والنذور، والهدايا، ومما يخصص لإقامة الشعائر الدينية لا تجوز أن تباع أو ترهن، ولا يجوز أن يمتلكها أحد".
أما في العصر المتأخر فقد انتشر عند الألمان فكرة الوقف: على المعابد والكنائس، وحسب الإحصاءات التي نشرت فإن مدخرات الكنيسة في ألمانيا وميزانيتها في ازدياد، بل إنها تمثل أرقاماً عالية. فالأصل في الوقف عندهم أنه لا يباع ولا يوهب ولا تورث عينه وليس للمستحق فيه سوى المنفعة التي يتلقاها حسب ترتيب درجته في الاستحقاق.
كما شهدت فرنسا انتشاراً في الأوقاف على دور العبادة والملاجئ والمدارس والمستشفيات حتى أنها شملت في القرن السادس عشر في عهد لويس الثاني عشر حوالي ثلث مساحة فرنسا .
غير أن هذه المؤسسات الخيرية الغربية كانت رد فعل لظروف اجتماعية وسياسية ,ذلك عقب الثورة الصناعية وما نجم عنها من تكديس للثروات بين أيدي أفراد قلائل وتدمر الطبقات العاملة مما تعاني من شظف العيش ,وهو من أهم العوامل التي أدت إلى إقدام أصحاب الشركات الكبرى على وقف ملايين الدولارات للعمل الخيري . ثم كانت ردة الفعل الأخرى عند انتهاء الحرب العالمية الأولى وظهور الدولة الشيوعية وما كانت تدعوا إليه من مفاهيم اقتصادية أحد أسباب المبادرات التي انطلقت من الشركات والمؤسسات الصناعية الأمريكية خاصة لوقف الأموال قصد معالجة بعض مظاهر الخلل الاجتماعي حتى لا تتسرب المفاهيم الشيوعية إلى المجتمع الأمريكي ,ثم ليبرز التمايز فيما بعد من خلال السياسات الضريبية حيث ارتبط العمل الخيري في الغرب بسياسة الإعفاء الضريبي التي يحظى بها المتبرعون وتحظى بها المؤسسات التطوعية .
بينما الوقف في الإسلام نظام أصيل ينبع من عقيدة إيمانية دينية هي الصدقة الجارية, في حين نجد أن المنبع الأساسي التطوعي وأنظمته المعاصرة هو عبارة عن فكرة مادية دنيوية تستهدف المنفعة العامة أو الخاصة.
 فما هي إذن مظاهر الوقف في الإسلام ؟ وما أثره في تحقيق التنمية ؟
 
 وعليه سيتم تقسيم موضوع البحث حسب التصميم التالي:
المحور الأول: مظاهر الوقف في المجتمع الإسلامي
المحور الثاني: التجربة المغربية في مجال الأوقاف
الفقرة الأولى: الوقف في المغرب (بدءا بدخول الإسلام حتى المدونة )
الفقرة الثانية: تجليات المرفق العام من خلال مدونة الأوقاف
المحور الثالث: دور الوقف في تحقيق التنمية

