تابعونا على الفيسبوك

Disqus

حجية وسائل الإثبات غير الحاسمة في الاثبات المدني - الشهادة نموذجا -

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
حجية وسائل الإثبات غير الحاسمة في الاثبات المدني
-   الشهادة نموذجا -




محمد بوخريسا : طالب باحث بصف الدكتوراه بجامعة عبد المالك السعدي بطنجة


  

من بين وسائل الإثبات القانونية تبرز شهادة الشهود، أو ما يعرف بالبينة الشخصية وهي من الوسائل الصادرة من غير المتخاصمين ومفاده أن يثبت المتقاضي إدعاءه أو دفاعه بإفادة أشخاص يسميهم ، ويدعمهم إلى المحكمة لأداء شهادتهم في النزاع العالق أمامها على وقائع غريبة عنهم، وغير متعلقة بهم شخصيا ، ولكن العلاقة شاءت أن يتواجدوا في مكان وزمان حصولها.
المحور الاول : تأصيل شهادة الشهود أو الأبحاث وأحكامها الفقهية .
لقد كانت الشهادة الوسيلة الوحيدة للإثبات في المجتمعات البدائية قبل أن تتطور عبر العصور , وعرفها القانون الروماني خاصة في عهد الإمبراطور (justinien) حيث كانت تسود القاعدة التي تقضي بتفوق الشهادة على الكتابة ، على أنه وبعد تمدن المجتمع وظهور الكتابة وكثرة الفساد الأخلاقي وسلب الحقوق بواسطة شهود الزور، بدأت الشهادة تفقد مكانتها فحلت محلها الفائدة القائلة بتفضيل القائلة بتفصيل الكتابة على الشهادة وذلك بصدور قانون (Moulin) سنة 1566 إذ نص صراحة على منع إثبات ما يجوز بالكتابة بواسطة الشهود.
وتقوم الشهادة بدور هام رغم تراجع مكانتها في المواد المدنية، أما في المواد الجنائية فإن الجرائم تقع صدفة وتكون من قبيل الأفعال المادية التي لا يمكن أن يعدلها الدليل مسبقا فلا يسبقها أي تراض أو اتفاق.
ولقد اهتم العديد من الفقهاء بدراسة الشهادة وتبيان مكانتها في الإثبات ومنهم Bentham المعروف بمقولته الشهيرة "الشهود هم أعين وأذان العدالة"[1].
الفقرة الاولى : الاحكام الفقهية لشهادة الشهود
أوردت الشريعة الإسلامية عدة أحكام خاصة بشهادة الشهود، إذ وردت عدة آيات قرآنية وأحاديث نبوية شريفة بشأنها مثال ذلك قوله عز وجل:﴿واستشهدوا شاهدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء...﴾ [2]  وقوله أيضا﴿ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم﴾[3]  ويقول عز وجل أيضا ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا﴾[4].
كما أمرنا الله عز وجل أن نشهد العدول من الناس قال تعالى في كتابه الكريم ﴿واشهدوا ذوي عدل﴾[5].
كذلك نجد أن السنة النبوية كانت زاخرة بالأحاديث النبوية التي تنظم الشهادة في العديد من نواحي الحياة، وقد حثنا صلى الله وعليه وسلم على أداء الشهادة وذم شاهدي الزور وزجرهم، كما أمرنا بإكرام الشهود وبين لنا كيفية الشهادة، حيث جاء في موطإ الإمام مالك أن الرسول عليه السلام قال "ألا أخبركم بخير الشهداء، الذي يأتي شهادته قبل أن يسألها"[6]، وروي عنه صلى الله عليه وسلم أن سئل عن الشهادة؟ فقال للسائل "ترى الشمس؟ قال نعم، فقال عليه السلام "على مثلها فاشهد وإلا فدع" وقال عليه الصلاة والسلام أيضا "أكرموا الشهود فإن الله يحيى بهم الحقوق ويستخرج بهم الباطل"[7].