المحور الأول: مظاهر الوقف [1]في المجتمع الإسلامي
       لقد وجدت فكرة الوقف في الإسلام أشباها لها في النظم والشرائع السابقة ,لكن نظام الوقف الإسلام وضع في سياق يستقل بقواعده ومصادره فلم يكن نظاما مستجلبا أو تجميعا لعادات سبقت الإسلام ,بل هو نظام يستمد إطاره العام من القرآن الكريم وأصوله المباشرة من السنة النبوية الشريفة ,أما تفاصيل أحكامه فقد جاء بها الفقه الإسلامي وساهمت فيه كل المذاهب الإسلامية .
فالوقف في الإسلام ليس مقصورا على المعابد بل يتجاوزه إلى جميع أنواع الصدقات في مختلف مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والتربوية والصحية [2].
وقد تطور الوقف في الإسلام منذ البداية بالاستناد إلى مفهوم (الصدقة الجارية) الذي ورد في الحديث النبوي الشريف {إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية, أو علم ينتفع به, أو ولد صالح يدعوا له}
ويبدوا من هذا الحديث أن الصدقة الجارية تقوم على ركنين مترابطين:
-       التصدق أو فعل الخير للآخرين
-       استمرار العمل الخيري بشكل متواصل
ومع تنوع الوقف وتضخمه أصبح الواقف الحريص على نجاح الوقف واستمراره يسعى إلى ضمان نوع من التوازن بين المنشآت (الخيرية) والمنشآت الأخرى (المساعدة)[3]
وقد كان أول من أوقف في الإسلام النبي صلى الله عليه وسلم ,إذ ذكر العلماء أنه صلى الله عليه وسلم ترك بعض الأموال الوقفية وغيرها من الأراضي ومزارع ومستغلات متنوعة ورثها عن والديه ومما أفاء الله عليه من الغزوات والفتوحات في بقاع شتى من المدينة وما جاورها من القرى .ويرى كثير من الباحثين أن أول وقف في الإسلام هو مسجد قباء الذي أسسه النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم مهاجرا إلى مكة قبل أن يدخلها ويستقر فيها ,ثم المسجد النبوي الذي بناه صلى الله عليه وسلم في السنة الأولى من الهجرة ,ثم تتابعت الأوقاف من قبل الصحابة والصحابيات ومن أشهرها الدور والأراضي الزراعية (كوقف عمر ابن الخطاب ,عثمان ابن عفان ,علي ابن أبي طالب ,الزبير ابن العوام )والدروع والعتاد(كوقف خالد ابن الوليد) والآبار (كوقف بئر رومة لعثمان ابن عفان )  رضي الله عنهم أجمعين, ثم بعدها أوقاف التابعين ,ففي عهد الخلافة الأموية توسعت الأوقاف وازداد عددها من قبل الناس, وقد أدى هذا التطور في حجم الأوقاف في العصر الأموي إلى فصل الخدمات الخاصة بالأوقاف في ديوان خاص ومستقل عن بقية الدواوين حماية للواقفين ومصاحهم ,وقد أنشئ ديوان للوقف في مصر في عهد الخليفة هشام بن عبد الملك وقد استمر نمو الأوقاف في عهد الخلافة العباسية فأصبحت للأوقاف إدارة خاصة وعينوا لها رئيسا يسمى صدر الوقف, يشرف على إدارة شؤونها نقيب العمال لمساعدته في النظر في كيفية استثمار الأوقاف وصرف عائداتها في الأوجه الشرعية المعتمدة ,وازدادت الأوقاف في عهد الزنكيين والأيوبيين بصورة ملحوظة إذ تنوعت في هذه الفترة على النشاط العسكري (جهاد الصليبين) والثقافي والنواحي الاجتماعية المختلفة وكان التوسع الأكبر للوقف في بلاد الشام والمماليك حتى أصبحت من مميزات عصرهم ,ولما تولى العثمانيون الخلافة اتسع نطاق الوقف نظرا لإقبال السلاطين وولاة الأمور على الوقف وصارت له تشكيلات إدارية تعنى بالإشراف عليه وصدرت قوانين وأنظمة متعددة لتنظيم شؤونه وبيان نوعية وكيفية إدارته ,أما في عصرنا الحديث فقد أنشئت نظارات[4] للأوقاف تتولى شؤونها كغيرها من شؤون الدولة ,ولما تغيت النظارات إلى وزارات أصبح للأوقاف وزارة خاصة سميت في الدول العربية بوزارة الأوقاف أو وزارة الشؤون الدينية .  
فالوقف في القرون الأولى كان يقوم على المبادرات الفردية ولكننا أصبحنا نرى مع مرور الزمن تدخل جديد للدولة يتمثل في إقامة المنشآت الوقفية والاجتماعية التي تساعد دون شك على حالة الاستقرار السياسي للدولة وعلى السلم الاجتماعي فيها. وقد كانت مؤسسة الوقف ترعاها الأمة وتنفق من خلالها على أنشطة تحتاجها في مختلف الميادين إذ كانت تتمتع باستقلالية ليس للدولة نفوذ مباشر عليها ,وقد ارتبطت هذه المؤسسة بعلاقة وثيقة بالأمة حيث جسد الوقف مصدرا حيويا للمجتمع وفعاليته ووسيلة للحفاظ على غايته ومنهجه وحافظ على الكثير من الأنشطة مستقلة .

المحور الثاني: التجربة المغربية في مجال الأوقاف
    الفقرة الأولى: الوقف في المغرب (بدءا بدخول الإسلام حتى المدونة )
        يشهد علم الآثار ودواوين التاريخ معا على الظهور المبكر للوقف في بلاد المغرب ,فقد كان ذلك منذ الإرهاصات الأولى للفتح الإسلامي المبارك ,حيث أسس عقبة بن نافع مسجدا بدرعة وآخر بسوس ,وبنى موسى بن نصير مسجدا في قبيلة بني حسان, وكذلك فعل طارق بن زياد حينما بنى مسجد الشرفاء وهو المعروف عند الناس بمسجد طارق بن زياد .ثم تتابع الفاتحون الأولون ومن جاء بعدهم على نفس النسق وتعاظمت الأوقاف وتنوعت مع تعاقب الدول التي حكمت المغرب بدءا بالأدارسة ثم المرابطين ثم الموحدين ثم المرينيين ثم الوطاسيين ثم السعديين ,وكان العمل الوقفي يسير في كل تلك الحقب وفق أحكام الشريعة الإسلامية ,يرجع الناس في تدبير أوقافهم إلى كتب الفقه يبحثون أو إلى الفقهاء يسألون فإن تنازعوا أمرهم فيه قصدوا القضاة والحكام يتجادلون ويختصمون .
 وفي عهد الدولة العلوية خاصة في عهد المولى عبد الله بن إسماعيل تأسست لأول مرة في تاريخ المغرب نظارة النظار التي تمثل النظارة العامة للأوقاف ,وصار لها اختصاصات كبرى ونفوذ عام في تسيير شؤون  الأوقاف فكان ذلك أشبه ما يكون بالصورة الأولى لوزارة أوقاف مستقلة.
واستمر ملوك الدولة العلوية في رعاية الأوقاف تنظيما وتشريعا على مر العصور إلى أن انعقد مؤتمر الجزيرة الخضراء جنوب إسبانيا 1324ه/1906م (وهو المؤتمر الذي أفقد المغرب سيادته الكاملة ومهد لمرحلة الحماية) فرفض المغرب إدراج مسألة الأوقاف ضمن أشغال المؤتمر لاعتبارها الديني الإسلامي الأصيل ,وضمن المؤتمر هذا المعنى في الفصل (63) من العقد العام الذي وقعت عليه الدول المشاركة في أبريل 1906م ,وهو ذات المعنى الذي وقعت عليه سلطة الحماية الفرنسية مع المولى عبد الحفيظ سنة 1912م[5] . ففي عهد الحماية الفرنسية فقد كان نظام الأوقاف محتشما في التماشي مع واقع الحياة ومستجداتها ,مكتفيا برفع شعارات واسعة لا تبرح حيز كتابتها ,مثل الأخذ بما جرت به الأعراف في المملكة والاستناد على مبادئ التيسير وقواعد رفع الضرر ... ذلك لما كان يمارسه الاحتلال الفرنسي وأعوانه من ضغوطات للاستفادة من خيرات الأوقاف .        
وبعد إعلان المغرب استقلاله سنة 1956م انتقلت مؤسسة الوقف من نظارة النظار وبنيقة الأحباس إلى هيئة وزارية ضمن أول هيئة عصرية لحكومة مختصة بالشأن العام ,وعرفت هذه الوزارة حينئذ بوزارة الأحباس وقد تولى آنذاك العلامة المختار السوسي شؤونها ثم ضمت إليها فيما بعد وزارة الشؤون الإسلامية وأصبحت تعرف باسم موحد وهو وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ,وقد توالى بعد هذه المرحلة إصدار الأنظمة الأساسية المحددة لهيكلة الوزارة بمديرياتها وأقسامها ومصالحها مع بيان الاختصاصات الموكولة إليها ,إلى ان انتهى الأمر بصدور آخر ظهير منظم لهيكلتها بتاريخ 9 شوال 1424 موافق 24 دجنبر 2003 و تشتمل الوزارة على مصالح مركزية ونظارات جهوية للأوقاف. فعلى الصعيد المركزي تتولى مديرية الأوقاف وضع المخططات والبرامج لاستغلال واستثمار الأوقاف العمومية والمحافظة عليها كما تتولى مراقبة الأحباس العائلية وأحباس الزوايا. وتشتمل على خمسة أقسام:
  • قسم المحافظة على الأصول الوقفية
  • قسم تسيير الأملاك الوقفية
  • قسم الاستثمارات العقارية
  • قسم المنازعات الوقفية
  • قسم الشؤون المالية.
وكل قسم يشتمل بدوره على مصالح ومكاتب.
أما على الصعيد الجهوي، فالوزارة ممثلة بمصالح خارجية تدعى نظارات الأوقاف وعددها 36 نظارة تتولى إدارة الأوقاف التابعة لنفوذها وتنفيذ المخططات التي تضعها الوزارة. وإلى سنة 2004، كانت النظارات تتكلف بالأوقاف والشؤون الإسلامية؛ أما بعد إحداث مندوبيات الشؤون الإسلامية، فالنظارات أصبحت تتكلف بتدبير الوقف فقط.
وفي سنة 2004 بدأ التحضير لمدونة الأوقاف الجديدة التي لم تر النور إلا عام 2010م وقد أتت هذه المدونة لتنسخ وتعوض أكثر من 15 ظهيرا ,فبعد أزيد من 90 سنة على صدور الظهير المنظم للأحباس(يوليوز 1913)  وتبرز هذه المدونة منفتحة على الآفاق المستقبلية ب180 مادة تقنن لأول مرة القواعد الفقهية المتعلقة بالوقف كما جاء في وصف السيد أحمد التوفيق وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية من أنها ''مدونة تقنن لأول مرة القواعد الفقهية المتعلقة بالوقف ,وتحين ضوابط الوقف لملائمتها مع متطلبات الحياة الاقتصادية والاجتماعية دون أي مساس بالأصول المقررة في المذهب المالكي'' , والمتتبع لما جاءت به المدونة من أحكام وتنظيمات ومقارنته بما هو مسطور في مصنفات الفقه المالكي وغيره ,يفضي بنا إلى القول بأن قول الأستاذ أحمد التوفيق لا يصح إلا إذا قصد به اعتبار الغالب , أو إذا قلنا أن أصول المذهب المالكي تستوعب غيرها من أصول المذاهب الأخرى[6] .