أما إجماع الفقهاء فثبت إجماع الأمة الإسلامية منذ الرسول صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا اعتبار الشهادة حجة في الإثبات من غير نكير، لأن الحاجة داعية إليها، لحصول التجاحد بين الناس، وقد جاء عن القاضي شريح قوله "القضاء جمرة فنحه عنك بعوذتين يعني الشاهدين وإنما الخصم داء، والشهود شفاء، فأفرغ الشفاء على الداء".
ويرى الفقهاء أن تحمل الشهادة فرض كفاية[8] إذا قام به البعض سقط عن الباقين لقوله تعالى: ﴿ولا يأبى الشهداء إذا ما دعوا﴾[9] وقوله عز وجل﴿ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه﴾[10].
فيجب على من تحملوا الشهادة أدائها، متى ما دعوا لذلك، فإن قام بالأداء إثنان منهم سقط الفرض عن الجميع، ولا يأثم الممتنع عن أداء الشهادة، إلا إذا لم يكن عليه ضرر من أدائها، وكانت شهادته نافعة أما إذا كان عليه ضرر فلا يلزمه الأداء، ولا إثم عليه لقوله عز وجل﴿ولا يضار كاتب ولا شهيد﴾ ولا يلزم الشاهد أن يضر نفسه لنفع غيره.
ويرى ابن حزم أن أداء الشهادة فرض عين على كل من عملها إلا أن يكون عليه حرج في ذلك لبعد مشقة أو لتضييع مال أو ضعف في جسمه فليعنها فقط[11].
الفقرة الثانية :الشهادة في القوانين المدنية المغربية
وفي القانون المغربي فإن المادة 404 من ق ل ع تحدد الشهادة من بين وسائل الإثبات حيث تنص على: وسائل الإثبات التي يقررها القانون هما:
-إقرار الخصم
-الحجة الكتابية
-شهادة الشهود
-القرينة
وإن كان قانون الالتزامات والعقود يمنع قبول شهادة الشهود لإثبات الالتزامات التي تفوق قيمتها مائتين وخمسون درهما، فإنه يجوز قبولها في المواد التجارية، وفي الوقائع التي يتعذر بحكم طبيعتها أن تكون موضوع حجة سابقة لقيام النزاع، ولذلك نص الفصل 71 من ق م م على أنه "يجوز الأمر بالبحث في شأن الوقائع التي يمكن معاينتها من طرف الشهود، والتي يبدو التثبت منها مقبولا ومفيدا في تحقيق الدعوى".
وقد بينت الفصول 72 و73 و74 من ق م م المقتضيات الضابطة للحكم بالشهادة وظروف تنفيذه وملخصها، أن الحكم التمهيدي بالأمر بالبحث هو الذي يبين الوقائع التي تجري الشهادة بشأنها، وكذا يوم وساعة الجلسة التي يتم فيها، كما يتضمن استدعاء الأطراف للحضور وتقديم شهودهم إذا رغبوا في استدعاء شهودهم مباشرة أو إشعار كتابة الضبط خلال خمسة أيام باسماء الشهود الذين يرغبون في الاستماع إليهم، ليتم استدعاؤهم من قبلها، وفق القواعد الخاصة بتوجيه الاستدعاءات[12].
الفقرة الثالثة :خصائص الشهادة
لا تعتبر الشهادة حجة ملزمة، بل هي حجة مقنعة تترك دائما لتقدير القاضي مهما كان عدد الشهود ومهما اتفق طرفا النزاع على سماع الشاهد، فهي على عكس الكتابة التي تعتبر حجة ملزمة للقاضي فلا تخضع لتقديره.