الفقرة الثانية: تجليات المرفق العام من خلال مدونة الأوقاف
لقد لعبت الأوقاف دورا مهما عبر التاريخ الإسلامي ,بحيث عملت على تعويض غياب المرافق العمومية بالمعنى الحديث وذلك في مجالات مختلفة ,وخاصة منها المرفق الديني والتعليمي[7] والخيري والصحي ,إضافة إلى مساهمتها في تأمين الحاجات الأساسية للمجتمعات الإسلامية ولفائدة الفئاة المعوزة ,الشيء الذي أصبح معه استحالة الاستغناء عن الأوقاف ليس فقط بالنسبة للمجتمع بل أيضا بالنسبة للدولة التي لم تكن تتوفر على أي نفقات خاصة بإحداث مرافق عامة ,كما وجدت الدولة في الأوقاف تكملة وتعويضا لقصورها وركيزة أساسية تستند عليها لمعالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والحد منها .
ثم مع التوجه الجديد للدولة الحديثة وتدخلها في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية والثقافية, الذي تأثرت به الأوقاف كذلك فقد انتقلت من سلطة المجتمع والأمة إلى سلطة إلى سلطة الدولة كأثر لعملية تأميم الأوقاف وانتقالها إلى الإدارة العمومية.
وبالرجوع إلى مدونة الأوقاف نجدها لا تخلوا في مضامينها من تجليات المرفق الوقفي [8]والذي يلتزم بالمبادئ التي تحكم المرافق العامة من استمرارية ومساواة والقابلية للتغيير ,فقد نصت المادة 50 من مدونة الأوقاف على مبدأ المساواة حيث عرف المشرع الوقف العام بأنه كل وقف خصصت منفعته ابتداءا أو مآلا لوجوه البر والإحسان وتحقيق المنفعة العامة ,ثم نص على أن المساجد تعتبر بقوة القانون وقفا عاما على كافة المسلمين ,ومن هنا يبرز أيضا مبدأ الاستمرارية والدوام الذي يعتبر صفة لازمة للمصدر التمويلي الوقفي ,وهي التطبيق الفعلي لفكرة التنمية المستدامة المتداولة في الأدبيات الحديثة ,أما مبدأ القابلية للتغيير فتتجلى مضامينه في المادة 157  التي أحدث بمقتضاها مجلس لتتبع شؤون التدبير المالي للأوقاف يسمى المجلس الأعلى لمراقبة مالية الأوقاف ,إضافة إلى القرار الصادر لوزير الأوقاف والشؤون الإسلامية مع بداية سنة 2010 والقاضي بتغيير وتتميم عدد من أقسام ومصالح الإدارة المركزية حيث وصل عددها إلى 24 قسم و85 مصلحة[9] .
إن تحديث أساليب التدبير والتنظيم بمؤسسة الوقف يشكل أحد المداخل الأساسية للارتقاء بنشاط المرفق الوقفي وذلك من حيث تقريب الخدمات الحبسية من المنتفعين بإعمال أساليب اللامركزية مع تبسيط المساطر والاجراءات الإدارية لتسهيل وتحسين تعامل المرتفق مع الإدارة .وتتجلى تقنيات تحديث أساليب التنظيم في الاستثناءات التي أقرها المشرع في المدونة لفائدة الأوقاف من المبادئ القانونية العامة ,والتي منح بها وضعا امتيازيا للوقف بما يسهم في توفير الحماية الفعالة له كما هو الشأن بالنسبة لتوقف نزع ملكية العقارات الموقوفة وقفا عاما على موافقة السلطة الحكومية المكلفة بالأوقاف (المادة 54 ) ,وكذا الإعفاء من جميع الضرائب والرسوم أو أي اقتطاع ضريبي محلي أو وطني فيما يخص التصرفات والأعمال أو العمليات أو الدخول الخاصة بالأوقاف العامة (المادة 151 ) .
فالوقف أسلوب حضاري متقدم للتمويل الذاتي للمرافق الإسلامية والمؤسسات الاجتماعية والدينية والعلمية ,فهو من محاسن الشريعة الإسلامية وقد أثبت الواقع المعاصر والدراسات العلمية والاقتصادية أن الوقف أنجع وسيلة لاستمرار المؤسسات العلمية والاجتماعية في أداء وظيفتها دون انقطاع ذلك إذا ما تم وضع آليات صارمة لتدبير ومراقبة مالية الأوقاف العامة وتوفير الوسائل القانونية ما بإمكانه تعزيز الحماية[10] للوقف في إطار الشفافية والحكامة الجيدة .
المحور الثالث: دور الوقف في تحقيق التنمية
    تطلق التنمية في المفهوم الاقتصادي على الاستخدام الأمثل للموارد الطبيعية والبشرية لغرض تحقيق زيادة مستمرة في الدخل تفوق معدلات النمو السكاني, وبما يكفل رفع المستوى المعيشي لمجموع هؤلاء السكان . 
وإن من أهداف التنمية في الإسلام أن تكون زيادة الانتاج مقترنة بعدالة التوزيع ,وأن تتقارب مستويات المعيشة بين الناس ,فالأوقاف من خلال نقل وحدات من الثروة أو الدخل من الأغنياء إلى الفقراء ومعدومي الدخل تحقق شيئا من التوازن في توزيع الدخل والثروة وتذويب الفروق بين الفئات والطبقات الاجتماعية ,ونجاح الوقف الخيري من شأنه أن يخلق جوا من الأمن والطمأنينة يسود المجتمع  وكذلك يسهم الوقف في إعادة توزيع الثروة فعملية التوزيع الأولي للدخل الوطني تؤدي إلى حصول كل عنصر من عناصر الانتاج : الموارد الطبيعية ,رأس المال ,التنظيم ,على نصيبه من مشاركته في العملية الانتاجية ,ويحدث غالبا أن ينتج عن عملية التوزيع الأول للدخل الوطني تفاوت بين الأفراد في الدخول والمدخرات وبالتالي في تراكم الثروات .وهو الأمر الذي يؤدي إلى ظهور النظام الطبقي في المجتمعات وبمرور الزمن وتوالي عمليات التوزيع يتزايد التفاوت بين طبقات المجتمع ,فتأتي عملية إعادة التوزيع من خلال سياسات مالية واجتماعية قد تكون إلزامية كالزكاة ونفقات الأقارب والمواريث... أو يلتزم بها الفرد اختياريا كالوقف والصدقات والهباة, وبذلك يكون الوقف من القادرين وأصحاب الثروات على جهات النفع العام لينهض بعملية إعادة التوزيع ,وبهذا تساهم الأوقاف في تخفيض مشكلة الفوارق بين الطبقات ,فهي تقوم بتوزيع الموارد على طبقات اجتماعية معينة ,فتعينهم على حاجاتهم وتحويلهم إلى طاقات إنتاجية .
وقد كان للوقف أيضا دور في زيادة قنوات التوزيع ,حيث لم تتركز الخدمات التي قدمها الوقف في مجال دون غيره ,كما لم تقتصر تلك الخدمات على فئة أو جماعة دون أخرى ,بل انتشرت على أوسع رقعة من النسيج الاجتماعي للأمة ومرافقها العامة بتكويناتها المختلفة ,ثم تعددت القنوات بفضل الميول والأهداف ,فموارد الوقف لم تختص بها حاجة واحدة كما أن كل حاجة سوف تجد قنوات متعددة تصب عندها من الموارد وجهود العاملين, فالأوقاف ساعدت على أن لا تحصر الثروة في منطقة ما أو إقليم ما أو طبقة معينة فضلا أن يحتكرها شخص واحد , ولقد أثبتت التجربة الإسلامية أن مشاركة المسؤولين وأصحاب المراكز العالية والتجار في الأوقاف يؤثر إيجابا وبشكل مباشر على المستوى التنموي للمجتمع أكثر من غيرهم ,فالتقارير الإنمائية الدولية تدعوا إلى إشراك المجتمع في تقديم الخدمات .