وأن بعض الفقهاء جعلوا للشهادة مكانا من بين الأدلة المقيدة وهذا معناه أن الشهادة دليل يقيده أي أن نطاقها محصور، وهذا نظرا للخطورة التي يمكن أن تنتج عنها ومنها الكذب والنسيان...إلخ.
إنما حجة غير قاطعة بمعنى أن ما يثبت بواسطتها يقبل النفي باي دليل من أدلة الإثبات الأخرى، كما يقبل ايضا إثبات عكسه أحيانا بشهادة النفي وذلك على عكس الأدلة القاطعة كالإقرار واليمين.
أن حجية متعدية، أي أن الثابت بواسطتها يعتبر ثابتا بالنسبة لكل الناس على عكس الإقرار الذي هو حجة على المقر فقط.
المحور الثاني: صور وأنواع الشهادة  وحجيتها الاثباتية
إن الشهادة التي نقصد هنا هي الشهادة الشفوية، ومبدأ الشفوية هو شرط لشهادة الشهود، لكن تناول البعض من الفقهاء مسألة الشهادة المكتوبة[13].
وتعد الشهادة المكتوبة صورة غير تقليدية لإحاطة المحكمة علما بأقوال الغير، وفي بداية الأمر كانت المحاكم الفرنسية تأخذ بها على سبيل الاستدلال ثم تطورت المحاكم لتأخذ بها كقرائن في الدعوى متروكة لتفطن القاضيي وذكائه وقد قضت محكمة النقض الفرنسية في حكم لها مؤرخ في سنة 1954 بأنه يعد مخالفة لنصوص القانون رفض محكمة الموضوع الاعتداد بمستندات متضمنة أقوال الغير لكون هذا الأخير لم يتم سماعه في نطاق التحقيق ثم قضت محكمة النقض في حكم آخر بتاريخ 5/10/1960 صراحة بقيمة هذه الشهادات المكتوبة في الإثبات وأضفت عليها حجية الشهادة في نطاق التحقيق[14].
ولقد كرس المشرع الفرنسي ما جرى العمل به في القضاء وذلك بإصدار مرسوم الشهادة المكتوبة وكافة المسائل المتعلقة برقم 73-1122 المؤرخ في 17/12/1973.
ورغم ذلك يرى البعض أننا في هذه الحالة أمام كتابة خاصة وأن الشاهد أو بكلمة أدق كاتب الورقة لا يظهر أمام القضاء فالشاهد دليل حي كما يقال أضف إلى ذلك أن حضور الشاهد يمكن أن يأتي بفائدة كبيرة تتمثل في الحصول على معلومات جديدة كالإضافات والتفسيرات[15].
وتجدر الإشارة من الناحية العملية، أن الشهادة المكتوبة قليلة الاستعمال، حتى وإن توصل التقدم العلمي إلى تسجيل الشهادة بواسطة أجهزة تسجيل الأصوات والصور.
وعلى سبيل الإشارة فإن المحكمة المدنية للسين (Seine) وافقت للزوج في دعوى الطلاق أن يستعمل كشهادة شهود أسطوانة تتضمن بعض التصريحات التي صرحت بها الزوجة والتي سجلها زوجها[16].
ويرى بعض الفقهاء أنه يكفي في ظروف استثنائية تلاوة الشهادة المكتوبة للشاهد أو ضمها إلى ملف القضية للاعتداد بها، كما يحدث أن يضم ملف تحقيق جزائي إلى ملف قضية مدنية، ويعتد بما ورد مكتويا في التحقيق الجزائي من شهادة شهود[17].
الفقرة الاولى : الشهادة المباشرة والشهادة غير المباشرة
الأصل في الشهادة أن تكون مباشرة فيخبر الشاهد بما وقع تحت بصره أو سمعه، وقد يخبر بما رآه بعينه كواقعة تسليم مبلغ مالي أو مشاهدته لحادث من حوادث السيارات أو أن يخبر بما سمعه بأذنه كما إذا كان قد حضر مجلس العقد وسمع البائع يتعاقد مع المشتري، وجاء أمام المحكمة أو المجلس القضائي ليشهد بما سمعه أو رآه[18].