   إن الأنشطة التي تعالجها الدولة أصبحت متعددة بحيث ترهق كاهلها وخاصة من الناحية الاجتماعية, فالدولة في هذا العصر أصبحت تحتاج إلى أموال طائلة للرعاية الاجتماعية ,وبالتالي أصبح تدخلها في أكثر الأحيان لا يفيء بالغرض ,وبالمقابل أصبح من المتعذر فرض ضرائب جديدة لما لها من أضرار ,وكذلك تقلص القروض والمعونات الخارجية التي أصبحت تهدد سيادة الدول .في ظل هذه الضغوط الاقتصادية والاجتماعية فلا مناص من العودة إلى المجتمع وإلى القادرين فيه لتقديم المزيد من العطاءات التطوعية إذ تتزايد أهمية الوقف والحاجة إليه في عصرنا الحاضر يوما بعد يوم مع تزايد معدلات البطالة[11] وانتشار معدلات الفقر من جهة وعجز السلطات عن مواجهة هذه الأمور من جهة أخرى .
   ولقد اتجهت بعض الأقطار العربية والإسلامية إلى تطوير نظامها الوقفي وزيادة دوره في التنمية, كما عقدت الندوات والمؤتمرات المتعددة المتعلقة بالوقف ودوره الاقتصادي وإدارته ,والتي أكدت في توصياتها على ضرورة إحياء دور الوقف وتطوير أهدافه لتواكب التطورات الحالية ولتواجه المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي يعانيها العالم الاسلامي .
   وفي ضوء ما تشير إليه علاقة المجتمع بالدولة (على خلفية سياسات الإصلاح الاقتصادي والسياسي) ومع ارتفاع موجة الاهتمام العالمي بقطاع التشغيل الذاتي, من المتوقع أن يكون نظام الوقف مدعوا أكثر من أي وقت مضى للإسهام بصيغة مبتكرة ومتطورة في تلبية الحاجات الاجتماعية المستجدة ,وهنا يمكن للأوقاف أن تحتل مكانا متميزا في الإسهام البارز في تلبية العديد من المتطلبات الاقتصادية والاجتماعية للأفراد والجماعات في مقدمتها مكافحة الفقر والحد من البطالة .
    وحسب الإحصاء الذي قامت به وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية سنة 2007/2008 كما ورد في تقرير الحالة الدينية بالمغرب للمركز المغربي للدراسات والأبحاث المعاصرة ,والذي كشف عن وجود 44٪ من الأملاك يفوق عمرها 50 سنة أي حوالي 22350 وحدة تجارية في مقابل 15378 أي بنسبة 30٪ يقل عمرها عن 10 سنوات, مما يدل على أنها مقتناة حديثا من قبل الوزارة أو حبست حديثا وهو مؤشر على حركية إيجابية في مجال تنمية الوقف .
وهو ما يشجع بالعودة إلى الوقف كقطاع متميز يختلف عن القطاع العام والقطاع الخاص ,بوضع إطار جديد للوقف يتوفر فيه نوع من التوازن بين إشراف الدولة على هذا القطاع والمحافظة على استقلاليته إذ لا خلاف في وجود الشخصية المعنوية للوقف في الشريعة الإسلامية .