والأصل في الشهادة المباشرة أن تكون شفوية، بحيث يدلي الشاهد بشهادته دون الاستعانة بأية مذكورة وإن كان المشرع المصري يجيز للشاهد الاستعانة بمفكرات مكتوبة بإذن المحكمة أو القاضي المنتدب وحيث تسوغ ذلك طبيعة الدعوى، وذلك ما ورد صراحة في المادة 90 من قانون الإثبات المصري[19].
أما الشهادة غير المباشرة أو الشهادة من الدرجة الثانية أو السماعية فهي تلك الشهادة التي يدلي بها شاهد لم يتصل بالواقعة المتنازع عليها شخصيا بإحدى حواسه، وإنما يردد فقط ىما سمعه من الغير، فهي شهادة نقلت له عن طريق الغير[20].
ويظهر ضعف الشهادة غير المباشرة أو السماعية من ناحيتين، ناحية الريبة حول حقيقة وصدق ما يرويه الشاهد السماعي نقلا عن الشاهد الأصل المباشر، وثم ناحية الريبة في حقيقة وصدق ما أكده هذا الأخير من وقائع يقوم الشاهد السماعي بنقلها إلى المحكمة، وهذا الضعف في الشهادة غير المباشرة قد يحمل القاضي على عدم تصديقها، وبالتالي على إهمالها[21].
الفقرة الثانية: الشهادة بالتسامع والشهادة بالشهرة العامة
تعرف الشهادة بالتسامع على أنها الشهادة بما يتسامعه  الناس وبالرأي الشائع لدى الجمهور عن الواقعة المراد إثباتها، فهي تختلف إذن عن الشهادة السماعية أو غير المباشرة، لأن هذه تقوم على ما سمعه الشاهد من شخص معين رأى الواقعة بعينه أو سمعها بأذنه ويكون مسؤولا على صحة ما يشهد به[22] أما الشهادة بالشهرة العامة، فإن الشاهد في هذا النوع من الشهادة لا يروي نقلا عن شخص مباشر يكون قد شاهد الواقعة محل الإثبات، وإنما يروي ما يجري على ألسنة الناس وما هو شائع بينهم[23].
ومن المعلوم به أنه لا يجوز اللجوء إلى هذه الشهادة إلا في حالات استثنائية وحيث ينص القانون صراحة على قبولها.
ولقد نص القانون المدني الفرنسي على قبول الشهادة بالتسامح في عدد من الحالات، منها الحالة التي يهمل فيها الوصي تحرير جرد بأموال القاصر، وحيث يخول هذا الأخير بعد أن يصبح راشدا إثبات قيمة وماهية أمواله بجميع الوسائل بما فيها الشهادة بالتسامح[24].
أما في الفقه الإسلامي فإنه يؤخذ بالشهادة بالتسامح في الكثير من المسائل كالزواج والوفاة والنسب والمهر[25].
أما المالكية فقد تم استعمال الشهادة بالتسامح لإثبات إنشاء الوقف والوصية وفسخ النكاح والملكية والحيازة، والوقائع التي تثبتها هي عادة وقائع ترجع إلى عشرة أو عشرين سنة ولم يكن قد حضرها عدد كبير من الشهود، كما يجب أن تكون الواقعة خالية من أي مجال للشك[26].