   













المراجع

الكتب :
-       الأوقاف النبوية وأوقاف الخلفاء الراشدين / د.عبد الله بن محمد بن سعد الحجيلي
-       إسهام الوقف في تمويل المؤسسات التعليمية والثقافية بالمغرب خلال القرن العشرين ( دراسة تحليلية ) / د.عبد الكريم العيوني
-       إشتراكية الإسلام / د.مصطفى السباعي
-       الوقف في الشريعة والقانون / د.يكن زهري
-       الوقف في العالم الإسلامي ما بين الماضي والحاضر / محمد الأرناؤوط
المقالات :
-       مدونة الأوقاف : قراءة مقاصدية في مستجادتها الفقهية / د.هشام تهتاه
-       الحماية الجنائية للوقف / د.محمد الأمين
-       تجليات المرفق العام من خلال مدونة الأوقاف / د.حسن مولود
-       مالية الأوقاف العامة بالمغرب : مبادئ التنظيم وسبل المراقبة / عبد الصبوني
الشبكة الإلكترونية :
-       بحث مقدم للمؤتمر الثاني للأوقاف بالمملكة العربية السعودية : الوقف ودوره في التنمية الاجتماعية / د.سليم هاني منصور
-       الوقف الإسلامي كآلية لتمويل وتنمية قطاع المشروعات الصغيرة في الدول العربية / إعداد حسين عبد المطلب الأسرج

النصوص القانونية :
-       الظهير رقم 1.09.236 الصادر في ربيع الأول 1431 ( 23 فبراير 2010 )         يتعلق بمدونة الأوقاف



[1] لقد اختفت تعريف الفقهاء للوقف وقد اقتصرت على ما جاء في المادة الأولى من مدونة الأوقاف أن الوقف هو كل مال حبس أصله بصفة مؤبدة أو مؤقتة ,وخصصت منفعته لفائدة جهة بر وإحسان عامة أو خاصة.ويتم إنشاءه بعقد أو بوصية ,أو بقوة القانون .
يكون الوقف عاما, أو معقبا,أو مشتركا 