أما الشهادة بالشهرة العامة فهي لا تعتبر شهادة بالمعنى الصحيح بل هي ورقة مكتوبة تحرر أمام جهة رسمية، تدون فيها وقائع معينة يشهد فيها الشهود يعرفون هذه الوقائع عن طريق الشهرة العامة[27] ةفهي تفترض وجود موظف عام كموثق أو قاضي يدلي أمامه الشهود بمعلوماتهم عن الواقعة المراد إثباتها ويجب أن يكون للشهود معرفة شخصية بهذه الواقعة عن طريق الشهرة العامة، ولقد نص المشرع المدني الفرنسي صراحة على قبول استعمال الشهادة بالشهرة العامة كدليل ثبوتي فإذا تعذر على أحد الزوجين مثلا عند عقد زواجه أن يحصل على شهادة ميلاد، أمكنه أن يقدم بدلا عنها شهادة منظمة لدى القاضي بناء على تصريحات ثلاثة شهود يبينون إسمه ولقبه وحرفته ومحل إقامته وتاريخ ميلاده، كما تستعمل هذه الشهادة في حالة فقدان أو تلف سجلات الأحوال الشخصية لإثبات الزواج أو الولادة أو الوفاة.
وتستعمل في مصر هذه الشهادة لإثبات الوراقة وحصر التركة وغيبة المفقود وذلك أمام الجهات الرسمية كالمحكمة الشرعية[28].
*شهادة اللفيف العدلي
أحدث المالكية قواعد لقبول شهادة غير العدول وأوجبوا أن تتم في قالب معين يتمثل في أن عددا محددا من الرجال غير العدول يدلون بشهادة تهم إلى عدلين يقيدان مضمون ما شهدوا به على شكل معين وشروط خاصة، ولذلك تصبح تلك الشهادة بينة يجوز للقاضي الحكم بمقتضاها وهي المسماة بشهادة اللفيف[29].
وقد بزغت هذه الشهادة في النصف الثاني من القرن العاشر الهجري وتنقسم إلى قسمين رئيسيين:
*اللفيف التواتري: وهو الذي يحصل به العلم بما يلي:
-أن يكون خبر جميع ولا حد للجمع من جهة الكثرة
-أن يستحيل تواطؤ المخبرين على الكذب
-اما يكون مستند علهم المخبرين أمر محسوس وذلك احترازا من الأمور العقلية والنظرية
*اللفيف الذي لم يستوفي شروط التواتر
هذا اللفيف لا يحصل بغير شهوده العلم وهو أقل رتبة من اللفيف التواتري لوم تكن له قوة إثباتية تامة كشهادة عدلين، واللفيف التواتري إذا استوفى العدد المصطلح عليه وهو إثنا عشرة رجلا سمي بينة لفيفية او موجبا لفيفيا وإذا قل عددهم عن إثني عشر سمي تلقية[30].
الفقرة الثالثة: حجية الشهادة في الإثبات
رغم كون الشهادة تعتبر من وسائل الإثبات في القانون المغربي فإنه رغم ذلك يبقى للقاضي سلطة واسعة في الأخذ بها أو العدول عنها ويمكن في هذا الإطار أن يأخذ القاضي بشهادة المرأة على شهادة الرجل وقد تكون شهادة الصبي أبلغ من شهادة الرشد، وشهادة واحد أقنع من شهادة إثنين أو أكثر.
وهكذا يمكن القول أن قوة الشهادة محدودة في إثبات التصرفات القانونية فهي لا تقوم دليلا إلا في حالات معينة هي:
-تكون الشهادة طريقا أصليا في إثبات التصرفات القانونية التي لا تزيد قيمتها عن 250 درهم ما لم ينص القانون على خلاف ذلك.
-تكون الشهادة طريقا تكميليا في الإثبات، إذا وجد مبدأ ثبوت بالكتابة وجب تكملته بشهادة الشهود.
-تكون الشهادة طريقا بديلا في الإثبات وذلك بعد فقدان الدليل الكتابي
وبالمقابل فإن الشهادة تكون لها قوة مطلقة وذلك في إثبات الوقائع القانونية كالعمل غير المشروع، والبناء والضرائب والأثراء على حساب الغير، وكذلك في إثبات التصرفات القانونية التجارية[31].