[2] ومن نمادج الوقف في الإسلام ,الوقف على المدارس ,المكتبات العامة,المستشفبات,الفنادق للمسافرين,السقايات,الآبار,السلاح والخيول للجهاد,إصلاح الجسور والطرقات العامة,المقابر,اللقطاء,المقعدين,المساجين,القرض الحسن للتجار وغيرهم,البدور مجانا للفلاحين,أدوات الزراعة,أشجار مثمرة في الطريق يأكل منها المارة,إيواء الحيوانات الأليفة وتطبيبها,توزيع الخبز المجاني,وقف الثياب,وقف نقطة الحليب(وكان من ميراث صلاح الدين الأيوبي ,فقد جعل في قلعته ميزابا يسيل منه الحليب وآخر يسيل منه الماء مداب بالسكر ,تأتي إليه الأمهات يومين من كل أسبوع ليأخدن لأطفالهن ما يحتاجون إليه من الحليب والسكر) ,وقف الأواني المكسورة وما يوفره هدا الوقف من الضمانة الإجتماعية للأحداث فالصبي أو الخادم إدا كسر أحد الأواني لسبب من الأسباب فبدلا من أن يتعرض للتوبيخ والضرب أو الطرد من العمل فبإمكانه استبدال الآنية المكسورة بأخرى جديدة ,وقف قصر الفقراء لنور الدين محمود زنكي ليستمتع به الفقراء,وقف لإعارة الأواني,وقف المطاعم الشعبية,وقف الثوب الملوث دلك أنه إدا تلوث ثوب أحد بشيئ يصعب إزالته يدهب به إلى الوقف فيأخد منه ما يشتري به ثوبا جديدا ,وقف الأسبلة وهي أوقاف لتسبيل الماء في الطرقات العامة ليشرب منها الناس والحيوانات .
[3] المنشآت الخيرية,هي المنشآت التي تحتاج إلى دخل دائم لتغطية نفقات الخدمات التي تقدمها للآخرين(جوامع,مدارس,مستشفيات,...)
                المنشآت المساعدة,التي تدر الدخل اللازم للمنشآت الأولى (قيساريات,وكالات,مقاه,دكاكين,حمامات,..)
[4] والناظر هو متولي الوقف
[5] الفصل الأول من اتفاقية الحماية : ’’هدا النظام سيحافظ على الوضعية الدينية ,احترام وهيبة السلطات ,ممارسة الدين الإسلامي وعلى المؤسسات الدينية لا سيما تلك المتعلقة بالأحباس ’’
[6] ودلك حسب قول د.هشام تهتاه في مقالته, مدونة الأوقاف : قراءة مقاصدية في مستجداتها الفقهية
[7] ففي منطقة سوس مثلا قلما تجد قبيلة ليس بها معهد ديني يستقبل حفظة القرآن والآفقين من مختلف الأقاليم المغربية ,بما توفره من مسكن ومأكل ومشرب مجاني ,والمصدر التمويلي لدلك هو الأعشار أو الأحباس أو المساعدات السنوية من أبناء القبيلة لضمان استمرارية المؤسسة .وفي سنة 1970 أوقف السيد الحاج إدريس بن الحاج محمد البحراوي الرباطي قصره ليكون مقرا لدار الحديث الحسنية ,ومما جاء في الوثيقة الحبسية : ’’إنني أحبس الدار للقرآن والحديث ولا أريد أن تكون في المستقبل إلا لهاته الغاية ولا تحول لأية غاية أخرى بحيث تركت الحق للورثة بالرجوع في هدا التحبيس فيما إدا أريد تحويلها عن غايتها ’’ وكان رد الحسن الثاني آنداك بالإيجاب .
[8] هدا المرفق الدي يتميز في أنه يعتبر تراثا خاصا بالمسلمين ,تركه السلف ضمانة لاستقرار الإسلام واستمرار تعاليمه ,خلافا لمعيار المرفق العام الدي ظهر في البداية كأساس للقانون الإداري نتيجة التحولات الاقتصادية والتطور الوظيفي للدولة من الدولة الحارسة إلى الدولة المتدخلة . 
[9](18 يناير 2010)  قرار عدد :2836.09 بتاريخ 2 صفر 1431
[10] ولعل الحماية الجنائية تتمثل في تلك التي يقررها المشرع الجنائي لأموال الوقف والأنشطة المتعلقة به,والتي تتضمن الحبس أو السجن أو الغرامة مع تشديد العقوبة في بعض الحالات .
[11] تعتبر البطالة مظهر من مظاهر الكساد الاقتصادي وقد تكون عامة تشمل جميع الأنشطة ,وترجع إلى زيادة عرض الأيدي العاملة مع قلة الطلب عليها ,وهي تمثل ظاهرة خطيرة تأخد أبعادا اجتماعية واقتصادية وسياسية مهمة .

التصنيف :
هام : هذا الموضوع ضمن تصنيفات المدونة زووم العربية نشكرك للمتابعة . يمكنك نقل الموضوع من المدونة لكن بشرط يجب ذكر المصدر و ذكر رابط الموضوع الاصلي قبل نقل أي موضوعالمرجوا زيارة صفحة الخصوصية
نسخ الرابط
نسخ للمواقع

0 التعليقات:

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

المساهمات

المساهمات

اشترك في القائمة البريدية

contentieux des affaires ( ISSN ) 2508-9293 © 2014-2016