وهذا ما أكدته العديد من القرارات الصادرة عن المجلس الأعلى ومنها القرار الصادر بتاريخ 29/5/1991 إذ جاء فيه أن المحكمة اعتبرت شهادة الشاهدين المستمع إليهما في المرحلة الابتدائية غير كافية لإثبات مديونية المطلوب في النقض باعتبار أن المبلغ المدعى فيه يقوق 250 درهما على الرغم من أن المعاملة حسبما وقع التمسك بها بين تاجرين بعدد معاملات تجارية ويمكن اللاعتماد في إثباتها على شهادة الشهود، استثناء من القاعدة العامة، كما تقضي بذلك الفقرة الأخيرة من الفصل 448 من ق ل ع مما يكون معه القرار المطعون فيه الذي اعتمد مقتضيات الفصل 44 من ق ل ع دون التثبت من صفة الدين، والطرفين خارقا لمقتضيات الفصلين المذكورين[32].
فالوقائع القانونية المادية يجوز إثباتها بالشهادة، وهكذا يسوغ إثبات وسائل التدليس أو الإكراه في باب عيوب الإرادة بواسطة شهادة الشهود كما يجوز إثبات الإثراء والافتقار بدون سبب بالشهود ونفس الأمر بالنسبة لإثبات أركان المسؤولية التقصيرية.
ففي هذه الحالات يجوز استخدام الكتابة أو الشهود في الإثبات لأنهما طريقان أصليان لإثبات هذه الوقائع[33].
كما أن الشهادة لا تقوم إلا بعد أداء اليمين القانونية عنها في مجلس القضاء، وهذا ما جاء في قرار صادر عن المجلس الأعلى بتاريخ 31/3/2004 "...ما دام أن الشاهدة لم يتم الاستماع إليها واكتفى  فقط المشغل بالإدلاء بصورة لتصريح لها، فإن هذا غير كاف لأن الشهادة المعتمدة هي التي تؤدى عنها اليمين القانونية، وبذلك فالمحكمة وما لها من سلطة تقديرية في تقييم شهادة الشهود عندما اعتبرت بأن ما نسب للأجير من أخطاء لا يستند فيه على دليل كان لإثباته مما يشكل إخلالا من طرف المشغل في فصله للأجير...." [34].
أما بالنسبة لشهادة اللفيف ومدى حجيتها في الإثبات فإنه واستنادا إلى المادة 401 من ق ل ع والتي تنص "لا يلزم لإثبات الالتزامات أي شكل خاص إلا في الأحوال التي يقرر القانون فيها شكلا معينا إذا قرر القانون شكلا معينا، لم يسغ إجراء إثبات الالتزام أو التصرف بشكل آخر يخالفه إلا في الأحوال التي يستثنيها القاتنون".
كما تقضي المادة 402 من ق ل ع "إذا لم يكن العقد خاضعا لشكل خاص واتفق عاقداه صراحة على أنهما لا يعتبران تاما إلا إذا وقع في شكل معين، فإن الالتزام يكون موجودا إلا إذا حصل في الشكل الذي اتفق عليه المتعاقدان".
وبذلك يصح اعتماد شهادة اللفيف كوسيلة للإثبات في كل ما لم يوجب القانون إثباته بوسيلة معينة، واعتبارها أدلة إثبات شرعية إلى جانب وسائل الإثبات المقررة في ق ل ع.
غير أن شهادة اللفيف لا يمكن الاعتماد عليها إلا في الحالات الاستثنائية التي لا يوجب القانون فيها اعتماد وسيلة معينة في الإثبات ولقد أكد المجلس الأعلى على ذلك في أحد القرارات وجاء فيه "إن اللجوء إلى شهادة اللفيف غير ممكن إلا إذا تعذر الحصول على شهادة عدلية وإلا أصبحنا أمام شهادة مسترابة نظرا للعدول عن العدول"[35].
وتكثر شهادة اللفيف في القضايا المدنية والقضايا العقارية وقضايا الأسرة، وقضايا الحالة المدنية.




[1] -Roger Merle et anfré vitu, traité de droit criminel édition cujas, Paris, 1967, p: 740.
[2]- سورة البقرة الآية 282.
[3]-سورة البقرة الآية 283.
[4]-سورة النساء الآية 415.
[5]-سورة الطلاق الىية 2.
[6]-عائدة عبد الملك عبد الفتاح الشامي، قواعد وإجراءات الإثبات في القانون اليمني، مركز الصلاحي الحديث تعز 2008، ص: 130.
[7]- حاشية البيجوري، الجزء الثاني، ص: 524.
[8]المغني لابن قدامة محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة، طبعة مكتبة الرياض الحديثة، 1980، الجزء 9 ، ص: 146.
[9]-سورة البقرة الآية 282.
[10]-سورة البقرة الآية 283.
[11]-عبد الكريم زيدان، نظام القضاء في الشريعة الإسلامية، طبعة دار الرسالة 2005، ص: 141.
[12]- عبد اللطيف بغيل، ، المختصر في الدعوى  المدنية وإجراءاتها وفق قانون المسطرة المدنية المغربي، مطبعة سبارطيل طنجة 2006 ، ص: 157.
[13]-Emanuel verge et Georges, répertoire de droit civil, tome 4 (préemption servitude), jurisprudence générale, Dalloz Emmanuel verge, paris 1954, p: 153-154.
[14]-سحر عبد الستار إمام يوسف دور القاضي في الإثبات دراسة مقارنة، رسالة للحصول على درجة الدكتوراه في الحقوق جامعة عين شمس كلية الحقوق 2001، ص: 295-296.
[15]-Henry levy Brul, la preuve judiciaire, étude de sociologie juridique, paris librairie manuel riviere et CIE serie A auteurs contemporains 1964, p: 125-126.
[16]-Verger et ripert, op. cit, p: 154.
[17]-عبد الرزاق أحمد السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني الجديد، المجلد الثاني، دار النهضة العربية القاهرة ، ص: 312.
[18]-نبيل إبراهيم سعد، الإثبات في المواد المدنية والتجارية، دار النهضة للطباعة والنشر، بيروت بدون سنة، ص: 171.
[19]-نبيل إبراهيم سعد، مرجع سابق، ص: 172.
[20]-إدوارد عيد، موسوعة أصول المحاكمات والإثبات والتنفيذ الجزء السادس عشر، الإثبات اليمين والشهادة، لبنان 1991 ، ص: 172.
[21]-براهيمي صالح، الإثبات بشهادة الشهود في القانون الجزائري، رسالة لنيل شهادة الدكتوراه في القانون، جامعة يزو وزو 2012، ص: 22.
[22]-إدوارد عيد، م س، ص: 174.
[23] -Marcel Planiol, traité élémentaire de droit civil revue et complété par George Ripert tomme deuxième obligation contrats suretés réelles, librairie de droit et jurisprudence 1947, p: 707.
[24]-نبيل إبراهيم سعد، مرجع سابق، ص: 172.
[25]-نبيل إبراهيم سعد، مرجع سابق، ص: 172.
[26]-إبرهيم صالح، مرجع سابق، ص: 23.
[27]-عبد الحميد الشواربي، مرجع سابق، ص: 174.
[28]-إدوارد عيد، م س ، ص: 178.
[29]-عبد الرزاق السنهوري، مرجع سابق، ص: 312.
[30]-أبو الشتاء الصنهاجي، مواهب الخلاق على شرح التاودي للأمية الزقاق 2/312، طبعة 2.
[31]-تنص المادة 334 من مدونة التجارة على حرية إثبات التصرفات القانونية بين التجارة.
[32]-قرار المجلس الأعلى عدد 1358 بتاريخ 29-5-1991 في الملف المدني عدد 3169/87 منشور بمجلة الإشعاع عدد 6 دجنبر 1991، ص: 59.
[33]-عبد الكريم شهبون، مرجع سابق، ص: 396.
[34]-قرار عدد 301 بتاريخ 31/03/2004 ملف اجتماعي عدد 1251/5/1/2003 أشار إليه امحمد لفروجي في دلائل علمية عدد 2 الإثبات أمام المحاكم من خلال قضاء المجلس الأعلى لسنوات 2000-2005 في القضايا التجارية والجنائية والاجتماعية والإدارية والمدنية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2005.
[35]-قرار عدد 34 بتاريخ 6-2-80 في الملف رقم 61405 منشور بمجلة رابطة القضاة عدد 6 يونيو 83، ص: 145.
التصنيف :
هام : هذا الموضوع ضمن تصنيفات المدونة زووم العربية نشكرك للمتابعة . يمكنك نقل الموضوع من المدونة لكن بشرط يجب ذكر المصدر و ذكر رابط الموضوع الاصلي قبل نقل أي موضوعالمرجوا زيارة صفحة الخصوصية
نسخ الرابط
نسخ للمواقع

0 التعليقات:

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

المساهمات

المساهمات

اشترك في القائمة البريدية

contentieux des affaires ( ISSN ) 2508-9293 © 2014-2016